أفلامي الوثائقية لنصرة المظلومين والجزائر حاضرة دوما
المخرج الجزائري المقيم ببلجيكا، شرقي خروبي
  • القراءات: 1679
حاورته: لطيفة داريب حاورته: لطيفة داريب

المخرج شرقي خروبي لـ"المساء":

أفلامي الوثائقية لنصرة المظلومين والجزائر حاضرة دوما

تحدث المخرج الجزائري المقيم ببلجيكا، شرقي خروبي، لـ"المساء"، عن مسيرته في صنع الأفلام الوثائقية، وعن ميله في تقديم رسائل اجتماعية وإنسانية، من خلال أعماله، سواء في التلفزيون البلجيكي الذي يعمل فيه منذ أكثر من ثلاثين سنة، وكذا أفلامه الوثائقية التي تصنع الحدث، فكان هذا الحوار.

كعادتك، تناولت في فيلمك الأخير، موضوعا حساسا، وهو تكاثف ضحايا العمليات الإرهابية مع أمهات الذين يطلقون على أنفسهم اسم "الجهاديين" لمكافحة التطرف الديني، حدثنا عن ذاك؟

❊❊ هو آخر فيلم لي، سيعرض لأول مرة اليوم 8 ديسمبر الجاري على التلفزيون البلجيكي، بعنوان "ما وراء الدموع"، لقد تتبعت عاما كاملا، أشخاصا منخرطين في مجموعة تتشكل من ضحايا العمليات الإرهابية ببلجيكا، وأمهات بعض "الجهاديين"، وكان ذلك خلال لقاءاتهم المتعددة، وحتى في يومياتهم. ومن هذا المنبر، أحييهم على كل المجهودات التي يبذلونها لمحاربة التطرف الديني، من خلال تقديم محاضرات في المدارس والسجون والتواصل بينهم بشكل مستمر، كما صورت مشاهد عن تواصلهم بالبرلمان الفيديرالي لأجل هذا الغرض، ونقلت تأثر البرلمانيين بجهود هؤلاء، علما أن محاكمة بعض الجهاديين انطلقت في الخامس من ديسمبر ببلجيكا، لهذا سيقدم هذا الفيلم معلومات عن هذا الموضوع الشائك.

إلى أي درجة ساهمت دراستك الجامعية، تخصص علم اجتماع، في تحديد مسارك السينمائي؟

❊❊ عشقت صنع الأفلام وكل ما له علاقة بالسمعي البصري منذ صغري، أحببت أيضا الأدب، لكنني كسول نوعا ما، لهذا كان خياري السينما، وبما أنني أحب كثيرا تسليط الضوء على المظالم التي يتعرض لها الإنسان، درست علم الاجتماع الذي اخترته بعد تردد قليل، حيث أنني أحب أيضا دراسة علم النفس. وعلم الاجتماع ساعدني كثيرا في فهم العالم بشكل أفضل، والحياة بكل تقلباتها بصورة أعمق.

اخترت دراسة علم الاجتماع عن قناعة وحبي لصنع الأفلام متجذر في قلبي

هل شعرت بشيء من المرارة، لأنك لم تصنع أفلاما وثائقية تحمل الهم الجزائري؟

❊❊ حينما أنهيت دراستي في معهد علم الاجتماع بالجزائر، توجهت إلى بلجيكا، حيث درست أصول الفن السابع، بعدها عدت إلى الجزائر حاملا معي هم تحويل مشاغل المجتمع المحلي إلى أعمال سينمائية، لكن ذلك لم يتحقق، بل شعرت أنه لا يمكنني فعل ما أريد، حتى زوجتي البلجيكية لم يكن مرحبا بها، فالحياة في الجزائر بالنسبة لنا، أصبحت مستحيلة، والعمل فيها أكثر استحالة، لهذا عدنا إلى بلجيكا، وكان ذلك في منتصف الثمانينات.

عدت إلى بلجيكا حيث انخرطت مباشرة في التلفزيون البلجيكي؟

❊❊ نعم لأنني أنجزت فيلما في نهاية تكويني، حقق العديد من الجوائز، لهذا كنت معروفا نوعا ما في بلجيكا، فلم أجد أدنى صعوبة في العمل في التلفزيون البلجيكي.

أردت صنع أفلام في الجزائر بعد تخرجي من بلجيكا لكن استحال ذلك

هل ساعدك العمل في التلفزيون البلجيكي على صنع أفلامك الوثائقية؟

❊❊ نعم هذا صحيح. ما يروق لي بالنسبة لعملي في التلفزيون، هو إنجاز المواضيع التي أقترحها، والتي تصب أغلبها في الطابع الاجتماعي، بشكل سريع، فما إن يتم قبول فكرتي، حتى نبدأ في التصوير، ومن ثم إعداد البرنامج وعرضه على التلفزيون، فالإمكانيات موجودة والتقنيات أيضا، بينما لا يحدث ذلك بالنسبة لمخرجي الأفلام الوثائقية الذين يبحثون مطولا عن ممول لأفلامهم ما قد يفقدهم الحماس.

هل مول التلفزيون البلجيكي كل أعمالك؟

❊❊ هناك تمويل مشترك بين التلفزيون البلجيكي والخواص، وهنا إما أن أتجه إلى الخواص أولا، أي إلى شركات الإنتاج الخاصة، ثم التلفزيون، أو أتواصل أولا مع التلفزيون، وفي حال قبول المشروع لا أجد صعوبة في أخذ موافقة الخواص، لأن الفيلم سيعرض على الأقل في التلفزيون.

الجزائر دائما حاضرة في أعمالي وإن كان ذلك في لاشعوري

تتطرق في أعمالك إلى مواضيع محددة، مثل فيلمك "بلجيكية في غزة"، أو فيلمك حول جرائم الشرف بالأردن، كيف يمكن مس الجمهور العريض بمثل هذه المواضيع؟

❊❊ لأنها مواضيع إنسانية، فالظلم الذي يُرتكب ضد المرأة والطفل والمعاق والمسن، يمكن أن يحدث في أي بقعة من العالم بدرجات متفاوتة، لهذا يجب علينا قبل إنجاز فيلم أو برنامج تلفزيوني، أن نسأل أنفسنا "لمن نصنع الفيلم؟، هل لأنفسنا؟، لأصدقائنا؟، أم للجمهور الواسع؟". في الحقيقة، أؤمن جدا بأهمية الصورة في التلفزيون، ونحن في بلجيكا نشعر بالسرور حينما يتابعنا قرابة 300 ألف من الجمهور، لأن بلجيكا بلد صغير، أبعد من ذلك، فلو أنجزت برنامجا أو فيلما وأثر في فرد واحد ودفعه إلى التفكير، أرى أنه كان يستحق أن يرى النور.

لا يهمني الثراء ولا الشهرة بل أن تكون أعمالي ذات فائدة

هل ترى أن مشاركتك في المهرجانات، مثلما هو الحال في الطبعة الحادية عشر للمهرجان الدولي للفيلم الملتزم، مهم؟

❊❊ نعم هو كذلك، إذ تعد هذه التظاهرات مناسبة للالتقاء بأصحاب المهنة من دول أخرى، واكتشاف ما يصنعونه من أفلام، وربما العمل معهم مستقبلا، هو مثل حال نساء قابعات في البيت لا يخرجن إلا في المناسبات، كالأعراس، وهناك يتحدثن في شتى المواضيع ويسألن عن بعضهن البعض.

لا تكلف الأفلام الوثائقية الكثير، مثلما هو الأمر مع الأفلام الروائية، وفي نفس الوقت، لديها جمهور محدد، هل سينجز شرقي يوما ما فيلما روائيا؟

❊❊ لم لا، أنا رجل متفتح. في المقابل يسبق صنع الفيلم الوثائقي مراحل عديدة من البناء، من بينها الاحتكاك بشخصيات الفيلم والتعمق في الموضوع المختار، والتصوير والتركيب الذي يقدم فيه المخرج رؤيته الخاصة للفيلم. أما الفيلم الروائي، فيجب التحكم في كل عناصره قبل بداية التصوير، وقد يسهل الأمر إذا كان هناك خلف الفيلم شركة إنتاج ضخمة، وإلا سيكون الأمر صعبا، هناك أيضا سهولة في التعامل مع الممثلين، لأنهم محترفون ويجيدون مهنتهم.

فيلم "ابن خلدون" أول تجربة لي في المزج بين تقنيات الفيلم الروائي والفيلم الوثائقي

اعتمدت في فيلمك "ابن خلدون" على تقنيتي صنع الفيلم الوثائقي والفيلم الروائي، هل مثل ذلك تجربة فريدة من نوعها بالنسبة لك؟

❊❊ نعم هي أول تجربة لي عرفت النور، بعد أن طُلب مني صنع فيلم في إطار تظاهرة "تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية 2011"، فكان إنجاز عمل عن ابن خلدون، وهنا بدأت في التفكير مليا في كيفية إنجاز هذا الفيلم، لم أشأ أن يكون سردا لحياته وفكره، خوفا من نفور الجمهور، لهذا فكرت في أن أستعين بشخصيات درست فكر ابن خلدون بشكل معمق، وتصوير مشاهد خيالية عن ابن خلدون رائد علم الاجتماع، وتبيان حياته الخاصة، من خلال الاستعانة بيومياته التي خطها، وفي نفس الوقت تمرير أفكاره.

وكان حظي كبيرا بوجود أخوين مثلا دور ابن خلدون، حينما كان في عمره 18سنة، وكذا في الثلاثينات، ليقوم ممثل آخر بتمثيل دوره في الأربعينات، إلى غاية وفاته. كما استفدت كثيرا من تدخلات من غرفوا بشكل معمق من فكر ابن خلدون، مثل رضا مالك ومالك شبل، كما أنه من المهم تسليط الضوء على شخصية عربية مسلمة فذة بشكل كبير، والافتخار بها، خاصة بالنسبة لأبناء المهجر. وأريد أن أضيف أن بن خلدون في القرن 14، ناهض التطرف الديني، فكان بحق صانع علم الاجتماع.

مواضيع افلامي إنسانية وبها أحاول مناهضة الظلم الذي تتعرض له الفئات الهشة من المجتمع

أنجزت أيضا فيلم "عودة أفريقيا" مع سالم براهيمي، حول تنظيم الجزائر للمهرجان الأفريقي الثاني عام 2009، هل هو الحنين إلى بلد الأصل؟

❊❊ كل أفلامي التي أنجزتها في بلجيكا، موجودة فيها الجزائر، وإن كان في لاشعوري، فمثلا أنجزت فيلما عن فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، وركزت على حاجتهم للعاطفة ولممارسة الجنس، مثلهم مثل الأصحاء، والفكرة تبلورت لدي منذ أن شاهدت الطريقة السيئة التي تُعامل بها قريبة لي، وهي امرأة من فئة "تريزوميا"، وكأنها تدفع ثمن "اختلافها"، أنا مع الإنسان بكل حالاته ومع النقاش في كل الطابوهات التي تمسه، مثل الشذوذ الجنسي.

هل تتابع ما ينجز في الجزائر من أفلام روائية ووثائقية؟

❊❊ نعم يحدث ذلك، حينما ألتقي بجزائريين في مهرجانات ببلجيكا وفرنسا وغيرهما، أيضا أعرف مخرج الأفلام الوثائقية حسان فرحاني الذي درست مع والده في الجامعة، وقلت له إنه يعيش في زمن يمكن له صنع أفلام بهاتف ذكي وجهاز الإعلام الآلي، عكس عصري، حيث استعملت فيه كاميرات كبيرة الحجم. حقا أعمال فرحاني تعجبني جدا، لأنه مختلف، فهو لا يبحث عن الشهرة وإنجاز أعمال سريعة مثل "الكليبات"، بل يتعمق في موضوعه ويحتك بشخصيات أعماله، ويترك لها فرصة التعبير عن نفسها، لتأتي أعماله عميقة ومهمة جدا.

معجب جدا بأفلام حسان فرحاني

هل سيصنع شرقي مستقبلا، فيلما يعتمد فيه على الهاتف الذكي؟

❊❊ لا، لأنني غير مرتاح مع هذه التكنولوجيات، أعتبر نفسي، بعيدا عن كل غرور، مثل قائد الأوركسترا، يدرك بكل ما يمس عمله ويستعين بأعضاء الفرقة لتقديمه، لهذا فأنا مخرج أحتاج إلى مواهب الفرقة التي أعمل معها، ومن بينهم زوجتي التي تساعدني على كتابة السيناريو.

هل أثرت جائحة "كورونا" على وتيرة عمل شرقي خروبي؟

❊❊ لقد عملت في فترة "كورونا"، وقد أنجزت ثلاثة أفلام وثائقية، والآن أرتاح من الجهد الكبير الذي بذلته، خاصة في فترة التحضير التي استغرقت عاملا كاملا بالنسبة لفيلم "ما وراء الدموع"، بغرض الاحتكاك بشخصيات العمل وكسب ثقتهم. ونفس الشيء بالنسبة لفيلمي "مدرسة التغيير" الذي أنجزته عام 2019، وأعتبر موضوعه مهما جدا، ويتمثل في تطبيق تجربة رائدة في التعليم على مدرسة عمومية في مدينة تسكنها أغلبية أبناء المهجر ببلجيكا، أي تنص على استحداث أساليب للتعليم بعيدا عن الطرق المعتادة، والمتمثلة في حفظ التلميذ للدرس، وربما من دون فهمه، بل تدفعه إلى التفكير وحتى النقد، وهو ما كان يطبق فقط في المدارس الخاصة لصالح الطلبة الأثرياء. نعم، يهمني أن تعود بالفائدة على الجمهور، لا يهمني الثراء ولا الشهرة، بل تقديم خدمة للمجتمعات.