حمزة محمد شريف مدير المدرسة العليا لحفظ الممتلكات الثقافية وترميمها لـ"المساء":

أدعو طلبتنا لإنشاء مؤسسات خاصة في مجال الترميم والحفظ

أدعو طلبتنا لإنشاء مؤسسات خاصة في مجال الترميم والحفظ
مدير المدرسة الوطنية العليا لحفظ الممتلكات الثقافية وترميمها، البروفسور وأستاذ التعليم العالي حمزة محمد شريف
  • القراءات: 11814
حاورته: لطيفة داريب حاورته: لطيفة داريب

موقعنا بتيبازة يمنح الطالب تكوينا نظريا وتطبيقيا

تواصلت "المساء" مع مدير المدرسة الوطنية العليا لحفظ الممتلكات الثقافية وترميمها، البروفسور وأستاذ التعليم العالي حمزة محمد شريف، وطرحت عليه أسئلة عن مهام المدرسة وأهدافها، وكذا عن واقع الترميم في الجزائر، وغيرها من المواضيع، فكان هذا الحوار.

هل يمكن أن تقدم لنا لمحة عن المدرسة التي تديرونها؟

❊❊ المدرسة الوطنية العليا لحفظ الممتلكات الثقافية وترميمها، مؤسسة عمومية ذات طابع علمي وثقافي، تعمل تحت وصاية وزارة الثقافة والفنون، فيما يخص التنظيم والإدارة ووزارة التعليم العالي فيما يتعلق بالبيداغوجية، فتحت أبوابها عام 2012 بدار الصوف في القصبة السفلى، وانتقلت إلى المركز العربي للآثار بتيبازة عام 2019. يتخرج منها الطلبة بماستر مهني حفظ وترميم الممتلكات الثقافية المنقولة، بعد مزاولتهم الدراسة لمدة عامين.

ما هي شروط الالتحاق بمدرستكم؟

❊❊ على الطالب أن يكون متحصلا على شهادة ليسانس في علم الآثار، تخصص صيانة وترميم، أو أن يكون مهندسا معماريا أو متحصلا على  ليسانس هندسة، بالإضافة إلى الطلبة المتخرجين في تخصص هندسة علم المواد، وكذا المتخرجين من المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة. بعدها نستقبل الطلبة الذين قُبلت ملفاتهم، ويدرسون لمدة عامين، عدة مقاييس، منها العلمية كالكيمياء والفيزياء، وأخرى إنسانية كتاريخ الفن وعلم المتاحف، بالإضافة إلى دراسة القوانين والتشريعات الجزائرية الخاصة بمجال حفظ وترميم الممتلكات الثقافية. بدون أن أنسى وحدة هامة تتمثل في التكنولوجيا الحديثة في هذا المجال، حيث نعلم الطلبة البرامج والتقنيات الحديثة المتعلقة به، فالمدرسة تهدف إلى تكوين نوعي أكثر منه كمي، والدليل عدد طلبتنا الذي لا يتجاوز العشرين في الماستر "1" والماستر "2".

 تهدف مدرستنا الى تكوين نوعي

.. عشرون فقط؟

❊❊ نعم، طلبتنا بحاجة إلى التكوين الميداني والاحتكاك بالتحفة، وليس فقط التأطير النظري، لهذا كلما كان عددهم قليلا، كلما سهل علينا تكوينهم ميدانيا، سواء خارج المدرسة أو حتى في مختلف الورشات التطبيقية التي تنظم على مستواه. كما نحاول أن ندفع بالطالب إلى القيام بعمل تطبيقي وتقييمه.. حقيقة عدد المناصب المفتوحة ثلاثين، لكن نستقبل دائما أقل من هذا الرقم. مع الإشارة إلى إبرامنا اتفاقية مع ديوان الخدمات الجامعية بتيبازة لإقامة الطلبة القادمين من الولايات الأخرى.

هل تستقبل مدرستكم طلبة أجانب؟

❊❊ حاليا لا، مستقبلا لمَ لا؟، نحن نستقبل الطلبة من كل أنحاء الوطن، هناك طلبة من الخارج يريدون الدارسة عندنا، لم يحن الوقت بعد لتحقيق ذلك.

مدرستنا الوحيدة في شمال إفريقيا

ماذا عن الاتفاقيات المبرمة مع مؤسسات أخرى؟

❊❊ أبرمت المدرسة اتفاقيات وطنية مع معظم المؤسسات، تحت وصاية وزارة الثقافة والفنون، لتبادل الخبرات في الميدان، وكذا اتفاقيات مع الجامعات، على غرار المركز الجامعي تيبازة وجامعة الجزائر "2" وجامعة قالمة. كما عقدت أيضا اتفاقيات دولية مع جامعة "باردوبيس" بجمهورية التشيك، تحديدا كلية الحفظ والترميم "ليتوميشل"، وفي هذا السياق، استفادت طالبتان في ماستر "2" لتربص خاص بصيانة وترميم الحجارة، من أفريل الماضي إلى 15 جوان الجاري، علما أن البرنامج متواصل إلى غاية عام 2025. إذ نرسل كل عام طالبين متفوقين إلى هناك. أذكر أيضا اتفاقية أخرى، وهذه المرة مع المعهد العالي للترميم بروما.

الترميم ليس مهمة يسيرة، ما هي المواصفات التي يجب أن يتحلى بها المرمم؟

❊❊ صحيح، تخصص الترميم ليس سهلا، وكل مرمم يشعر بمسؤولية كبيرة أمام تحفة تحمل تاريخا قد يعود لآلاف السنين، لهذا يجب التعامل معها بحذر شديد ودقة كبيرة، حيث يمكن أن نتلف مسكوكة مثلا، في حال تنظيفها بمادة غير مناسبة لذلك، لهذا على المرمم التحلي بأخلاقيات مهنة الصيانة والترميم، ونحن نحاول تلقين طلبتنا ذلك. كما لا بد على المرمم أن يكون على دراية بأساسيات هذا التخصص، وكذا التشخيص الجيد لحال كل تحفة، مثل تشخيص الطبيب لحال المريض وتقديم العلاج الأنسب له. وللخبرة أيضا التي يكتسبها المرمم من التكوين الميداني والاحتكاك بالمرممين الأجانب، دورها أيضا في نجاح هذه العملية.

هل للطالب المتخرج من مدرستكم حظوظ أوفر للحصول على عمل؟

❊❊ حظوظه مثل حظوظ كل طالب متخرج من مدرسة عليا. بإمكان طلبتنا التوظيف في المؤسسات تحت وصاية وزارة الثقافة والفنون، مثل المتاحف ودواوين التسيير والحظائر، كما يمكن لهم أيضا العمل في متاحف غير تابعة للوزارة الوصية، كمتحف "المجاهد"، بالإضافة إلى مديريات الثقافة.

ما هي أوجه المقارنة بين تخصص ترميم في معهد الآثار ومدرستكم؟

❊❊ لا نقدم نفس الدروس، وليس لنا نفس منهجية التدريس. في مدرستنا مثلا، نهتم كثيرا بالجانب التطبيقي، يمكن أن نقول إننا فرعان متكاملان ومختلفان.

هل ساهمت مدرستكم منذ فتحها عام 2012، في عمليات الترميم؟

❊❊  ليس من مهام مدرستنا الترميم، بل في تكوين طلبة في هذا التخصص. لدينا طالب استطاع بعد تخرجه، فتح مكتب خاص به، ومن هذا المنبر، أدعو طلبتنا إلى إنشاء مؤسسات ناشئة في مجال الترميم والحفظ، نعم يجب على الطالب أن تكون لديه الإرادة والأفكار لاستغلال تخصصه في مجال العمل.

هل تهدف مدرستكم إلى تكوين مرممين، حتى نغطي حاجتنا في هذا التخصص، ومن ثم عدم أو قلة الاستعانة بالخبراء الأجانب؟

❊❊ نحتاج دائما للخبراء الأجانب  في الترميم والحفظ، نظرا لتجربتهم العميقة في هذين المجالين، خاصة أننا نملك عددا كبيرا من المتاحف والمواقع الأثرية، علاوة على رقم هائل من المقتنيات، سواء المعروضة في المتاحف أو حتى المخزونة فيها، كلها تحتاج إلى ترميم.

لا نستقبل أكثر من ثلاثين طالبا وعددهم الحالي لا يتعدى العشرين

  تبقى عمليات الترميم مكلفة، أليس كذلك؟

❊❊  نعم مكلفة، والجانب المالي أساسي في كل مجال، لكن الترميم لا يعني فقط المعالم والمباني الأثرية، التي قد تتطلب أموالا باهظة أو حتى لصق تحفة تحطمت، كل هذا يتطلب شراء بعض المواد والأدوات، بل يمكن التدخل على مستوى المقتنيات الأثرية المنقولة، مثل تشخيص علتها وتنظيفها وإزالة الغبار عنها، وهي أيضا عملية من عمليتي الحفظ والترميم، حتى دراسة محيط القاعة يعتبر  أيضا جزء من الترميم.

كيف يمكن الحفاظ على هذا العدد الهائل من كنوزنا؟

❊❊ أعتقد أن ذلك يدخل في  السياسة المنتهجة من وزارة الثقافة والفنون، حتى تأسيس هذه المدرسة هو لغاية تكوين مرممين في الصيانة والترميم، من أجل إطالة عمر هذه المقتنيات الأثرية وحفظها للأجيال القادمة، مدرستنا هي الوحيدة في شمال إفريقيا، وهو يدل على الأهمية الكبيرة التي توليها وزارة الثقافة والفنون لحفظ وترميم الممتلكات الثقافية.

ماذا عن واقع الترميم في بلدنا؟

❊❊ أقول إن هناك عمليات ترميم في بلدنا، لكنها محتشمة، ربما السبب في ذلك العامل الاقتصادي أو المالي، لكن أعتقد أنه سيكون هناك دفع جديد للترميم، وهنا لا أتحدث عن المعالم الأثرية، بل عن المقتنيات الموجودة داخل المتاحف. كما أن وزارة الثقافة والفنون تقدم ميزانية معتبرة وهامة لهذا الشأن.

كل تحفة نخرجها من حفرية لها قيمة وتساهم في كتابة تاريخ وطننا

حينما ندرك الكم الهائل للتحف التي تزخر بها الجزائر، كيف يمكن معرفة الأكثر أحقية بالترميم؟

❊❊ كل تحفة مهمة، لكن حينما نجد أنفسنا أمام تحفتين، الأولى متضررة بنسبة 90 بالمئة والثانية بنسبة 70بالمئة، أعتقد أنه من الضروري أن نهتم بالثانية، لأنه يمكن إنقاذها فعلا، لكن كل تحفة نخرجها من حفرية لها قيمة وتساهم في كتابة تاريخ وطننا.

ومع ذلك، هناك تحف تتعرض لخطر التلف أكثر من تحف أخرى، مثل المخطوطات، أليس كذلك؟

❊❊ هناك تحف مشكلة من مواد عضوية وأخرى غير كذلك. نعم المخطوطات واللباس والنسيج والزرابي، أي كل ما هو عضوي سهل التلف، خاصة إذا تم حفظه في محيط غير ملائم، فكل شيء متعلق بشيء آخر، لهذا ندرس طلبتنا عملية الحفظ والترميم، والتدخل ليس على مستوى التحفة فقط، بل حتى في المحيط الموجودة فيه. بالمقابل، الحجارة التي لا تتشكل من مواد عضوية يمكنها أن تتعرض للتلف، من خلال تعرضها للتخريب من الإنسان، وكذا هطول الأمطار عليها وغيرها.

 الجزائر تساهم في منصة حفظ التراث الثقافي في العالم الإسلامي

هل تقوم المدرسة بعمليات تحسيسية لصالح المواطنين بأهمية الحفاظ على تراثنا؟

❊❊ نقوم بعمليات التحسيس خلال شهر التراث، علاوة على تنظيمنا محاضرات طيلة السنة، تكون مفتوحة للجمهور، حيث أنها غير علمية دقيقة، بل ينشطها مختصون يعملون على تسهيل المفاهيم وإيصال المعلومة للجمهور.

مثلت وزارة الثقافة والفنون مؤخرا، في اللقاء المنعقد تحت إشراف الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي بجدة، ما هي مخرجات هذا اللقاء؟

❊❊ نعم مثلت الدولة الجزائرية ووزارة الثقافة والفنون في هذا اللقاء، الذي نظم بهدف إنشاء منصة لحفظ التراث الثقافي في العالم الإسلامي، تكون بمثابة قاعدة بيانات لكل المعالم والتراث الثقافي الموجود في كل البلدان الإسلامية، والجزائر تساهم في إثراء المنصة، حفاظا على تراثنا وهويتنا الوطنية.

هل من كلمة أخيرة؟

❊❊ أدعو الطلبة الذين يحق لهم الالتحاق بمدرستنا، وضع ملفاتهم نهاية جويلية أو بداية أوت، وللمزيد من المعلومات، يمكنهم زيارة موقعنا الالكتروني: encrbc.dz، أو تصفح صفحتنا في "الفايسبوك". وأريد إضافة معلومة أخرى، هو أن خيار تواجد المدرسة في تيبازة قرار حكيم فعلا، فالطالب أحيانا يتلقى درسا نظريا، وفي المساء يقطع الطريق فقط ويجد نفسه في موقع مصنف من "اليونسكو".. أليس ذلك رائعا.