سعيدة بتجربتي في فن الديجيتال
الفنانة التشكيلية جهيدة هوادف
  • القراءات: 698
حاورتها: لطيفة داريب حاورتها: لطيفة داريب

الفنانة التشكيلية جهيدة هوادف لـ"المساء"

سعيدة بتجربتي في فن الديجيتال

حاورت "المساء" الفنانة التشكيلية جهيدة هوادف على هامش تنظيم معرضها "طيران" بالمعهد الفرنسي بالجزائر، وطرحت عليها أسئلة حول تجربتها الأولى من نوعها، في تقديم أعمال منجزة بتقنية الرسم الرقمي بعد مسيرة فاقت أربعين سنة في الرسم الأكاديمي، الزيتي منه والمائي.

حدثينا عن أول تجربة لك في إنجاز أعمال بتقنية الرسم الرقمي.

❊❊ معرضي الذي عنونته "طيران"، هو روحاني، مثله مثل المعارض التي نظمتها سابقا وإن اختلف عنها في كونه منجزا بتقنية الرسم الرقمي. في السنوات الأخيرة أصبحت روحانية أكثر، وهو ما أسقطته في معرضي بالمعهد الفرنسي، الذي أردته أن يكون بتقنية الرسم الرقمي، وهو، بذلك، يمثل أول تجربة لي في الجزائر، حيث سبق لي أن عرضت أعمالا بهذه التقنية في فرنسا، وكنت أود أن أضمها لهذا المعرض، لكني ولأسباب تقنية لم أستطع، وقد أفعل ذلك لاحقا. 

وعودة إلى هذا المعرض وهذه التجربة الجديدة، أعتقد أن الفنان يجب عليه أن يواكب التطورات الحاصلة في العالم، وبالأخص التي تمس التكنولوجيا، لهذا أعتبر أن استعمالي لها في أعمالي الفنية، تجربة فريدة من نوعها، ورائعة في نفس الوقت؛ فقد قمت بمزج بعض أعمالي السابقة بصور التقطتها، واعتمدت في ذلك على برامج في الكمبيوتر، خاصة بالرسم الرقمي. والنتيجة أعمال فنية اخترت من بينها 14، لعرضها في هذا المعرض. نعم، لقد استعملت بعض أجزاء لوحاتي السابقة، مثلما أستعمل في العادة، الألوان، ووزعتها على البرنامج الخاص بالرسم الرقمي. وأنا سعيدة جدا بالنتائج التي تحصلت عليها. نعم، على الفنان أن يتطور هو أيضا، وأن يبحث عن تقنيات جديدة لتقديم أعمال مختلفة، وحتى عن طرق جديدة لرؤية ما يدور حوله. ليس سهلا أن يفعل ذلك؛ لأنه، أحيانا، يصطدم بواقع لا يناسبه؛ فلكل فنان نظرة خاصة، وأهداف محددة، وآمال متوقَّعة.

تقنيات جديدة في الرسم، هل صاحَبها شعور جديد؟

❊❊ نعم يمكن القول إن هناك شعورا جديدا؛ لأن هذه الأعمال أُنجزت بأدوات مختلفة؛ لهذا فهي مميزة، ولا تشبه ما كنت أنجزه في السابق، حتى الجمهور وجد نفسه أمام لوحات لم يعتد عليها. نعم صاحبني شعور مختلف حينما أنجزت هذه اللوحات؛ ففي العادة هناك علاقة وطيدة بيني وبين المواد التي أستعملها في اللوحات الزيتية والمائية، وهذا الأمر مختلف مع الأعمال الرقمية، إلا أنني راضية جدا عن النتيجة التي لم أكن أنتظرها؛ فالرسم الرقمي يفتح لنا آفاقا واسعة جدا، فيمكننا، مثلا، المزج بين صور حقيقية وأخرى رقمية. كما يمكننا استعمال خيالنا إلى أبعد حدود ممكنة، بل إن هذه التقنيات تُثري عمل الفنان؛ لهذا أعيد وأكرر أن على الفنان أن يتابع ما يحدث في العالم، وأن يطور من التقنيات التي يستعملها، وحتى الجمهور من حقه رؤية أعمال مختلفة.

بما أن الرسم الرقمي يعتمد على تقنيات وبرمجيات خاصة، هل يمكن أيّاً كان أن يصبح فنانا؟

❊❊ الفنان هو الإحساس، أو كيف يحوّل هذا الإحساس إلى عمل مادي. والفنان التشكيلي يقدم أعمالا بتقنيات أكاديمية، وكان ولايزال عليه إتقان استعمال الألوان مثلا، والتعامل مع العمق والأبعاد، وغيرهما، في حين أن الرسم الرقمي يتطلب إتقان استعمال جهاز الإعلام الآلي، والبرمجيات الخاصة به؛ لهذا نعم، يمكن أيّاً كان التعبير بواسطة هذه التقنيات الحديثة، وتمرير رسائله.

لكن ليس كل من يستعمل تقنيات الرسم الرقمي، فنانا؟

❊❊ أعتقد أن هذا الأمر يعود إلى حس كل إنسان؛ ما الفرق بين فنان وإنسان عادي؟ أعتقد أن كل من يستطيع تمرير رسائل من خلال ترجمة إحساس ما إلى عمل فني، هو فنان. لا يهم أن يكون هذا الإنسان متقنا لتقنيات الرسم الأكاديمي، بل حينما يستطيع بإحساسه أن ينجز عملا فنيا ولو اعتمد فقط على الرسم الرقمي، يكون فنانا.

هل ستتخلى جهيدة عن ريشتها بعد أكثر من أربعين سنة من العطاء؟

❊❊ لا أبدا! ولن أتخلى عن هذه التقنيات الجديدة التي، حتما، سيكون لها تأثير على أعمالي المرسومة بالريشة. فهذه التقنيات سمحت لي بأن أعبّر بكل سهولة، عما أريده من دون أدنى صعوبة، فيمكنني أن أضفي كل ما أريده على الرسمة الرقمية؛ مثل الضوء، أو حتى أدمج بعض الصور برسومات، وغيرها. كل هذه الأمور ستحسن، حتما، نظرتي إلى الحياة، وعالمي، وفني، وحتى خيالي؛ ففي الرسم الرقمي كل شيء مستطاع.

هل تختارين موضوع الرسمة الرقمية قبل أن تشرعي فيها، أم أنه يفرض نفسه مع مرور الوقت؟

❊❊ أعمالي الرقمية مثل أعمالي السابقة؛ أي أنها مواصلة لانشغالاتي الفنية؛ فكل ما يهمني هو نقل قيم الحب، والسلام، والتسامح، والحكمة، وفي نفس الوقت أنا ضد العنف والدكتاتورية؛ لهذا فرسالتي الفنية واحدة مهما اختلف أسلوبي الفني؛ فلا يمكنني أن أغير من طبيعة أحاسيسي ولو غيرت من التقنيات الفنية المستعملة. صحيح أن الرسم الرقمي أو الديجيتال يعطيني مساحة أكبر للتعبير، ولكن مواضيعي نفسها لا تتغير.

من بينها الطيور التي تعشش في لوحات جهيدة؛ زيتية، مائية ورقمية؟

❊❊ نعم، ولكن هذه المرة الطيور واقعية، وقد اخترت صنف النوارس لأنني، دائما، أراها من شرفة المنزل حينما تحلق في السماء، بل أصبحت جزءا من حياتي، ولهذا أردت أن ألتقط صورا عنها. وقد احتجت إليها حينما قررت أن أنجز رسومات رقمية؛ فالطير هنا هو رمز للحرية، وللحب؛ فجاء معرضي هذا بعنوان "طيران". كما رسمت لوحة عن رقص الدراويش، وهو رمز لعلو الروح؛ لأن "الطيران" هو، أيضا، علو الإنسان، وتحرره من تعقيدات الحياة.

هل تلقيت تكوينا في فن الديجيتال؟

❊❊ في بداية المشوار نعم، لكنه كان تكوينا نظريا بحتا، بيد أن تقنيات فن الديجيتال تتطلب الممارسة، فكان لي ذلك، إضافة إلى قيامي بالكثير من الأبحاث في هذا المجال، وكذا مشاهدة فيديوهات حول الموضوع، علما أن هذه البرمجيات المعتمدة في هذا الفن، تتغير باستمرار.

هل المعرض القادم لجهيدة سيكون، أيضا، بتقنية الديجيتال؟

❊❊ لا أعرف. أردت في هذا المعرض أن يكون كذلك. ولا أدري هل سيكون المعرض المقبل بهذه التقنية أم لا. أريد، فقط، أن أشير إلى موضوع مهم، وهو الفضاء الذي يحتضن معرضي هذا، والمتمثل في كافيتريا بالمعهد الفرنسي بالجزائر. حقيقة، حينما تواصلت معي مسيّرة الكافيتريا لإقامة معرض هناك، رفضت؛ لأنني تعبت من تنظيم معارض يقصدها القلة القليلة من الجمهور، ولكنني حينما زرت هذا المكان وجدت فيه أصدقائي، وقلت في نفسي يجب أن أذهب أنا إلى الجمهور، وبالتالي تنظيم معرض في فضاء تغزوه الديناميكية.

هل تعتقدين أن الفن الكلاسيكي مهدَّد من فن الديجيتال؟

❊❊ لا أعتقد أن فن ديجيتال يشكل خطرا على الفن الذي تحكم فيه التقنيات الأكاديمية، فقط هو فن يقدم المزيد من المعرفة، ويثري الخيال بشكل كبير.

هل ميل جهيدة إلى الروحانيات نتيجة جائحة كورونا، التي وضعتنا في حال شك وتساؤلات لم نجد لها إجابات بعد؟

❊❊ أميل دائما إلى الروحانيات حتى ما قبل الجائحة، لكنني أعترف بأن هذه الأخيرة دفعت بنا إلى طرح المزيد من الأسئلة، خاصة حول نهاية الحياة، ونهاية الإنسانية، ومع ذلك أعتقد أن سعينا لفهم كل شيء، خطأ؛ لأن المعنى الحقيقي للحياة هو أننا لسنا بشيء يُذكر، ومع ذلك تبقى أرواحنا تطير في السماء، وتبقى، أيضا، أفعالنا الخيّرة والمفعمة بالحب والسلام قائمة. صحيح أن الأفعال المشينة تبقى أيضا، لكن يشار إليها بالأصبع.