الكاتب عبد الهادي بلغيث لـ"المساء":

قصص مجموعتي مرآة لتجربتي الشخصية ونظرتي إلى الحياة

قصص مجموعتي مرآة لتجربتي الشخصية ونظرتي إلى الحياة
الكاتب عبد الهادي بلغيث
  • 138
لطيفة داريب لطيفة داريب

"خلف بريق السينما"، هو عنوان الكتاب الجديد للكاتب عبد الهادي بلغيث، يضم 50 قصة قصيرة جدا، صدر عن دار “إدليس بلزمة”، وسيكون حاضرا في معرض الجزائر الدولي للكتاب، الذي ستنطلق فعالياته، قريبا.."المساء" تواصلت مع الكاتب وأجرت معه حوارا، للوقوف عند عوالم هذا العمل الأدبي، الذي يتخذ من القصة القصيرة جدا، نافذة لكشف خبايا الوسط الثقافي ... تحديدا السينمائي منه، فكان هذا الحوار.

❊ عنوان مجموعتكم "خلف بريق السينما"، يحمل مفارقة بين الواجهة المضيئة، وما تخفيه الكواليس. ما الذي أردتم التعبير عنه بهذا العنوان، وما الحكاية أو الفكرة التي كانت الشرارة الأولى لكتابة هذا العمل؟

❊ اخترت لمجموعتي القصصية القصيرة جدا “خلف بريق السينما”، الصادرة عن دار “أدليس بلزمة” للنشر والتوزيع، هذا العنوان، لأُعبر من خلال الكوميديا السوداء، عن المفارقة بين الواجهة اللامعة للفن السابع، وما تخفيه الكواليس، مستهدفا دراسة واقع الوسط الثقافي والفني والسينمائي، من خلال ثنائية الاحتفاء والتهميش.

انبثقت فكرة العمل من ملاحظات واقعية جعلتني أتوقف عند بعض الظواهر، التي يشهدها الوسط الثقافي والفني والسينمائي، خاصة ما يتعلق بالتهميش وتفاوت فرص الحضور والاعتراف بالجهود. وقد دفعتني هذه الملاحظات، إلى استكشاف ما تخفيه كواليس الحياة الفنية من تجارب إنسانية، وقضايا لا تنعكس دائما في صورتها الظاهرة، فوجدت في الكتابة وسيلة للتعبير عنها، وتسليط الضوء على جوانب من الواقع، تستحق أن تُروى وتجد صداها لدى القارئ.

❊ اخترتم القصة القصيرة جدا شكلا أدبيا لهذا الكتاب. إلى أي مدى يتيح هذا الجنس الأدبي التعبير عن الأفكار العميقة والمشاعر الإنسانية بكلمات قليلة، وما أبرز التحديات التي واجهتكم في الكتابة بهذا التكثيف؟

❊ إن اختياري للقصة القصيرة جدا شكلا أدبيا لهذه المجموعة، ينبع من قدرة هذا الصنف السردي الإبداعي على التقاط المفارقات بأعلى درجات التكثيف والاختزال؛ فهو يتيح التعبير عن الأفكار العميقة والمشاعر الإنسانية المركبة، بكلمات قليلة تفتح آفاقا دلالية واسعة، محولا النص إلى ومضة خاطفة، تستثير وعي القارئ وتضعه مباشرة أمام الفكرة دون إطالة.

أما أبرز التحديات التي واجهتني في الكتابة بهذا التكثيف، فتتمثل في تحقيق التوازن بين الإيجاز والعمق، من خلال الاستغناء عن التفاصيل الهامشية والزوائد اللغوية، مع الحفاظ على قوة الفكرة وشحنتها العاطفية، إلى جانب صياغة قفلة مباغتة، تمنح النص أثره وتضاعف دلالته؛ فكل كلمة في القصة القصيرة جدا محسوبة بدقة، وأي زيادة أو نقصان قد يُضعف جوهرها وبنيتها ويفقدها بريقها.

❊  تستحضر أجواء الكتاب، عالم السينما وقاعاته وذاكرته. هل تنظرون إلى السينما بوصفها مجرد فضاء للفرجة، أم باعتبارها مرآة للتحولات الاجتماعية والإنسانية، ومخزنا لذاكرة الأفراد والمجتمعات؟

❊ أنظر إلى السينما بوصفها فضاء فنيا، يعكس التحولات الاجتماعية والإنسانية والثقافية والسياسية، ويوثق جوانب من ذاكرة الأفراد والمجتمعات، عبر القصص والشخصيات والتجارب التي ينقلها إلى الشاشة. فالأفلام تحمل آثار المرحلة التي أُنتجت فيها، وتكشف عن أنماط التفكير والعلاقات الاجتماعية والقيم السائدة، كما تحفظ صورا من الحياة، قد تتغير أو تتلاشى مع مرور الزمن. ومن هذا المنطلق، أرى أن السينما تتجاوز الترفيه، لتصبح سجلا بصريا للذاكرة الجماعية، ووسيلة لفهم الإنسان ومحيطه الاجتماعي، واستحضار القضايا والتحولات التي شكلت وعي المجتمعات وتجاربها.

❊ بعد إصدار "خلف بريق السينما"، ما الأثر الذي تتمنون أن تتركه هذه القصص في القارئ؟ وهل ترون أن القصة القصيرة جدا، قادرة على إحداث تغيير في طريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى الواقع، أم أن قوتها تكمن أساسا في إثارة الأسئلة وترك التأويل مفتوحا؟

❊ أتمنى أن تترك قصص “خلف بريق السينما” لدى القارئ، مساحة للتأمل في واقع الوسط الفني والثقافي، وأن تدفعه إلى إعادة النظر في بعض الممارسات والعلاقات التي تحكمه. وأرى أن القصة القصيرة جدا، قادرة على التأثير في طريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى الواقع، متى امتلكت فكرة مكثفة ودلالة تتجاوز حدود كلماتها، إذ يمكنها اختزال لحظة أو موقف إنساني في صياغة موجزة، تظل عالقة في ذهن القارئ. كما تكمن قوتها في قدرتها على إثارة الأسئلة، وفتح المجال أمام التأويل دون فرض إجابات محددة، بما يمنح القارئ فرصة للتفكير في دلالات النص واستكشاف أبعاده، ويجعل أثره ممتدا إلى ما بعد القراءة.

❊ إلى أي مدى تعكس قصص “خلف بريق السينما” تجربتكم الشخصية ورؤيتكم للحياة، وهل تؤمنون بأن الكاتب يكتب ليحفظ ما يتلاشى من الذاكرة، أم ليكشف ما يعجز الواقع عن قوله بصراحة؟

❊ تعكس هذه القصص، جانبا من تجربتي الشخصية ونظرتي إلى الحياة، فقد استلهمتُ أفكارها من مواقف ومشاهد تركت أثرا في ذاكرتي، ومن تفاصيل إنسانية واجتماعية تستحق التأمل. أؤمن بأن الكتابة تحفظ ما قد يطويه النسيان من وجوه وتجارب ومواقف، وتمنح الكاتب مساحة للتعبير عن قضايا يصعب طرحها بوضوح في الحياة اليومية، من خلال معالجة أدبية، تستند إلى فهم الواقع وإدراك أبعاده الإنسانية والاجتماعية. فالكاتب في تقديري، يعيد قراءة الواقع من زاويته الخاصة، ويحول التفاصيل العابرة إلى أسئلة تفتح أمام القارئ، مجالا للتفكير في الإنسان والمجتمع وما يحيط بهما من تحولات.