سفير روسيا الاتحادية في الجزائر في حوار لـ"المساء":

الجزائر تملك كل مقومات القوة الإقليمية المؤثّرة

الجزائر تملك كل مقومات القوة الإقليمية المؤثّرة
سفير روسيا الاتحادية في الجزائر أليكسي سولوماتين
  • 677
 حوار : مليكة خلاف حوار : مليكة خلاف

❊ مستعدون لتعزيز التعاون العسكري ودعم القدرات القتالية للجزائر

أكد سفير روسيا الاتحادية في الجزائر أليكسي سولوماتين، أن الجزائر تعد شريكا موثوقا لموسكو، وتملك كل مقومات القوة الاقليمية المؤثّرة، في حين أشار في حوار لـ«المساء" إلى أن موقف روسيا من نزاع الصحراء الغربية ثابت لا يتغيّر، وتبقى متمسكة بضمان حقّ الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

الجزائر شريك موثوق لموسكو ونعمل على تطوير شراكتنا في مختلف المجالات

❊ تحتفل روسيا بعيدها الدبلوماسي اليوم العاشر من فيفري، الذي يعـتبر عيدكم المهني.. هل يمكنكم أن تحدثونا عن تاريخ هذا اليوم وأهميته؟

❊ تحتفل روسيا تقليديا في يوم 10 فيفري، بالعيد المهني للعاملين في الحقل الدبلوماسي، أي ما يسمى بيوم الموظف الدبلوماسي، ويعتبر هذا التاريخ يوم تأسيس وزارة الخارجية الروسية، وذكر فيه لأول مرة قسم السياسة الخارجية وهو أول هيكل في تاريخ بلدنا حيث كان مسؤولا عن الشؤون الخارجية. وتخرج من المدرسة الدبلوماسية الروسية التي تعد واحدة من أقوى المدارس الدبلوماسية عديد الشخصيات العالمية البارزة منهم فيودور تيوتشيف، وأليكسي أورلوف وألكسندر غريبايدوف وألكسندر جورتشاكوف وجورجي تشيشيرين وفياتشيسلاف مولوتوف، وأندريه جروميك ويفغيني بريماكوف، يدافع دبلوماسيونا عن مصالح بلادهم مضحين أحيانا بحياتهم بكل شرف، وساهموا في تعزيز العلاقات الثنائية مع القوى الصديقة وساعدوا في تسوية النّزاعات الإقليمية.

واليوم أهمية بالغة تطبع مهنتنا، حيث شنّت دول معيّنة نطلق عليها اسم "الغرب الجماعي" حربا هجينة على وطننا وتتبنّى نهجا عدائيا شرسا تجاه روسيا. وقد أجبرت هذه السياسة الغربية روسيا حرصا على أمنها على شن عملية عسكرية خاصة في أوكرانيا، بذل دبلوماسيونا جهودا لتجنّب المواجهة العسكرية والحل الوسط كان يتطلب إرادة سياسية ورغبة كلا الطرفين، والمؤسف أن المحرّضين كانوا يفتقرون إلى الرغبة وكان بعض خصومنا يفتقرون إلى الإرادة السياسية وفقا للمثل القائل "عندما يصمت الدبلوماسيون تبدأ الأسلحة في الحديث"، وهذا ما حدث.

وبعد مرور سنوات على العملية العسكرية بدأت أصوات العقل تعلو حتى في الغرب، متسائلة من الذي أطلق العنان لهذا النّزاع، ولماذا ومن هو المستفيد الرئيسي منه، ولقد بات من الواضح للعالم أجمع حتى أشد المعادين لروسيا أنه من المستحيل التغلّب على روسيا في ساحة المعركة. ولهذا السبب أعتقد أنه من الضروري أثناء فترة الإضطرابات أن ينهي الدبلوماسيون الصمت، ويجب عليهم العمل الدقيق وإرساء الأساس لسلام مستقر وطويل الأمد. 

لقد اقترحت روسيا الاتحادية، على جميع البلدان المهتمة الشراكة المتساوية والمتبادلة المنفعة، والتعاون القائم على احترام مصالح جميع الأطراف والانتقال النّهائي إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب وهذا ما ليس في وسع العالم أحادي القطب المتمحور حول الغرب أن يمنحه، وقد وافقت على اقتراحنا غالبية الدول التي تواصل بناء العلاقات معنا بنجاح، مع الأخذ بعين الاعتبار الحقائق الجيوسياسية الجديدة. إن روسيا ستبقى دائما منفتحة على الحوار مع جميع الشركاء الذين يرغبون ليس فقط في الاستماع، بل وأيضا في الإصغاء وليس في محاولة إملاء الشروط وتوجيه الإنذارات من موقع القوة، إن تاريخ بلادنا العظيمة كله يظهر أن مثل هذا النّهج لم ينجح معنا بل أدى إلى نتائج عكسية.

عهدة الجزائر في مجلس الأمن كانت مثمرة للغاية

❊ كيف تقيّمون العلاقات الجزائرية ـ الروسية في ظل المتغيّرات الدولية الراهنة؟

❊ الجزائر من أهم شركاء روسيا في إفريقيا، وتربط بلدينا تاريخيا علاقات صداقة متينة وتعاون مثمر قائم على المساواة والاحترام المتبادل. فمنذ بداية حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي قدم الاتحاد السوفيتي، دعما شاملا للجزائر، كما دعمنا باستمرار الشعب الجزائري في الأمم المتحدة، وقدمنا مساعدات مالية ومادية وعسكرية وتم تبادل الوفود بانتظام على جميع المستويات.

فالاتحاد السوفيتي ساعد الجزائر في بناء قاعدة صناعية لا سيما في تطوير قطاعات رئيسية كقطاعات الطاقة والتعدين والمعادن والهندسة الميكانيكية وإدارة المياه، وتشهد العلاقات الثنائية نموا مطردا تجلى في توقيع إعلان تعزيز الشراكة الاستراتيجية المعمّقة بين بلدينا عام 2023، خلال زيارة فخامة الرئيس عبد المجيد تبون إلى روسيا، ونرى في الجزائر شريكا موثوقا أقمنا معه تعاونا مثمرا قائما على الثّقة على الصعيدين الثنائي ومتعدد الأطراف. وأنا على يقين بأنه لا يجب أن نكتفي بما حققناه، بل علينا مواصلة العمل على توطيد علاقاتنا، فهناك إمكانات وفرص كبيرة لتحقيق ذلك.

❊ ركز منتدى الأعمال الجزائري ـ الروسي المنعقد في الجزائر شهر نوفمبر الماضي، على توسيع علاقات التعاون الاقتصادي بين البلدين لتطوير مجالات الفلاحة الذكية، الصيدلة، الطاقات المتجددة والحلول الرقمية، كيف سيتم تفعيل أطر التعاون لتعزيز حجم المبادلات التجارية بين البلدين؟

❊ المنتدى الذي ذكرتموه ليس الحدث الاقتصادي الوحيد الذي شهدته الجزائر مؤخرا، فقد شاركت الجزائر بفعالية في معرض موسكو العالمي للأغذية والمشروبات (World Food Moscow 2025) في سبتمبر 2025، وعرضت 15 شركة زراعية صناعية منتجاتها في هذا الحدث برعاية وزارة التجارة الخارجية. كما انضم فاعلون اقتصاديون روس إلى معرض التجارة البينية الإفريقية 2025، الذي أقيم في سبتمبر 2025، فضلا عن تنظيم بعثة أعمال رقمية في الجزائر العاصمة في الفترة من 26 إلى 30 سبتمبر 2025، حيث قدم مطورو البرمجيات الروس حلولهم لمجتمع الأعمال الجزائري.

وفي أكتوبر الماضي، زار الجزائر وفد من منظمة روسيا للأعمال العامة الروسية برئاسة رئيسها أليكسي ريبك، وحظي وفد روّاد الأعمال باستقبال من فخامة الرئيس عبد المجيد تبون، والتقوا رؤساء دوائر حكومية جزائرية وشركات كبرى. وفي المقابل تبذل جهود لترويج المنتجات الروسية ولا سيما المنتجات الزراعية في السوق المحلية، كما يجري تطوير مشاريع في قطاعات متنوعة كالدواء والخدمات المصرفية والنّقل وغيرها. ولطالما شكل قطاع الوقود والطاقة مجالا هاما للتعاون التجاري، وملتزمون من خلال شركاتنا في مجال النّفط والغاز بتوسيع نطاق التعاون مع الجزائر، بما في ذلك في مجالات توريد المعدات، صيانة البنية التحتية وتطوير حقول الهيدروكربونات الجديدة.

وتبدي الجزائر اهتماما بالخبرة الروسية في الاستخدام السلمي للطاقة النّووية، ومستعدون لتطوير هذا المجال لا سيما مع وجود قنوات اتصال مباشرة قائمة بين البلدين، كما نتطلع أيضا إلى عقد الاجتماع الثالث عشر للجنة الحكومية المشتركة الروسية ـ الجزائرية للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني في العاصمة الروسية، حيث تمثل هذه اللجنة الآلية الرئيسية لتنسيق التعاون الاقتصادي، كما أنني على ثقة بأن روسيا والجزائر لديهما الكثير ليقدماه لبعضهما البعض، وسيتم تنفيذ العديد من المشاريع الثنائية في المستقبل القريب.

هناك قنوات اتصال مباشر للتعاون في مجال الاستخدام السلمي للطاقة النّووية

❊ تعد الجزائر من الشركاء التقليديين في مجال التعاون العسكري، هل هناك آفاق جديدة لتوسيعه؟

❊ التعاون العسكري بين بلدينا له جذور عميقة، فمنذ استقلال الجزائر كان الاتحاد السوفيتي وثم روسيا لاحقا المورّد الرئيسي للأسلحة للجيش الجزائري. منذ ستينيات القرن الماضي، قدمنا المساعدة للجزائر لإزالة الألغام وقد تم تفكيك ما يقارب 1.5 مليون لغم وتطهير أكثر من 800 كيلومتر من حقول الألغام وتطهير 120 ألف هكتار من الأراضي. وساهم مستشارون وخبراء عسكريون في التدريب القتالي للجيش الجزائري وإتقان الأسلحة، كما بلغ إجمالي الخبراء العسكريين السوفيت الذين خدموا في الجزائر أكثر من 10 آلاف، ومستعدون لمواصلة تعزيز القدرات القتالية للجزائر.

❊  للجزائر وروسيا رؤى متطابقة في معالجة القضايا الدولية بما يتماشى مع القانون الدولي، كيف تنظر موسكو إلى دور الجزائر في الشؤون الإقليمية والدولية؟

❊ في عديد القضايا المطروحة على الأجندة الدولية تتقارب مواقفنا أو تتطابق، ولذلك فالتفاعل بين بلدينا في المحافل متعددة الأطراف كما في مجلس الأمن الدولي، حيث كانت عضوية الجزائر غير الدائمة بهذا المحفل الأممي مثمرة للغاية، فنحن ننسّق مقارباتنا في عديد القضايا ونظهر في كثير منها موقفا موحدا. وتدعو الجزائر شأنها شأن روسيا باستمرار إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب يراعي مصالح الدول النامية بشكل أكثر عدلا، ورغم المحاولات اليائسة التي يبذلها "الغرب الجماعي" للدفاع عن "النظام القائم على القواعد" المهيمن، فقد شهدنا إعادة توزيع لموازين القوى لصالح مراكز التنمية الجديدة، وفي هذا السياق تؤكد القارة الإفريقية، مكانتها كإحدى ركائز نظام عالمي متعدد الأقطاب مستدام، وقد حققت بالفعل نتائج باهرة، وفي نظام العلاقات الدولية تملك الجزائر كل مقومات القوة الإقليمية المؤثّرة، وتعكس مشاركة الجزائر الفعّالة في المنظمات الدولية والإقليمية الرئيسية مكانتها الهامة على الساحة السياسية العالمية.

مشاركة الجزائر الفعّالة في المنظمات الدولية والإقليمية تعكس مكانتها

❊ تشهد القضية الصحراوية تطورات جديدة بعد تصويت مجلس الأمن، مؤخرا على القرار 2797 فضّلت فيه روسيا الامتناع، هل يمكن توضيح ذلك وكيف تتوقعون حل هذا النّزاع الذي طال أمده؟

❊ موقف روسيا من نزاع الصحراء الغربية ثابت لا يتغيّر، حيث نشدد على تسوية قضية الصحراء الغربية حصرا عبر الوسائل السياسية استنادا إلى قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، كما يجب أن يرضي أي حل دائم وعادل جميع الأطراف المعنية وفق مبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة، وأن يضمن حقّ الشّعب الصحراوي في تقرير مصيره.

وجاء امتناع روسيا عن التصويت على قرار مجلس الأمن الذي رعته أمريكا بتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، لعدم تمكننا من تأييد نص غير متوازن كهذا، كما استغربنا نهج الجهات غير الرسمية المسؤولة عن الملف (الولايات المتحدة) التي قرّرت استغلال مجلس الأمن لتعزيز موقفها، وهو ما يتعارض جوهريا مع ممارسات المجلس الراسخة التي تلزم الجهات المسؤولة بالسعي نحو التوافق، ومراعاة مواقف جميع أعضائه، واللافت للنّظر أن الممثلين الأمريكيين يرفضون للعام الثاني على التوالي، الخوض في مناقشة تفصيلية للنصوص المتعلقة بالصحراء الغربية أمام المجلس بكامل هيئته.

ونتيجة ذلك اضطر أحد الوفود إلى طلب مناقشة كاملة للمشروع في مجلس الأمن، مسلّطا الضوء على أوجه قصور خطيرة من جانب المشرفين على الملف الذين تركوا عملية إعداد الوثيقة معقّدة ومسيّسة، بالنّسبة لنا تمثل هذه الوثيقة خروجا عن إطار الأمم المتحدة المعتمد لتسوية قضية الصحراء الغربية، ولا يزال هذا الإطار ساريا ولم يلغ كما أن أساسه غير قابل للمراجعة.

وعلى ضوء هذا نأمل أن يبذل المبعوث الخاص ستيفان دي ميستورا، قصارى جهده للتوصل سريعا إلى حل مقبول للطرفين، حل يسمح للشّعب الصحراوي بممارسة حقّه غير القابل للتصرف في تقرير المصير بحرية، حيث يجب أن يتوافق هذا الحل مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وأن يكون متسّقا مع قرارات مجلس الأمن السابقة بشأن الصحراء الغربية.

موقف موسكو من قضية الصحراء الغربية ثابت لا يتغيّر

❊ كيف تنظر روسيا إلى التعاون مع الجزائر في تعزيز السلام والأمن في منطقة الساحل؟

❊ عدم استقرار منطقة الصحراء والساحل يهدد بتدهور الوضع الأمني بشكل خطير، نظرا لتنامي نشاط الجماعات الإرهابية الأمر الذي يعقّد الوضع ويمكن أن يؤدي إلى تصعيد عسكري خطير. وفي السياق أوجدت روسيا والجزائر منذ عام 2024، مجموعة عمل حول مالي ومنطقة الساحل، وتجرى مشاورات ثنائية بشكل منتظم بمشاركة وزارات الخارجية والأجهزة العسكرية للبلدين، ونأمل أن تسمح الجهود المشتركة بإيجاد حل سياسي-دبلوماسي لهذه المشكلة الخطيرة.