الفنان نور الدين تابرحة لـ"المساء":
الثقافة ليست ترفا.. بل استثمار في الإنسان ودرعٌ يحمي الأوطان
- 155
حاورته: لطيفة داريب
لم يقف الفنان التشكيلي نور الدين تابرحة صامتا أمام الاستنكار الذي طال ومايزال يطول قطاع الثقافة في الجزائر كلما حلّ بالبلد ضرر، وكذا تلك الدعوات التي تطالب بتقليص ميزانية هذا القطاع الأساسي؛ في إشارة الى عدم أهميته. بل كتب العديد من المنشورات الفايسبوكية، يدافع فيها عن الثقافة، وحاجتنا إليها، ودورها في بناء الفرد والمجتمع، علاوة على نشاطه الفني الدؤوب، وتأطيره للشباب، وفتح فضاءات للحوار والتكوين. "المساء" تواصلت مع الفنان نور الدين تابرحة، وأجرت معه هذا الحوار" .
❊ كتبت في منشوراتك أن الثقافة ليست ترفا، بل أحد أعمدة بناء الإنسان إلى جانب التعليم والصحة. في رأيك، لماذا ماتزال هناك فئات تنظر إلى الإنفاق على الثقافة، هدرا للمال العام؟
❊ الثقافة ليست ترفا ولا عبثا، بل هي روح المجتمعات وعقلها. وهي التي تشكل طريقة تفكير الإنسان، ونظرته إلى الحياة، والوطن، والآخر. ومن يرى أن الثقافة مجرد إنفاق للأموال دون مردود، فإنه لم يستوعب مفهومها الحقيقي، ولا أثرها العميق في بناء الإنسان. وقد يكون، في المقابل، مدركا تمام الإدراك لقوّتها، فيسعى إلى تحييدها؛ لأنها تمثل سلطة رمزية وفكرية، قادرة على تشكيل الوعي، ومساءلة الواقع.
إن الصحة والتربية والصناعة والاقتصاد والثقافة ليست قطاعات متنافسة، بل هي منظومة واحدة متكاملة؛ فلا يمكن مجتمعاً أن يؤهل نفسه أو يبني مستقبلا متوازنا إذا أهمل أحد هذه الأعمدة؛ فكما يحتاج الإنسان إلى العلاج والتعليم والعمل، يحتاج إلى الثقافة التي تمنحه الوعي، وترتقي بذوقه، وتعزز قيَم المواطنة، وتحصنه من الجهل، والتطرف والانقسام. إن الاستثمار في الثقافة ليس تبذيرا للمال العام، بل استثمار في الإنسان. والإنسان هو الثروة الحقيقية لأي أمة.
الثقافة روح المجتمعات وعقلها، وهي الدرع الواقي للأمم
❊ ترى أن الفن والثقافة يساهمان في مواجهة الجهل والتطرف، وترسيخ قيَم التسامح والحرية. كيف يمكن الفنانَ اليوم، أن يؤدي هذا الدور في ظل التحديات التي يعيشها المجتمع؟
❊ أعتقد أن الثقافة هي الدرع الواقي للأمم. وهي أشبه بمضاد حيوي يعزز مناعتها الفكرية والأخلاقية في مواجهة كل الآفات التي تهدد كيانها وهويتها. فالواقع المعاصر يبين أن الحروب لم تعد تُخاض بالسلاح وحده، بل أصبحت معارك على الوعي، والذاكرة، والقيم والانتماء. ومن هنا تبرز الثقافة باعتبارها خط الدفاع الأول، لأنها تغرس في الإنسان روح النقد، وقيَم التسامح، واحترام الاختلاف؛ فتضيق المساحة التي ينمو فيها التطرف والكراهية والعنف.
إن الثقافة لا تغيّر الإنسان بقرار أو إكراه، لكنها تزرع فيه بذور الخير والجمال. وتمنحه مناعة فكرية وأخلاقية، تجعله أكثر قدرة على مقاومة كل أشكال الانحراف والتعصب؛ لهذا أرى أن توظيف الفن والثقافة لم يعد تسلية ولا نشاطا هامشيا، بل أصبح ضرورة وطنية واستراتيجية لمجابهة مختلف التحديات، والدفاع عن المجتمع، وبناء إنسان قادر على الانتصار في معارك الحاضر والمستقبل؛ فالمجتمعات المثقفة محصّنة. وجدار مناعته غير قابل للاختراق.
الاستثمار في الثقافة ليس تبذيرا للمال العام، بل هو استثمار في الإنسان
❊ تربط بين الانفتاح على الثقافة والانفتاح على الإنسان وقبول الاختلاف. إلى أي مدى تعتقد أن الثقافة قادرة على تعزيز قيَم التضامن، والاندماج الاجتماعي، والدفاع عن الفئات الهشة؟
❊ إن الثقافة ليست مجرد إنتاج فني أو نشاط ترفيهي، بل هي قوة اجتماعية قادرة على بناء جسور الثقة بين أفراد المجتمع، وترسيخ قيم الاندماج والتماسك؛ فهي تتيح لكل فرد مهما كان أصله أو وضعه الاجتماعي أو الجسدي أو الاقتصادي، أن يشعر بأنه جزء من الجماعة، وأنَّ له مكاناً، وصوتا، ودورا في صناعة المستقبل. كما تؤدي الثقافة دورا محوريا في احتضان الفئات الهشة؛ ليس بمنطق الشفقة، بل بمنطق الاعتراف بكرامتها وحقها الكامل في المشاركة والإبداع؛ فالفن يمنح الأطفال وذوي الإعاقة وكبار السن وسكان المناطق المهمشة، فضاءات للتعبير عن ذواتهم، واستعادة الثقة في قدراتهم، والاندماج الفعلي في الحياة العامة. إن المجتمع الذي يستثمر في الثقافة لا يحارب التهميش فحسب، بل يبني مواطنا أكثر وعيا، وأكثر انفتاحا، وأكثر استعدادا للتعايش مع الاختلاف. فالثقافة لا تعالج آثار الإقصاء فقط، بل تساهم في الوقاية منه؛ لأنها تصنع الإنسان قبل أن تصنع الفنان، وتصنع الانتماء قبل أن تصنع الإنجاز.
الثقافة تصنع الإنسان قبل أن تصنع الفنان، وتصنع الانتماء قبل أن تصنع الإنجاز
❊ اخترتَ لمعرضك الأخير عنوان "ماما إفريقيا"، وقدمتَ أعمالا تستلهم الهوية الإفريقية والمواد المحلية؛ ما الرسالة الجمالية والفكرية التي أردتَ أن تصل إلى زوار المعرض؟
❊ لقد كان معرضي الأخير "ماما إفريقيا" بمثابة اعتراف جميل بالثقافة الإفريقية، وروح الانتماء إليها؛ فنحن، قبل كل شيء، أفارقة. والجغرافيا ليست مجرد حدود مرسومة على الخرائط، بل هي ذاكرة، وهوية، ومصير مشترك، يفرض علينا أن نتفاعل مع ثقافتنا، وننتمي إليها بوعي واعتزاز. وفي "ماما إفريقيا" سعيتُ إلى تقديم قيَم تشكيلية معاصرة، تستلهم روح العصر دون أن تنفصل عن جذورها العميقة. فقد حاولت أن أوظف اللغة البصرية الحديثة في مواجهة الحصارات المعلنة وغير المعلنة التي تستهدف الهوية والثقافة، مؤمنا بأن الفن قادر على مقاومة الإقصاء والنمطية، وبناء جسور الحوار بين الشعوب.
وقد حضرت الطقوسية الإفريقية في أعمالي؛ بوصفها نبضا داخليا يغذي التشكيل لا كعنصر فولكلوري أو زخرفي، بل كذاكرة حية تحمل رموزا وقيما روحية وإنسانية عابرة للأزمنة؛ لذلك لم يكن المعرض استعادة للماضي، بل محاولة لإعادة قراءة الموروث الإفريقي برؤية معاصرة، تؤكد أن الانتماء الحقيقي لا يتعارض مع الحداثة، بل يمنحها عمقا وأصالة، ويجعل من الفن فضاء للحرية، والتنوع، والاندماج الإنساني.
لم أكن أرسم اللوحات فحسب، بل أرسم مسارا فكريا وإنسانيا
❊ بعد أكثر من ثلاثة عقود من العطاء الفني، كيف تقيّم مسارك في الفن التشكيلي؟ وما الذي تطمح إلى تحقيقه في مشاريعك المقبلة؛ سواء على مستوى التجربة الإبداعية، أو نقل الخبرة إلى الجيل الجديد؟
❊ بعد أكثر من ثلاثة عقود من الممارسة الفنية أستطيع القول إنني لم أكن أرسم اللوحات فحسب، بل كنت أرسم مسارا فكريا وإنسانيا. لقد كانت تجربتي رحلة بحث متواصلة عن الهوية التي أصابتها ندوب، فتغذّت بمصل المعاصرة لمواجهة التحديات. أما العلاقة بين التراث والمعاصرة فتتمثل في قدرة الفن على أن يكون فعلا ثقافيا، يساهم في بناء الوعي، لا مجرد إنتاج جمالي.
لم تكن غايتي يوما مراكمة الأعمال، أو المشاركة في المعارض فحسب، بل السعي إلى ترسيخ رؤية تجعل من الفن قوة ناعمة في خدمة المجتمع، قادرة على تعزيز قيَم المواطنة، والاندماج، والانفتاح، ومواجهة كل أشكال التطرف والإقصاء. وفي الحقيقة، لا مشروع لي سوى الاستمرار في مغامرة البحث الفني لتعميق تجربتي التشكيلية، ومواصلة البحث في الذاكرة البصرية الإفريقية والجزائرية، وتطوير لغة تشكيلية معاصرة، تحافظ على أصالتها، وتنفتح، في الوقت نفسه، على العالم.
وبالموازاة مع ذلك، أرى نقل الخبرة إلى الأجيال الجديدة مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون واجبا مهنيا؛ فالفنان الحقيقي لا يكتفي بإنجاز أعماله، بل يساهم، أيضا، في تكوين من سيحمل المشعل من بعده؛ لذلك سأواصل تأطير الشباب، وفتح فضاءات للحوار والتكوين؛ لأن مستقبل الفن لا يُبنى بالأفراد، وإنما بتراكم التجارب، وتبادل المعرفة.
الفنان الحقيقي لا يكتفي بإنجاز أعماله، بل يساهم، في تكوين من سيحمل المشعل من بعده