أفتخر كوني أول جزائري يستعمل  تقنية الرسم بالتراب
الفنان فؤاد بن نور
  • القراءات: 2149
حاوره: زبير زهاني حاوره: زبير زهاني

الفنان متعدد المواهب فؤاد بن نور يفتح قلبه لـ"المساء":

أفتخر كوني أول جزائري يستعمل تقنية الرسم بالتراب

 أردت أن أحول التراب الذي خٌلق منه الإنسان والذي سيعود إليه في يوم من الأيام، إلى تحف فنية

اختار الفنان فؤاد بن نور، التراب ليكون المادة الأولية في أعماله الفنية، التي يجسد فيها بورتريهات شخصيات عالمية بارزة، وأخرى وطنية خلدت اسمها بماء من ذهب في تاريخ الثورة المجيدة، ليكون أول فنان على المستوى الوطني يستعمل مادة التراب الخام في رسم وجوه شخصيات معروفة، ويبرز في هذا المجال، بالإضافة إلى تميزه في المجال الفني، كممثل متألق في فن "الوان مان شو"، والمعروف باسم "حمحوم"، معتبرا في دردشة مع "المساء"، أن الإنسان يمكن أن يستغل كل الظروف لصالحه، سواء الحسنة منها أو حتى السيئة، ويمكنه أن يقدم المزيد من العطاء الفني مستقبلا، خاصة أنه في العقد الثالث فقط من العمر.

هل لك أن تطلعنا على أسرار هذه التقنية التي تعد جديدة في المجال الفني؟

❊❊ هي طريقة الرسم بالتراب، وتقنية جديدة، وأظن أنني الأول في الجزائر الذي يعمل بها، وهي تختلف عن تقنية الرسم بالرمل التي شاعت عبر مختلف أنحاء العالم، حيث تعتمد هذه الأخيرة على رسم وجوه غير معروفة، أو رسومات لقصة ما في مدة زمنية قصيرة، لكن هذه التقنية الجديدة تتطلب على الأقل يومين من التحضير، لتحديد ملامح الوجه الذي يتم رسمه باستعمال الأصابع فقط، دون استخدام الأقلام، وأنا من خلالها أردت أن أحول التراب الذي خٌلق منه الإنسان، والذي سيعود إليه في يوم من الأيام، إلى تحف فنية ووجوه لشخصيات بارزة، سواء على المستوى المحلي أو حتى على العالمي.

كيف جاءتك هذه الفكرة؟

❊❊ يقول المثل "رب ضارة نافعة"، وأظن أن الفنان هو الذي يمكنه أن يصنع شيئا من اللاشيء، صراحة، الفكرة جاءتني في أيام الحجر الصحي، أصعب الأيام التي مررنا بها في الجزائر، على غرار باقي دول العالم، بسبب انتشار جائحة "كوفيد-19"، عندما تم غلق كل شيء، فكان لدي الوقت، حيث لم أخرج مدة 3 أشهر من المنزل، واهتديت إلى فكرة استعمال التراب في الرسم، في ظل غلق كل محلات بيع المواد الأولية المستعملة في الرسم، وكان التراب متوفرا بكميات كبيرة أمام منزلنا في الخروب وبالمجان، واستفدت من البيئة التي كانت في محيطي. كما شجعني كل أفراد عائلتي على هذه الفكرة، ولم يمنعوني من إدخال التراب إلى البيت، بدأت في صنع لوحات ثلاثية الأبعاد لسلالم وحفر في الأرض، قبل أن أنتقل إلى رسم وجوه الشخصيات، أو ما يعرف بالبروتري.

ما هي خصوصية هذه التقنية، وهل نظمت معارض؟

❊❊ نظمت السنة الفارطة، معرضا للوحاتي، والمعرض الحالي يعد الثاني، وخصوصية التقنية التي أستعملها هي إعادة تدوير التراب مرة أخرى، أنا لا أقوم بلصق التراب في اللوحات التي أرسمها، بل أتركه على حاله فوق القماش الأبيض، وبعد الانتهاء من كل معرض، يعاد التراب إلى بيئته الطبيعية، انطلاقا من القاعدة التي أرفضها، وهي أن الفنان يعيش مهمشا في حياته، وعندما يموت يتم الكشف عن أعماله وإبرازها بشكل لافت، أنا أردت، من خلال عملية التخلص من اللوحات الفنية وإرجاع التراب إلى بيئته، بعد كل معرض أقوم به، كسر هذه القاعدة.

ماذا عن صعوبات الاعتماد على هذه التقنية؟

❊❊حقيقة لم أواجه صعوبات كثيرة، بالنظر إلى أن التراب موجود في كل مكان وبالمجان أيضا، حتى أن هناك العديد من ألوان التراب التي أستعملها، وأظن أن هذه التقنية تحتاج إلى الممارسة وفقط، كما أرى أن فكرة "الرسم موهبة منذ الصغر" غير صحيحة، وأنا خير مثال على ذلك، حيث انطلقت في تعلم فن الرسم سنة 2014، بعدما كنت في مجال التمثيل، انطلقت من الصفر، وأذكر أن أول مرة رسمت فيها وجه إنسان، كان في شكل مثلث وخلق ذلك موجة من الضحك في محيطي، لكن مع الوقت والممارسة، وصلت إلى ما أنا عليه، ربما بعض ردود فعل فئة من الجمهور واستهزائه بهذه التقنية كان يقلقني بعض الشيء، خاصة من طرف المتابعين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والذين كانوا يزعجوني نوعا ما، بسؤال تكرر عشرات المرات، وهو "كيف تتركك والدتك تدخل التراب إلى البيت؟".

❊ بالحديث عن الممارسة ودورها في نجاح أعمالك، هل وافق هذه الممارسة تكوين أكاديمي؟

❊❊ استفدت كثيرا من قواعد الرسم خلال مزاولتي للدراسة في مدرسة الفنون الجميلة، خاصة في السنة الأولى من التكوين، حيث تلقينا أساسيات هذه الفنون، لكن مع الأسف، لم أتمكن من الاستمرار في دراسة الفنون الجميلة، بسبب انشغالاتي مع فن التمثيل، حيث كنت أغادر مقاعد المدرسة في منتصف السنة الدراسية، كل مرة يأتي فيه دور لأجسده، فكنت كثير التنقل بين قسنطينة والعاصمة ومدن أخرى، وهو الأمر الذي جعلني أُقصَى من عدة مقاييس، ومنعني من إنهاء تكويني، لكن الدروس التي تلقيتها في هذه المدرسة، على غرار تحديد الأقياس، مكنني من وضع طريقة خاصة بي في الرسم باستعمال التراب.

هل لنا أن نعرف مما تستوحي أعمالك؟

❊❊  كأي فنان، يمكن أن تستوحي أعمالك من أي شيء يصادفك في الحياة، مثلا في هذا المعرض، قدمت بمناسبة إحياء ذكرى عزيزة على الشعب الجزائري، ممثلة في احتفالات اندلاع ثورة التحرير المظفرة، صورا لأبطال صنعوا أمجاد الثورة، فأردت المشاركة في تكريمهم من خلال هذه الألواح الفنية، هي ألواح ذات بعد رمزي، تعتمد على تراب الوطن، الذي ضحى من أجله ملايين الشهداء واختلط بدمهم، وبطلب من مديرة دار الثقافة "مالك حداد"، السيدة أميرة دليو، سيتم تجميد هذه اللوحات من خلال رشها بمادة الصمغ الشفاف وحفظها داخل إطار محمي بزجاج، ببهو دار الثقافة.

ما هي أهم الوجوه التي رسمتها، وهل لمست اهتماما بهذه التقنية؟

❊❊ إضافة إلى وجوه مجاهدي وشهداء الثورة المجيدة، جسدت العديد من اللوحات لمشاهير في الجزائر، على غرار الشاب بلال الصغير، الذي وضع البروتري الذي رسمته له على حسابه في مواقع التواصل الاجتماعي، كما رسمت وجوه شخصيات مشهورة عبر العالم، خاصة في مجال الكرة المستديرة، حيث جسدت صورا للاعب الدولي رياض محرز، وكذا اللاعب ليونال ميسي، وأرسلت لهم صورهم عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وصراحة وجدت الاهتمام من خارج الوطن أكثر منه من داخل الوطن، على غرار الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية، وقد تناولت الصحافة المكسيكية أخبار تجسيدي للوحات أبطال مسلسل "لاكازا دي بابيل".

هل يمكن تقديم المزيد من التوضيحات بشأن هذا الاتصال الأخير؟

❊❊  طبعا، في إطار تواصلي مع مختلف الجهات الدولية والعالمية، تواصلت مع القائمين على هذا المسلسل الأسباني المشهور، والذي تم طرح منه أربعة أجزاء وعرف نجاحا كبيرا عبر مختلف أنحاء العالم، حيث طرحت عليهم فكرة يمكن تجسيدها في الجزء الخامس، من خلال تجسيد بورتريهات وجوه أبطال المسلسل، يتم تركها بمسرح الجريمة، بعد مغادرة أي بنك يقومون بالسطو عليه، انطلاقا من ذرات الذهب، لأنهم كانوا يتركون دوما خلال الأجزاء الفارطة من المسلسل، بصمات لهم من خلال رمي سبكات الذهب في الأرض، بعد مغادرتهم.

ما هي مشاريعك المستقبلية؟

❊❊ أنا أعمل على نقل هذه التجربة للجيل الصاعد، وفي الوقت الحالي، أنا مرتبط مع 5 مؤسسات تربوية خاصة، ومن خلال تواصلي مع الأطفال، استطعت تحويل بعض التلاميذ في مدة 6 أشهر من الذين لا علاقة لهم بالرسم، إلى أطفال مبدعين، كما أود التعريف بهذه الطريقة ونشرها، ولدي العديد من المشاريع، كالرسم بالريش، الرسم بالرذاذ أو بالرش، الرسم بالحجارة والرسم في مدة دقيقة، أطور تقنية جديدة وهي الرسم بالظل، حيث أقوم بتركيب أشياء فوق بعضها البعض وأدخلها في الظلام وأسلط عليها الضوء، حتى تنعكس في الظل في شكل رسم معين، كما أتمنى تجسيد فكرتي من خلال الرسم بالتراب بمتحف المجاهدين عبر استعمال تراب الجزائر، لتكريم الوجوه التي ضحت بالغالي والنفيس من أجل تحرير هذه الأرض الزكية من براثن الاستعمار الغاشم.

  بم نختم اللقاء؟

❊❊ أتمنى من وزارة الثقافة، بالتنسيق مع وزارة التربية، أن تأخذ هذه التجربة على محمل الجد، وتوسع هذه التقنية بكافة المدارس، حتى تكون الفائدة كبيرة، خاصة في مرحلة الابتدائي التي تضم عددا من الأطفال من أصحاب المواهب الجميلة، والذين يمكن وصفهم بأنهم ولدوا للفن، لكن للأسف، تذهب هذه المواهب دون استغلال في ظل غياب المتابعة، كما أتمنى من الوزارة الوصية أن تهتم أكثر بإبداعات الشباب، فأنا على سبيل المثال، واحد من هؤلاء الشباب ولدي العديد من الأعمال الفنية في مجال التمثيل، وعدد من حلقات الكاميرا الخفية، التي تبقى حبيسة الأدراج، شاهدها فقط والدي... (يضحك)، أتمنى أن يتم الاستعانة بالكفاءات في هذا المجال وبالمواهب الحقيقة بعيدا عن المحسوبية و"المعريفة"، حقيقة أنا أصدم عندما أجد نفسي مهمشا، رغم القدرات التي أملكها، والتي تعكسها احتلالي المركز الثالث من بين 500 متسابق في مجال "الوان مان شو"، خلال مسابقة وطنية نظمت بالعاصمة سنة 2016، بينما أجد صاحب المركز رقم 25 أو أكثر من ذلك محل اهتمام ويعمل باستمرار، أتمنى أن تكون مشاركة الفنانين الجزائريين أيضا في المحافل الدولية والمهرجانات وفق القدرات، حتى يتم تشريف الراية الوطنية، وتشريف الجزائر، ولا تكون مشاركة من أجل المشاركة والسياحة فقط.