الجزائر حاضرة في أعماقي وأدبي وسعيد لاقتباس رواياتي
  • القراءات: 1043
 لطيفة داريب لطيفة داريب

الكاتب أكلي تاجر لـ"المساء"

الجزائر حاضرة في أعماقي وأدبي وسعيد لاقتباس رواياتي

ظفر الكاتب أكلي تاجر بالجائزة الكبرى للرواية "ميتيس"، عن روايته "بالحب وبالحرب"، التي سيصدر جزؤها الثاني قريبا تحت عنوان "بالجرأة والحرية"، كما اختيرت الرواية ضمن قائمة الجائزة الكبرى للقراء.."المساء" تواصلت مع الكاتب المخضرم أكلي تاجر، وأجرت معه هذا الحوار.

تناولت في روايتك "بالحب وبالحرب"، تأثير الحرب العالمية الثانية على الجزائريين المستعمرين من طرف المحتل الفرنسي، حدثنا عن ذلك؟

❊❊ زعزعت الحرب العالمية الثانية كيان الجزائريين ومكنتهم من إدراك العديد من الأمور، تأتي في مقدمتها أن فرنسا، تلك الإمبراطورية المتغطرسة، يمكن أن تنهزم، وهو ما لم يكن يعتقده الكثيرون، لهذا أؤكد أن العديد من الاعتقادات سقطت خلال هذه الحرب التي شارك فيها الجزائريون، دفاعا عن حرية لم يكونوا ينعمون بها. في المقابل، أردت تسليط الضوء على جزائريين فكروا في مصير البلد سنوات طوال قبل اندلاع الثورة التحريرية، حيث اتسموا بالوعي وكانوا يطرحون عدة تساؤلات حول سبل نيل الحرية، والأسباب التي أدت إلى احتلالنا. وهكذا أردت من خلال روايتي هذه، تكريم هؤلاء الذين وعوا بضرورة التغيير، وبأهمية نيل الحرية.

اكتشفت خلال بحثك عن معلومات لكتابة روايتك هذه العديد من الأمور، حدثنا عن بعضها؟

❊❊ صحيح، اكتشفت، مثلا، أن الألمان منعوا في Frontstalags -التي هي عبارة عن معسكرات اعتقال تابعة للجيش الألماني، تقع بشكل رئيسي في فرنسا، في المنطقة المحتلة خلال الحرب العالمية الثانية-، منعوا السجناء من جنسيات المستعمرات الفرنسية من ولوج أرضهم، خوفا من انتشار الأمراض. كما وضعوا فرنسيين مسجونين هم أيضا لحراستهم، وهو ما أثر كثيرا على هؤلاء، ومن بينهم جزائريون وجدوا أنفسهم مضطرين إلى المشاركة في الحرب العالمية الثانية بأمر من فرنسا، ومن ثم سجنوا تحت حراس أبنائها.

لقد أثرت هذه القضية كثيرا علي، وقد تحدثت عن هذا الموضوع مع العديد من الفاعلين، ومن بينهم والدي الذي هرب من السجن في الحرب العالمية الثانية، وحكى لي عن خنوع الفرنسيين للألمان، في الوقت الذي كانوا يتصرفون بغطرسة أمام أبناء شعوب مستعمراتهم. لهذا أعيد وأؤكد أن وقع هذه الحرب على الجزائريين كان كبيرا، وإيقانهم بضرورة نيل الحرية أصبح أمرا واضحا جدا.

تناولت كل هذه الفظائع التي حدثت في الحرب العالمية الثانية، مستشهدا في ذلك بقصة حب، كيف ذلك؟

❊❊ نعم، أردت أن أحكي ذلك من خلال قصة حب، لأنني أعشق قصص الحب، ولأن الحب يعطي معنى أكبر لكل الحكايات، وكذا الكثير من الأمل أيضا، حينما يذهب الشخص إلى الحرب، فعلى الأقل يجب أن يكون مسلحا بهدف، وإلا فلن يخرج منتصرا منها أبدا.

لكن نهاية قصة الحب هذه مؤلمة، فهل فشل الحب في تحقيق هدفه في روايتك؟

❊❊ ستتغير الأمور في الجزء الثاني للعمل الذي سيصدر في 25 ماي الجاري، لكن لن أحكي المزيد عن أحداث هذه الرواية، التي ستصدر بعنوان "بالجرأة والحرية"، فقط سأذكر أن أحداث هذه الرواية ستدور في السنوات الممتدة من 1945 إلى 1954، حيث سيزور أدم بطل الرواية، فلسطين سنتي 1947 و1948، وسيتنقل أيضا إلى باريس، وهنا أتوقف عن الكلام.

الحرب العالمية الثانية علمت الجزائريين الكثير وأسقطت قناع العظمة لفرنسا

كيف استطعت أن تكتب عن الإنسانية بشكل فائض، وفي نفس الوقت وفق أحداث بشعة إلى درجة لا تعقل؟

❊❊ فعلت ذلك من خلال تقمصي للشخصيات، والتعبير عن كل الظلم الذي عاشته، وهو ظلم قديم. فقد جاء آدم وصديقاه إلى فرنسا للمشاركة في الحرب من بلد اسمه الجزائر، ويتعرض لضيم شديد من المستعمر الفرنسي. وكانوا كلما يعتقدون بأنهم بلغوا الحضيض، يتعرضون إلى واقع أشد عنفا ومرارة. كما أن آدم رجل واع يدرك جيدا واقعه، ووجد نفسه بعيدا عن حبيبته ووطنه، ومجبرا على المشاركة في الحرب العالمية الثانية، حيث التقى في فرنسا بشباب قدموا من مستعمرات فرنسية أخرى، فأدرك توسع الإمبراطورية الفرنسية. كما نشأ سيل من التضامن بينهم. هل تعرفين؟ أكثر الناس ذكاء هم أكثرهم ضعفا، لأن الضعيف هو الذي يشغل عقله حتى يعيش، فهي مسألة حياة أو موت بالنسبة له، عكس القوي الذي يعتمد على قوته في مجابهة الحياة.

ومرة ثانية أتحدث في عملي هذا، عن نظرة الجزائريين إلى فرنسا، التي سقطت بسرعة أمام ألمانيا، حتى أن بلجيكا صمدت أطول منها أمام العدو، إضافة إلى تعرضها لإهانة كبيرة من طرف الألمان، وكذا تحالف بعض من شعبها وحكامها مع العدو، وتقديم اليهود قربانا لهم. نعم هناك صفحات مشينة للتاريخ الفرنسي، خاصة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لهذا، فالشعب الفرنسي قد لا يهتم كثيرا بتاريخه المتعلق بانتصارات نابليون، لكنه قد يهتم بالتاريخ القريب الذي لا يشرفه بتاتا.

ولدت بفرنسا عام 1954، هل شعرت بنيران الحرب الجزائرية على أرض فرنسا؟

❊❊ أعتقد أن الحرب الجزائرية، كانت أشد تعقيدا من حروب مارستها فرنسا ضد الشعوب التي استعمرتها، فقد كانت استعمارا كولونياليا، وكان أمر انهائها معقدا، فقد كان يسكن فيها الكثير من الفرنسيين وآخرون ممن كانوا تحت لوائها، ليس الحال مثله مثلا، في مالي، حيث لم يكن يبتغي الفرنسي أن يسكن في ذلك البلد، فكانت هناك قواعد عسكرية فقط. في المقابل، شعرت بانتهاء هذه الحرب في فترة السبعينات، وقد كنت أسكن في منطقة من باريس لم تكن بها جالية جزائرية، لكن كان لدي وعي مبكر بأنني وإن كنت باريسيا، ففي الوقت نفسه لست بفرنسي، وهو الأمر الذي لقنه لي والدي، حقا الأمر معقد حينما تولد وتكبر وتدرس في بلد لا تشعر أنك تنتمي إليه، وتساءلت "من أنا؟ هل أنا جزائري فعلا، وأنا الذي لم أزر الجزائر في طفولتي؟.

ليس سهلا أن تكون وزيرا من أصول جزائرية في الحكومة الفرنسية، وأن تتنصل من تاريخك الشخصي

في هذا السياق، هل تكتب عن الجزائر حتى تعيد الوصال مع أصلك؟

❊❊ لا غير صحيح، لأن هذا الرباط لم ينقطع أبدا بيني وبين أصلي، دائما شعرت أنني جزائري، فقط كنت أجد صعوبات في الرد على أسئلة الأطفال الذين كنت ألعب معهم في الحي، الذي لا يسكن فيه أي جزائري، عن اسئلتهم عن الجزائر، فكنت أرد عليهم معتمدا على تخيلاتي. لقد كتبت عن الجزائر بدون أن أعرفها، فقط زرت منطقة القبائل فيها حينما كنت مراهقا، وكنت أبذل جهدا للحديث بالقبائلية، لكنني لم أكن أستطيع أن أتحدث بها بسلاسة، رغم أن والديْ يتحدثان بها وباللغة العربية والفرنسية في المنزل، علاوة على اللغة الإنجليزية التي كانت والدتي تجيدها.

كتبت أيضا عن الصداقة بين مختلف الجاليات والأجناس والأديان، هل هو نداء لتحقيق الإنسانية؟

❊❊ منذ طفولتي وأنا أحتك بجاليات مختلفة، ففي صغري، عشت في حي فيه جالية كبيرة من أصل إيطالي. حقا ليس سهلا أن تكون مختلفا، لأن الناس عموما لا يحبون ما يختلف عنهم، لكن بالنسبة لي لم يكن هذا الأمر يعقدني، بل العكس تماما، كنت سعيدا بكوني جزائريا، رغم وعيي بأنني مختلف عن الجزائريين الذين ولدوا ويعيشون في الجزائر، لأن كل منا تأثر بظروف محددة. عشت أيضا سنوات في حي تكثر فيه الجالية اليهودية بباريس، وقد كنت أتناقش معهم مطولا حول القضية الفلسطينية، رغم أنني أجد نفسي في نقاش عقيم، فلا أحد منا يقتنع بآراء الآخر، إلا أنني أقول ما علي قوله، رغم استنتاجي بقوة العلاقات بين يهود فرنسا ويهود إسرائيل، خلافا للجاليات الأخرى التي ـ مثلا ـ لا أراها تساند فلسطين بالمال. هناك أيضا فرق شاسع بين المستوى المعيشي للجالية اليهودية بفرنسا والجاليات المغاربية، إذ أن هذه الأخيرة فقيرة. وأضيف أن معظم من صوت للمرشح للرئاسيات الأخيرة إيريك زيمور، كانوا يهودا من أصول إفريقيا الشمالية.

دائما شعرت بأنني جزائري، حتى حينما لم أكن أعرف الجزائر

على ذكر الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة، الكثير من الاتهامات وجهت للمهاجرين وأبنائهم، لماذا لا يتم الحديث عن مساهمتهم في الاقتصاد الفرنسي؟

❊❊ أعتقد أن خسارة الرئيس ماكرون في نهاية عهدته الأولى، تتمثل في تصاعد رهيب لليمين المتطرف، أما ردي على سؤالك، فالناس لا يحبون سماع حكاية القطار الذي يصل في وقته المحدد، بل يحبون حكاية القطار الذي خرج عن سكته. لن تتغير هذه الاتهامات إلى أن تكون هناك نخبة من المهاجرين أو أبنائهم أو أحفادهم، توصل الرسالة التي مفادها أن هؤلاء الناس يصنعون الفارق بالنسبة للاقتصاد المحلي وغيره.

وأضيف أن العديد من أبناء الجالية المغاربية، تحصلوا على مناصب مهمة، لكن بالواسطة، لهذا فإن ذهابهم من الحكومة مثلا، يدخلهم في طي النسيان. لكن ليس سهلا لفرنسي من أصول جزائرية أن يكون له منصب سياسي راق، لأنه قد يجد نفسه في مواجهة تاريخه الشخصي، فمثلا، حينما شكك ماكرون في عراقة تاريخ الجزائر، كيف سيكون موقف وزير مثلا، من أصول جزائرية؟ هل كان سيتفق مع قول رئيسه ضمن ما يسمى بالتضامن الحكومي، رغم أنه في أعماق قلبه يدرك أن هذه المقولة زيف؟

واجهت موقفا عنصريا عام 2018، حينما رفض طلاب القسم النهائي لثانوية بشمال فرنسا، قراءة نص عن روايتك "حامل الحقيبة"، حدثنا عن ذلك؟

❊❊ أعتقد أنه يمكننا محاربة العنصرية بالثقافة والتربية أيضا، كما أن العنصرية هذه ليست ابتكارا فرنسيا، بل هي الحماقة الأكثر تقاسما في العالم. وعن هذه الحادثة أقول؛ إن نصا من روايتي "حامل الحقيبة" الذي يدرس منذ أكثر من 15 سنة في الثانويات الفرنسية، تعرض إلى رفض قاطع للقراءة من طرف طلبة ثانوية تقع في الشمال الفرنسي، وأذكر أنه وبعد هذه الحادثة، طالب نائب بالبرلمان الفرنسي بضرورة دمج هذا النص في البرنامج الرسمي لهذا الطور الدراسي، فقيل له إنه تم تحقيق ذلك منذ أكثر من 15 سنة. وعودة إلى هذه الحادثة التي تطلبت مني الانتقال إلى تلك الثانوية، للحديث حول هذا الموضوع، وجدت طلبة في عمر 18 سنة يخلطون الكثير من الأمور، فهناك من قال لي، إن تاريخ الثورة الجزائرية لا يهمه، وآخر عبر عن خوفه من الإسلاميين، وثالث رفض أن يُبنى مسجد في بلدته، ورابع أخبرني بأن جده حارب الجزائريين في الماضي، كل هذا الخلط ناتج عن جهلهم للعديد من الأمور، وعدم شجاعتهم في أن يكون لهم رأي خاص بهم، وفي الأخير، تحدثت خصيصا مع طالب رفض أن يقرأ نصي، وأن ينطق باسم مسعود، فقلت له إن هناك أربعين جزائريا يحملون اسم مسعود، ماتوا في الحرب العالمية الثانية في تلك المنطقة، دفاعا عن فرنسا.

سيصدر الجزء الثاني من روايتي "بالحب وبالحرب"، وسيتم عرضها في التلفزيون الفرنسي بمعدل أربع حلقات

العديد من أعمالك تم اقتباسها في التلفزيون الفرنسي، هل تعتبر ذلك تكريما لك؟

❊❊ أول رواية تم اقتباسها كانت "العرب المجهولون للطاسيلي"، وسعدت كثيرا لأن والدي، ورغم اتقانهما لأكثر من لغة، لا يحسنون القراءة والكتابة، وهكذا تمكنا من مشاهدة فيلم مقتبس مما كتبه ابنهما. سيتم أيضا اقتباس روايتي هذه "بالحب وبالحرب" من طرف "فرانس تليفزيون"، بمعدل أربع حلقات، في كل حلقة 52 دقيقة. أنا سعيد لأنني لم أكن أعلم ما أفعله في حياتي، فأنا لم أواصل دراستي، ولم تكن لدي شهادة، فاشتغلت بالكتابة، علما أنني توقفت عن كتابة الرواية بعد إصداري لروايتي الأولى لمدة 15 عاما، وفي تلك السنين كنت أكتب سيناريوهات للتلفزيونات الفرنسية، مثل اقتباسي لسلسلة "ميغري" عن كتابات جورج سيمونو.