الشعر ليس ترفا أدبيا وإنما هو كثير من الفرح والألم والدهشة
الشاعر أحمد بهناس
  • القراءات: 1464
حاروته: لطيفة داريب حاروته: لطيفة داريب

الشاعر أحمد بهناس لـ"المساء":

الشعر ليس ترفا أدبيا وإنما هو كثير من الفرح والألم والدهشة

التحق ديوانا شعر "خطرات وزفرات" و"رومنسيات بهناسية" بعائلة الدواوين الصادرة للشاعر المخضرم أحمد بهناس، وهي: "انتقام القصائد" و"النوارس الحالمة" و"الصدى الجديد" و"العشق المسفوح"، إضافة إلى الأخ غير الشقيق، "بحو الضمير" والذي يعد سيرة ذاتية، "المساء"، ورغبة منها في التعرف على فحوى جديد بهناس، وعن آرائه فيما يخص واقع الشعر في الجزائر، وتراجعه أمام الرواية، ومواضيع أخرى، طرقنا باب الشاعر الذي رحب بالرد عن تساؤلات القراء، والتي تجدونها في هذا الحوار:

صدر لك حديثا ديوانان: "خطرات وزفرات" و"رومنسيات بهناسية"، لماذا ديوانان دفعة واحدة؟

❊❊ لا يوجد سبب مقنع مبرر لإصدار ديوانين مرة واحدة، أو دافع علمي أو دراسي، لكنني لاحظت أن وجود حوالي تسعين قصيدة مخزنة في الجهاز، وقد مرت المناسبات التي قيلت فيها، أنه لا ضرورة لبقائها مخزونة مسجونة، ترنو إلي بعيون باكية قائلة: لماذا تسجنوننا، وتمنعوننا من الحرية والانعتاق؟، فهناك من ينتظرنا بحثا عن الإمتاع الأدبي والفكري، وهناك من يفرج بنا كربة غرامية، وهناك من يعاتب بنا حبيبا، وهناك من نغرس فيه حب المواطنة، وهناك من يتعلم منا الإحساس الصادق والشعور المرهف... وهكذا؟؟

أليس بين انفعالات الشعر وانفعالات القلب لقاءات حميمية؟

فالشاعر هو الذي يسكب عصارة روحه على الأشياءـ وسيبقى أبدا أقرب إلى الحقيقة، وأدنى إلى الشوق والمحبة والإنسانية، بتعبير لا يحده زمان ولا مكان ولا بيان.

بين جناحي كل شاعر ظريف، كثير أو قليل من الرومنسيات والعنفوان، بعضنا يبين ما بين جناحيه وبعضنا يخجل.

أما أنا فأحاول أن أكون واضحا قدر المستطاع.

هذا هو السبب الذي جعلني أصدر ديوانين دفعة واحدة.

ما هي المواضيع التي تناولتها في ديوانيك هذين، وما هي وصفة بهناس في المزج بين اللغة العربية المهيبة والعاطفة الفياضة؟

❊❊ السؤال ذو شقين: فبخصوص المواضيع التي تناولتها في قصائدي، تنقسم إلى قسمين: قسم ذو موضوعات رصينة جادة تتعلق بالمواطنة والثورة المجيدة وبالشهداء الأبرار، وببعض المواقف البطولية ذات الصبغة العربية الإسلامية، بحكم التاريخ والحضارة والهوية الجزائرية، كما أن بعضها مرثيات وبكائيات تخص الوطن العربي كله، وعلى رأسها فلسطين الشامخة.

ومنها ما يتعلق بالاجتماعيات، معاناة وأحداثا وظرفيات: "كورونا" والحجر الصحي، والموت وغيرها من هذا القبيل. وهذه الموضوعات جمعتها في ديوان واحد، ووسمتها تحت عنوان: "خطرات وزفرات".

أما بقية القصائد الأخرى، فهي متنوعة المقاصد والغايات، فيها الغزل، وهو الجانب الطاغي، وفيها الغراميات وأحلام الشباب الوردية.

وليست حقيقة الشاعر بما يقوله ويظهره لك، بل بما لا يستطيع أن يظهره. فإذا أردت أن تعرفه، فلا تصغ إلى ما قاله، بل إلى ما لم يقله بعد.

وعندما لا تجد الحياة مغنيا يتغنى بوجودها وجمالها وعاطفتها، تنفر من الشاعر لتلد فيلسوفا يتحدث بعقلها.

أما الشق الثاني من السؤال المتعلق بالمزج بين اللغة المهيبة والعاطفة الفياضة، فأقول: الشعر واحة مخضبة الجوانب والمناكب في صحراء القلب، لا تصل إليها رسائل الفكر إلا بمقدار.

فأزهار الربيع، وجوّه المعتدل الرائع، هي من أحلام الشتاء، لها سبات ولها يقظة، وتلك هي سنة الحياة.

هذه الهواجس والانفعالات لا يمكن استيعابها والتعبير عنها، إلا بلغة رصينة متقنة مهذبة ومألوفة.

وأنا من الذين يراهنون على وصول الفكرة إلى ذهن المتلقي والقارئ بلغة جزلة عذبة، تراعي المواقف والحساسيات، وتراعي الدهشة والشهقة والحيرة، كما تعتني بالتعبير البليغ والإيجاز والانسياب العفوي، دون مص ولا تمطيط وتكرار مشين، قد يفسد على القارئ لذة التمتع ونشوة الاستيعاب.

هل يشعر الشاعر بهناس بحاجته إلى الشعر كي يتنفس أدبا؟ أم أن الشعر بالنسبة إليه، إضافة مميزة في حياته وحسب؟

❊❊ ما رأيكم إذا قلت إن الإنسان يخلق شاعرا، فموهبة الشعر والفن بصفة عامة، جبلة في الإنسان وملكة تولد معه، فصوت الحياة الذي في الإنسان لا يمكن أن يصل إلى الحياة إلا بوساطة الشعر، لكي لا يشعر بالانفراد والوحدة، فالإنسان اجتماعي بطبعه، ذلك أن كل بذرة في الحياة لها حنين، والشعر هو الحق، والحق يحتاج إلى رجلين: الأول ينطقه، والثاني يسمعه. وما أنبل القلب الحزين الذي لا يمنعه حزنه من أن يغني مع القلوب الفرحة.

فالأشجار أشعار تكتبها السماء على الأرض، وكذلك الأمطار والرياح والمجرات والكواكب كل المشهد الكوني عبارة عن أشعار، وكل إنسان يقرأها ويفهمها ويتعامل معها بحسب تكوينه وقدرته على الفهم والاستيعاب والإدراك.

قد يجد الإنسان في نفسه ميلا إلى الكتابة، ولا يعرف سرا لذلك، فليدرك بأن فيه استعدادا طبيعيا للمعرفة والفن والسحر، وعلى رأس هذه المواهب: سحر محبة القراء.

لو خيرت بين كتابة الشعر وبين ما يوجد في الشعر من غرام وهيام، لاخترت الغرام والهيام، فهو خير من كتابة الشعر، فليس الشعر رأيا، بل هو: أغان وأناشيد تتصاعد من كلوم دامية ووجوه باسمة.

والشعر ليس ترفا أدبيا، كما يعتقد بعض الناس، إنما الشعر كثير من الفرح والألم والدهشة، وفي قلب الشاعر أكثر مما على لسانه، ورغباته أكثر مما في يده.

هل يكتب الشاعر بهناس مستعينا بالإلهام، أم هو من الذين يراجعون ما يكتبونه مرارا وتكرارا؟

❊❊ الموهبة ضرورة لا بد منها في كل فن من الفنون، وعلى رأسها الشعر. هذه مسلمة، ولا داعي لمناقشتها.

يقولون: "إن البلبل ينخز صدره بمِنخـز عند ما يريد أن يغني أغنية حبه وغرامه"، ونحن جميعا كالبلبل إذ بغير هذا، كيف يمكن أن نغني ونطرب أنفسنا وغيرنا؟

وعليه فمن ليس له موهبة وإلهام لا يمكن أن يكون شاعرا، ولا يتأتى له هذا أبدا، ولا يخطر له على بال، إلا متشيعر أفاك كذاب.

لكن الموهبة وحدها لا تكفي، إذ لا بد لها من الوسائل والمستندات التي يتكئ عليها الشاعر، لتخرج الآلة موسيقى حالمة طربية تارة، مجنحة عنيفة تارات أخرى، والأنشودة الكامنة في قلب الأم تتردد على شفتي صبيها، لذا فالشاعر يلزمه كثير من الأدوات ليعزف ألحانا يهتز لها جمهوره، وهو بغيرها لا ألحان له. فلا يرى الإنسان إلا ظله وهو يدير ظهره للشمس.

الشاعر يكتب بعفوية وتلقائية، ولكن المراجعة والتنقيح والتصحيح من ضرورات الإخراج الجيد، فالعروس لا بد أن يعتنى بها لتزف في مخبر واعد، ومظهر شاهد، وإلا فهي ليست عروسا.

هل يمكن أن يكتب الشاعر بهناس شعرا حرا، أم أنه قطع عهدا على الوفاء للعمودي؟

❊❊ إذا شئت أن تعلن اتجاهك ومنهجك ومبدأك في الكتابة، فأظهر ذلك صراحة، وتجنب التلون والتنقل، فإن ذلك يتعب ويستهلك الوقت ويدل على عدم الثبات والرسوخ.

أنا كتبت الشعر العمودي الموزون المقفى والخليلي ابتداء من سنة  1967، دون التفكير في غيره، رغم معرفة الساحة للشعر الحر الذي نادى به بعض الشعراء، وعلى رأسهم نازك الملائكة وفدوى طوقان وبعدهما جماعة أبولو بمصر، وشعراء المهجر الذين فرض عليهم التجديد اقتداء بالساحة الأدبية التي كانوا يتعاملون معها، وغير هذا.

لكن الشعر الحر، خاصة شعر التفعيلة، فرض نفسه واشتغل به كثير من الشعراء، كالبياتي والسياب وغيرهما، وبدأ يتطاول ويتمدد إلى أن أصبح على ما هو عليه الآن، وقد قعد له بعض العروضيين والنقاد، وأشاروا إلى تفعيلات البحور التي يسهل على الشاعر استعمالها، ونبهوا إلى بعض الآليات والتقنيات. وعليه، أرى من وجهة نظري، أن شعر التفعيلة أصبح واقعا لا يمكن الصدود عنه، فقد صدرت دواوين كثيرة على منواله وعرف به كثير من الشعراء البارزين المجيدين.، فلا سبيل لإنكار ذلك.

أما من جهتي أنا، فقد تأثرت بالمشهد الأدبي، وكتبت مجموعة من القصائد على هذا النسج، لكن لم أعرف بهذا، وبقيت أنتمي للقصيدة العمودية، وهي في الحقيقة أقرب إلي من غيرها.

هل تراجع الشعر أمام الرواية؟

❊❊ الشعر ديوان العرب، وسجل حياتهم وتاريخهم، ومظهر من مظاهر الاجتماع البشري، والشعر كان تعبيرا تواصليا بين الناس، وكان يحفظ في الذاكرات والقلوب، ويقطع المسافات وترويه الأجيال للأجيال، وسيلته الإصرار والخلود. كان الإنسان مخلوقا هائما يبحث عن ذاته الضالة في الأحراج والفيافي والصحاري، قبل أن يمنحه الكون والبحر والجبل والرياح كلماته المعبرة وهواجسه المتفاعلة وشعوره الفياض، وكانت وسيلة التخزين والتجميع مفقودة، فوجدها في ذاته وهواجسه وذاكرته، إنها الحداء والغناء والهدهدة، بعد أن تعلمها من الكون، وكان هذا المخاض عسيرا، فكان المولود هو الشعر.

الشاعر العظيم من العهود الغابرة: "الملحميون أو أصحاب الإلياذات أو أصحاب المعلقات وغيرهم من الفطاحل، لم ينظم واحد منهم قصيدة وهي تامة الوزن مكتملة القوافي، ولا يزال السباق قائما، لأنه إذا اكتمل هذا الفن، يبدأ في التراجع، ثم الانحلال والتلاشي، ثم الموت والفناء.

الشعر فن راق جدا، يصل درجة الوحي والإلهام، لأنه فن بشري إنساني خالص، لذا استمد سموه وقوته من الإنسان نفسه، الذي هو خليفة الله في الأرض.

ولا يمكن للرواية مهما علا كعبها وارتفع شأنها، أن تصل مرتبة الشعر، ذلك أن كلا منهما له مقوماته وأساليبه وخصائصه التي لا تتوافق مع الآخر، بغض النظر عن الموضوع والمحتوى.

الشعر ليس ترفا وليس حرفة وليس وسيلة تكسب ومعيشة، إنه رسالة مقدسة تحتوي على جزأين:

الجزْء الأول سماوي، والثاني أرضي، الشعر قديم أزلي ولد مع الإنسان باعتباره ملكة وموهبة، والرواية ولدت بالأمس القريب، وهي بين المد والجزر، وبين التمطيط والتقزيم.

والمقارنة بين الشعر والرواية خطأ جسيم، وإن كانا يشتركان في أن كليهما من الأدب وجنسا من أجناسه.

حدثنا عن الطفرة الأدبية التي دفعت بالشاعر بهناس إلى كتابة سيرته الذاتية في جزأين، والثالث عما قريب؟

❊❊ السيرة الذاتية هي رواية طويلة، تشتمل على كثير من الجوانب التاريخية والأحداث والتغيرات التي عاشها البطل وتفاعل معها سلبا وإيجابا، وهي رصد إيجابي لوقائع مجتمع من المجتمعات السياسية والتربوية والاقتصادية والثقافية وغيرها .

والسيرة الأدبية جنس من أجناس الأدب الراقية، كالمقامات والرحلات، وهي فن قديم من عهد سيرة ابن هشام التي خص بها حياة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

وكتابتي للسيرة الأدبية الذاتية ليست طفرة، كما ورد في سؤالكم، بل كتبتها عن تفكير وروية وتخطيط منهجي علمي، راعيت فيه كثيرا من المقومات الأدبية والقواعد المنهجية الخاصة بها، لكي أبتعد عن السرد المباشر الممل.

مصطلح طفرة يعني القفز والوثوب على شيء قد لا يكون من حقك أن تتناوله، أو أنه ليس من اختصاصك فتتطاول عليه.

سيرتي الذاتية رواية صادقة مملوءة بالأحداث و"بالتأريخ" والتاريخ بداية من سنة 1946 إلى غاية 2020 في ثلاثة أجزاء، كل جزء تناول مرحلة زمانية معينة بأحداثها. تحت عنوان مختار بإحكام له دلالته العلمية والموضوعية، وهو "بوح الضمير".

من الذي قال بأن الشاعر لا يسمح له بالكتابة في الأجناس الأدبية الأخرى، ويقصر كتابته على الشعر فقط؟

❊❊ لم يقل بهذا أحد من علماء الأدب والنقاد والمتخصصين، وعليه فأنا كتبت في بداية حياتي الأدبية، الانطباعات والخواطر والقصة والرسائل الغرامية والإخوانية، وعما قريب سأجمع هذا الكم بعد تنقيحه وتصحيحه وأنشره في كتاب تحت عنوان: "أشتات ذكريات أدبية". وبين خيال الإنسان وإدراكه مسافة لا يجتازها إلا الحنين.