المخرج المسـرحي زياني شريف عـياد لـ"المساء":

على المسرحيّين أن يختاروا معاركهم الفنيــة

على المسرحيّين أن يختاروا معاركهم الفنيــة
المخرج المسـرحي زياني شريف عـياد
  • القراءات: 12167
حـاورته: دليـلة مالك حـاورته: دليـلة مالك

المسرح الجزائري مشروع ضخم... يجب مراجعة كل شيء

❊ حال المسرح المحترف اليوم هاوياً وبأجر بخس!

❊ في المهرجانات يجب التوقّف عن التعاطف الاجتماعي في اختيار المسرحيات

لولا الراحل سعيد بن سلمى لما كنت مخرجا اليوم

❊ يجب العودة إلى النصوص التي أسست للمسرح الجزائري

❊ صوتي لم يصل إلى وزارة الثقافة والفنون بسبب البيروقراطية

❊ على المسرحيّين أن يحملوا رؤى، وأن يختاروا معاركهم

عاد المخرج المسرحي زياني شريف عياد، في هذا الحوار مع "المساء"، إلى الرسالة المفتوحة التي أودعها لدى وزارة الثقافة والفنون مؤخرا، ليؤكد أن ما كتبه إلى الوزيرة صورية مولوجي، يعكس ما يمليه ضميره المهني وحتى يتجنب ملامة التاريخ، من أداء ما وصفه بالواجب. وفي الوقت نفسه قال إنه لا ينتظر شيئا من الوزارة، وأنه فعل ما عليه من أجل أن تتحرك الوصاية المعنية لنهضة المسرح الجزائري من وجهة نظر رجل مسرحي ممارس لأكثر من نصف قرن، عزّز ريبرتوار المسرح الوطني بأعمال خالدة، مثل الحافلة تسير، و«العيطة، و«فاطمة وغيرها.

وكأنك تريد أن تقول شيئا في البداية؟

❊❊ نعم. قد علمت بوفاة سعيد بن سلمى. كان صديقا مقربا جدا. في عامي 1975 و1976 التحق بالإدارة إلى جانب عبد القادر علولة، ثم أصبح مديرا للمسرح الوطني الجزائري. كانت تلك هي السنوات التي بدأت فيها الإخراج. ثم انضممت إليه لتولي منصب مدير فني في المسرح الوطني.. اليوم، أريد أن أشيد به؛ لأنه كان مخرجا رائعا للمسرح ولكن كان خلف الكواليس. لقد كان محترفا؛ لقد كان متذوّقا كبيرا للفن الرابع، ولولا بن سلمى لما  كنت مخرجا مسرحيا اليوم؛ كان مقتنعا بعملي، ومتفتحا على أفكاري.

لماذا راسلت وزيرة الثقافة والفنون؟

❊❊حوالي 60٪ مما كتبته حاولت القيام به عندما كنت مديرا للمسرح الوطني. ولسوء الحظ تم إقالتي من قبل الوزيرة في ذلك الوقت، حتى إنني خضعت للرقابة لمدة عشر سنوات، ولم أشارك في أي مشروع مسرحي إلى اليوم. عندما سمعت الوزيرة مولوجي تقول في الندوة الوطنية للمسرح، إنه جرى الحديث عن كل شيء ما عدا المسرح، قررت التحدث نيابة عن كل من اقترح أفكاره، وللأسف وصلنا إلى وقت أصبحت فيه الإدارة بيروقراطية! كتبنا واقترحنا عدة مرات، لكنها لم تؤت ثمارها!

الشيء الآخر الذي دفعني إلى كتابة هذه الرسالة هو تجربتي. اشتغلت إلى جانب الكبار مثل كاكي، وعلولة، وكاتب ياسين. لدينا نوع من سياسة فقدان الذاكرة. والحقيقة أن لدينا ذاكرة أكبر... والسؤال الذي يجب طرحه:ماهوالمسرحالمحترف؟وماهوالفرقبينالمحترفومسرحالهواة؟وماهيمهامالمسرحالوطنيوالمسرحالجهوي؟هذه هي الأسئلة الحقيقية التي يجب أن تُطرح في الشكل والمضمون. ولسوء الحظ، حتى يومنا هذا نواصل العبث. إذا كان عليّ أن أصف حال المسرح المحترف اليوم، فسأقول إنه "مسرح هواة، وبأجر بخس".

لقد عُرض عليّ، بالفعل، أن أكون مديرا للمسرح الوطني، وهو ما رفضته؛ لأنني كنت أعرف أنه غير ممكن.  في مطلع الألفية طلب مني وزير الثقافة آنذاك محمد عبو، أن أكون مديرا للمسرح الوطني. وضعت شروطي وأخبرته أنني لا أريد أي تدخّل من مصالح الوزارة، ربما لم أكن أريد أن أمارس المحسوبية. أردت، أيضا، فرض انضباط معيّن، مرتبط بالجداول الزمنية؛ إذا كان العرض سيبدأ في الساعة 7مساء، فستكون كذلك الحال؛ لأنني أحترم الممثلين الذين ينتظرون خلف الستار، وكذلك الجمهور الذي جاء في تلك الساعة، وهذا ماحدث.

كان المسرح الوطني مسرحا وطنيا محترفا حقيقيا في ستينيات القرن العشرين؛ لأنه في ذلك الوقت، أُدير من قبل المحترفين، كانوا هم الذين يقررون كل شيء. اليوم، إذا أردنا أن نبدأ من جديد وفي ظروف جيدة، يجب علينا مراجعة كل شيء؛ على غرار النصوص التي تنظم المسرح. يجب أن يكون له أيضا مهمة مرجعية، بما في ذلك مهمته في الحفاظ على الرصيد المسرحي الجزائري؛ بإعادة إنتاج النصوص المسرحية الأولى التي شكّلت لبنة المسرح الجزائري، مثل كاتب ياسين، أو علولة، أو كاكي؛ لأنّ كل جيل من المخرجين سيقرأ النص بحساسيته، وعصره، ويعطيه فارقا بسيطا؛ لذلك يجب أن نضع الوسائل، ونعيد هيكلة المسرح، وكذلك فالمسرح الوطني هو المسؤول عن هذا الرصيد المسرحي.

ثم ما هو المسرح الجهوي؟ وما هي مهمته؟ إذا كان لدينا مخرج أو أربعة مخرجين بدأوا في الظهور ولكلّ منهم عالمه الخاص في العمل، فيجب أن نعهد إليهم بإدارة هذه المؤسسات، التي ستصبح مراكز دراما وطنية، والتي ستكون أماكن مخصصة للإبداع، والتي ستسمح لهؤلاء الشباب باستكشاف عوالمهم، وتقديم العروض كما يشعرون بها. وبهذه الطريقة سيكون لدينا مسرح متنوع، مع العديد من الرؤى المختلفة. وقد تم ذلك في زمن بدايات المسرح الوطني؛ فمسرح رويشد ليس كمسرح علولة؛ فكل شخص لديه رؤيته.

هل تعني أن المسرح الممارَس اليوم متشابه؟

❊❊ نعم، بشكل ما. اليوم، المسرح الجزائري ليس لديه رؤية أو سياسة عامة. تسمح الوزارة بتنوع المسارح. كيف يمكن أن يكون لدينا نصوص إذا لم يكن لدينا إقامات كتابية؟ كل هذا اقترحته على الوزارة.

تحدثت في رسالتك عن مشروع "ربيع الفنون"، ماهي فكرته؟

❊❊ نعم، كيف في بلد مثل الجزائر، مع الشمس التي لديها، أن نقدّم المسرح فقط في قاعة؟ المسرح يمارَس في كل مكان. فكرة المشروع هي أن تعمل الأجيال الجديدة معا. علينا أن نخلق حركة فنية في الجزائر العاصمة. اقترحت إنشاء مسار للمسرح، والذي يبدأ من ساحة الشهداء إلى البريد المركزي، ويأخذ، على سبيل المثال، التواطؤ الذي كان بين محمد إيسياخم وكاتب ياسين في إنجاز مشاريع فنية، وهو ما يمكن أن يكون، أيضا، مع المدارس الفنية الموجودة في العاصمة. يجب أن ننتقل إلى مرحلة أخرى من الإبداع.

ما رأيك في التكوين بالجزائر؟

❊❊ هذه قضية أخرى. نحن نتكون كما كان يحدث في وقت سابق، أستاذ واحد فقط يتبع الطالب من سنته الأولى، حتى نهاية دراسته؛ لذلك في مدارس اليوم، يجب الاهتمام بالتدريب من قبل المهنيين. إنها مثل فصول الماجستير في الخارج، تشهد كل دورة ما يصل إلى خمسة مخرجين مختلفين؛ لذلك يتلقى الطالب حساسيات ووجهات نظر فنية مختلفة، وهذا ما يشكل صندوق أدوات الممثل. لكن المتكون لا يمكنه أن يكون ممثلا وهو يتلقى تكوينا من أستاذ وحيد.

هل اتصلت بك الوزيرة من قبل؟

❊❊لا، ولكن منذ أن أصبحت مستقلا مع إنشاء مسرح القلعة في عام 1989، كنت دائما أكتب إلى الوزراء وأقترح أفكارا، مثل تطوير المسرح المستقل؛ لأن المسارح في الجزائر متصلبة وبيروقراطية. من المستحيل أن تخلق في مثل هذه البيئةالأشخاص القلائل الذين نجحوا بسبب شغفهم بالمسرح.

يجب أن ننتقل، أيضا، إلى المسرح المستقل، وهو أخف وزنا. منذ أن غادرت مسرح الدولة إلى "القلعة" اكتشفت عدة أكوان مختلفة. لا توجد بيروقراطية، لسنا بحاجة إلى أن نطلب، على سبيل المثال، أمرا بمهمة للمشاركة في مهرجان دولي. لقد حان الوقت لفتح النافذة على العالم، والسماح لفنانينا باكتشاف أعمال الأخرين؛ ما سيسمح لهم بالتطور.  وفي ما يتعلق بالمهرجانات، علينا أن نتوقف عن التعاطف الاجتماعي وأخذ أي مسرحية بمقتضى المحاباة؛ فقد يتحوّل المهرجان إلى عرس، ولن نمضي قدما..لا ينبغي أبدا أن يكون المخرج المسرحي محسوبيا ويأمر باختيار مسرحية معيّنة، حتى الوزير لا يمكنه فعل ذلك؛ يجب أن تكون هناك لجنة تفعل ذلك؛ لأنّ هذه المسرحية يجب أن تقدَّم للجمهور، وليس لشخصه.

ماذا عن الأرشيف وذاكرة المسرح؟

❊❊ لدينا مادة وموارد يمكننا العمل بها لإعادة تشكيل هذه الذاكرة. إنه نقص في الوعي؛ كيف لا يتم إدخال المسرح أو الفنون الأخرى إلى المدارس؟ وقد تم التوقيع على اتفاقات بين وزارتي الثقافة والفنون والتربية، ولكن لم يؤت أيّ ثمار!يُعدّإعداد ورش عمل للمراهقين والبالغين جزءا من مواصفات المسرح. يصبح المراهقون متفرّجي الغد، وهذا ما سيجعل المسرح يتطور.

ما الذي ينقص المسرح اليوم لكي يستعيد ألقه؟

❊❊بالعودة إلى الأساسيات مع أشخاص يعرفون المجال...أنا لا أتحدث، فقط، عن المخرجين، ولكن أيضا عن الممثلين والصحفيين الذين يعرفون المسرح. كلّ شيء يحتاج إلى مراجعة. كيف تريد أن تكون محترفا إذا لم يكن المخرج ملزما في برمجته بعقد موسم يبدأ في سبتمبر وينتهي في نهاية جوان؟ يحتاج الجمهور إلى معرفة ما سيتم برمجته يوما بعد يوم. في الجزائر نبرمج اليوم السابق لليوم التالي؛ لذلك علينا أن نجعل الأمور احترافية.

وليس من الضروري أن يكون لدينا 25 مسرحا محترفا، وهذا ما أقترحه في رسالتي. يجب أن يكون هناك المسرح الوطني، الذي مهمته حماية الذاكرة المسرحية، وسينشئ أربعة أو خمسة مراكز درامية، يعهد بها إلى المخرجين الأكفاء، الذين يقومون بالبحث والإبداع. أما المسارح الأخرى فستكون مسارح مضيفة تجمع بين التعاونيات، وهذا يعني أنهم سيقومون بأعمال التوعية.

في السنوات الأخيرة شهدنا ظهور المسرح التجاري، مارأيك في الظاهرة؟

❊❊ لم لا؛ يوجد مسرح تجاري في كل بلد... لكن هذا الأخير لا ينبغي أن يكون هو الأساس. يجب ألا نركز على هذا النوع، فقط، في الخارج. لدخول العرض يدفع المتفرج 50 أو 70 يورو، ويتوافدون بقوة، لكن الجمهور في الجزائر يدفعون 200 أو 500 دينار، وحضورهم ضعيف، الأمر الذي لا يسمح بتغطية تكاليف المسرحية وأجور المشتغلين فيها. 

ماذا عن المسارح الخاصة؟

❊❊عندما نتحدث عن المسرح الخاص، علينا أن نعرف، مثلا، أن مسرح برودواي هو مسرح خاص، لكن لديه دعما غير مباشر، عبر المنح الخاصةفي الجزائر، يرعى القطاع الخاص كرة القدم فقط.. يمكن أن يكون هناك مسرح مستقل أو خاص، لكن المهم هو إنشاء مسرح عام، مدعوم من الدولة إذا كنا نريد، حقا، رفع المستوى.

إذا عدنا إلى مسرح ستينيات القرن العشرين، كان هناك مسرح كوميدي وشعبي، مع رويشد وممثلين آخرين، تعاملوا مع مواضيع حساسة إلى حد ما؛ مثل السياسة، لكنهم مرروا الرسالة من خلال الكوميديا؛ مثلحسن تيروالمسرحية التي تحدثت عن المجاهد الجبان رغم أن المسرح في ذلك الوقت، كان تجاريا، إلا أنّه كان منطقيا.

ما تعليقك عن الترويج للعرض؟

❊❊لا يمكننا الترويج لمدة يومين لعرض سيستمر لشهر. وبالفعل، يتم الترويج عندما يكون هناك موسم مسرحي. يجب علينا إنشاء نظام اشتراك وإشعار الجمهور بالعروض التي سيتم تقديمها في المسرح. وبالطبع، هناك، أيضا، ترويج عبر القنوات التلفزيونية ووسائل الإعلام الأخرى. ومن الضروري الحفاظ على الترويج للمسرحية لمدة شهر واحد على الأقل، لأنه بفضل الحديث في الأوساط، سيحصل الجمهور على المعلوماتومن الضروري، أيضا، جذب الشباب من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وإجراء مناقشات مع الجمهور؛ لمعرفة رأيهم في المسرحية. هذه أشياء أساسية نجدها في أكبر المسارح في العالم.

وكيف حال المسرح الجزائري؟

❊❊ المسرح الجزائري مشروع ضخم، كلّ شيء يجب مراجعته. علينا، حقا، أن نسأل أنفسنا ونفكر في المشاكل، وماهي الأولويات، ونحاول، أثناءها، البدء في العمل بمنظور حقيقي.

في رسالتك، قلت إن المسرح ليس أرقاما ولا كراسي ولا جدران، ماهو المسرح حسب زياني شريف عياد؟

❊❊المسرح ليس مجرد جرد للأرقام؛ أي أنه لا يحسب عدد الإيرادات التي قمت بها خلال العرض. أبدأ في حساب عدد المتفرجين في اليوم الذي يبدأ الجمهور في شراء تذكرة. وأرى أن هناك ديناميكية حقيقية، سأعتمد على العرض. ولكن قبل ذلك، هناك المحتوى أولا. نحن بحاجة إلى التفكير في المسرح الذي نريد تشجيعه. علينا أن نضع في أذهاننا أن هناك العديد من المسرحيات من حيث المحتوى الفني، وهناك أيضا العديد من الجماهير بأذواقهم.

وفي وقت سابق، كان للمسرحيين نضالهم الحقيقي، اختاروا معاركهم الفنية، واجهوا فكرة الاستيلاء على تراثنا وثقافتنا التي حوّلتها فرنسا الاستعمارية إلى فولكلور؛ إذ عملت فرنسا على نشر فكرة أن ثقافتنا ثانوية، وأنهم هم أساس الثقافة الحقيقية. ووفقا لهم تتجسد في نصوص موليير. لقد جسّدوا في أذهاننا عقدة النقص التي كان الغرب عليها. اليوم لم تعد هذه هي الحال، والممثل أو المخرج اليوم ليس لديه نضال. يجب أن نذكر، أيضا، غياب السياسة الثقافية.

ماذا تنتظر من وزارة الثقافة والفنون؟

❊❊ لا أنتظر شيئا. بعدما شهدت وتابعت أطوار الندوة الوطنية للمسرح التي جرت في شهر مارس الماضي، رأيت وجوها ليس لها علاقة بالمسرح. كما إن الشكل السينوغرافي للندوة لا يبشر بالخير، ولا يعكس، حقا، الإرادة الحقيقية من أجل تطوير قطاع المسرح.

هل تعمل حاليا على مشاريع؟

أعمل، حاليا، على مسرحية جديدة مقتبسة من رواية "ابن البيضةللروائي أمين الزاوي. تتناول قصة متقاعد يعيش مع كلبه، وستتناول المسرحية الأحداث في دمشق والجزائر. كما إنّني أكتب مؤلَّفا عن المسرح بشكل عام، وشخصيات المسرح التي فكرت فيها، ومن ثم تجربتي في ما يتعلق بإدارة المؤسسة الفنية. وسأرصد فيه وجهة نظري حول الفن وممارسيه وكل ما رأيته. أود أن أنجز كتابا جميلا يخوض في المسرح الجزائري من خلال دعمه بصور.