• القراءات: 136
بلسان: جمال لعـلامي بلسان: جمال لعـلامي

..وقد أعذر من أنذر!

لا أدري مثلما لا تدرون، لماذا كلما عاد رمضان شهر الرحمة والتضامن والتعاون والخير، يعود للأسف الجشع والطمع وأساليب الترويع ومحاولات التجويع، من طرف مضاربين ولوبيات تصطاد في المياه العكرة ولا تفرق بين حلال وحرام، والأكثر من ذلك أنها "ما تخافش ربي" حتى في شهر التوبة والغفران وتصفيد الشياطين.

رئيس الجمهورية، في آخر لقاء إعلامي له وجه رسائل بالجملة والتجزئة إلى هؤلاء، مشددا على أنه لا يُمكن لأيّ كان زعزعة استقرار الدولة، وأن لا أحد فوق العادلة، وأن الدولة لن تسمح بالضغط بأيّ مادة استهلاكية، داعيا المضاربين إلى ترك هذه اللعبة القذرة وإلاّ سيدفعون الثمن غاليا.

طبعا "لقد أعذر من أنذر"، لكن الظاهر أن "مول الطبع ما ينطبع"، مثلما يقول المثل الشعبي الشهير، فتلك الجماعات "المنحرفة" التي لا أخلاق لها ولا ضمير ترفض "التوبة" حتى في شهر التوبة، وتصرّ على العزّة بالإثم، ببراعتها في قطع الأرزاق الذي لا يختلف عن قطع الأعناق!

إشعال النّار في الأسعار، وامتهان المضاربة والاحتكار، وفبركة ندرة المواد الاستهلاكية واسعة الطلب، وتهريب" السلع المدعّمة بملايير الخزينة العمومية، تحوّل على مرّ السنوات إلى ظاهرة "ماد إين ألجيريا"، يركبها جزائريون منتجون ومستوردون وتجار، لإذلال وسرقة إخوانهم الجزائريين من الزبائن والمستهلكين.

الحمد لله أن ليس كلّ المنتجين والمستوردين والفلاحين والتجار والموّالين، من طينة تلك الفئة الضالة والمغرّر بها، والمستسلمة لنفسها الأمّارة بالسوء، لكن على قلّتها أو كثرتها فإنها "نجحت" في ضرب القدرة الشرائية واستهداف قوت "الزوالية" والغلابى ومحدودي الدخل، وأضرّت بالروح التضامنية والمودّة بين عامة الجزائريين.

المصيبة أن هذه "الطينة العاصية" أضرّت كذلك بالدولة، من خلال استفادتها بالنصب والاحتيال واللاقانون والفساد" من الملايير الممليرة الموجّهة أساسا لأموال الدعم.. هذا "السوسيال" الذي تمّ اختطاف نصيب كبير منه، وقد يكون حصة الأسد، بسبب قوانين سابقة على المقاس لفائدة أثرياء وأغنياء وشهبندر التجار" وحتى لصالح "عصابات"!

التغيير الجذري الذي يطالب به عموم الجزائريين ينبغي أن يشمل أيضا "الخضار" والجزّار" وكلّ تاجر "مشرار"، ومستخدمي "المنشار" لخلخلة الاستقرار.. هذا النوع من البشر لا ينفع معه قانون ولا ردع، بقدر ما يحتاج أوّلا إلى صحوة وتأنيب ضمير، واستفاقة أخلاقية قبل فوات الأوان، تعيده إلى جادة الصواب وتصفّد "الأبالسة" التي تسكن عروقه وأفئدته المريضة!

تغيير النظام" وتغيير السياسات" وتغيير الحكومات" وجميع الإصلاحات، يصبح كمن يحرث في الماء، أو يضرب الريح بالعصا ما لم يغيّر الله ما بأنفس القوم، وما لم يصلح كلّ فرد دواخله، ويغيّر كلّ صفة مذمومة فيه ويقاومها ويطاردها إلى أن ينتصر عليها، فتنتحر الممارسات القبيحة والأساليب الشنيعة في كلّ مكان.. وفي القاعدة كما القمّة.

المرغوب والمطلوب أن يكون التغيير المنشود أفقيا وعموديا..فرديا وجماعيا، ومثلما يقول المثل: "كل مومن يبدأ بروحو"(..)، وطبعا (يد واحدة ما تصفّق)، وهذا هو خلاصنا وفلاحنا وأملنا في تكريس الرحمة بيننا، والتفاهم والتوافق، وكذا تفعيل معادلة الجسم الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمّى.