مخططات هشة، مراقبة غائبة ومعاناة المواطن مستمرة
رشيد كعبوب رشيد كعبوب

فيما يبحث قطاع النقل عن "نقلة" نوعية

مخططات هشة، مراقبة غائبة ومعاناة المواطن مستمرة

لم تنفع المخططات المتعاقبة التي أقرتها وزارة النقل، في إزالة الواقع غير المريح في خدمات هذا القطاع، لاسيما في عاصمة البلاد الذي لا يزال يئن تحت وطأة "الفوضى العارمة"، التي مست مختلف الوسائل وبدرجات متفاوتة، أكثرها رداءة، حافلات النقل العمومي الحضري وشبه الحضري، التي صارت محل شكوى المواطنين الذين وجدوا أن هذه الخدمات لم تجد من ينظمها ويضبطها  وفق دفتر الشروط الذي ضرب الناقلون به عرض الحائط، من جهة، لكنهم في الوقت نفسه يبررون الأمر بعدة حجج يطرحونها من خلال هذا الروبورتاج الذي قمنا به في العاصمة، التي تعد نموذجا حيا عن باقي ولايات الوطن.

يكفي للتدليل على شكاوى المواطنين بخصوص تدني هذه الخدمات، الخروج إلى الميدان، وامتطاء حافلات إلى إحدى بلديات ولاية الجزائر وما جاورها، خاصة في هذا الصيف الحار، إنها معاناة حقيقية استفحلت وتعقدت بشكل لا يطاق، لاسيما في ظل الظروف السياسية، والحراك الشعبي، الذي يفترض أنه يكشف جوانب الإهمال، والمحاباة والمحسوبية، وكل التصرفات التي أدت إلى تردي القطاع، إذ يلاحظ المستقل للحافلات بمختلف أحجامها و«أعمارها" أنها لا تتوفر على وسائل الراحة، من كراس نظيفة، ومعاملات لطيفة، أما تجهيزات تكييف الهواء، فلا نتحدث عنها، لأنها غائبة بنسبة مائة بالمائة، وقد لاحظنا في العديد من هذه الحافلات مشاهد لا تشرف القطاع.

شجارات وتجاوزات وشكاوى لا تجد من يسمعها

لا يختلف اثنان عن أن غياب المراقبة من طرف ممثلي قطاع النقل ترك الأمور سائبة للناقلين، يعملون بـ«مزاجية وجشع" كبيرين، تهدر من خلالها حقوق الزبائن في الاحترام والراحة، وتزيد من مشاقهم، سواء بالنسبة للنقل الحضري أو شبه الحضري، وبدرجة أقل النقل لمسافات طويلة، وقد روى مواطنون عن تجاوزات وصور لا تشرف هذا القطاع، وتؤكد أن القائمين عليه لا يملكون إستراتيجية واقعية تعيد الأمور إلى نصابها، وترقى بالخدمة إلى المستوى المطلوب، حتى لا نقول تصل إلى المستوى الجيد والممتاز، وإن كانت هناك خطط وقوانين وإستراتيجيات ونصوص تنظيمية، فهي مجرد حبر على ورق، والواقع يؤكد صحة ما نقول، وتقره النقابات التي توضح أنها باتت مهمشة من طرف وزارة النقل، التي لم تتوصل إلى حل ناجع، كونها أبعدت الفاعلين الحقيقيين في الميدان، وأهمهم الناقلون الذين يدركون أغوار وأسرار هذه الخدمة، ويعرفون لب المشاكل ومسبباتها.

الكثير من المواطنين الذين اشتكوا لنا من تدني خدمة النقل، يؤكدون أن أكبر تجاوز يتعرضون له من طرف سائقي الحافلات والقابضين، هو تضييعهم للوقت في المواقف التي تحولت إلى "محطات فرعية"، يركن فيها السائق الحافلة ونصف مقاعدها مملوءة أو حتى مملوءة عن آخرها، وينتظر تكديسها أكثر، ولا يهمه في ذلك هدر الوقت، أو ظروف الحرارة، لكن ما يهمه، تحقيق قسط من المال في ظرف قصير، ثم التوقف عن الخدمة قبل الوقت المحدد، وهو مشكل قائم، يوضح بشأنه السيد عبد القادر، وهو إطار سابق في مؤسسة النقل الحضري وشبه الحضري (ترانسيب)، الذي أكد لـ«المساء"، أنه منذ فتح الأبواب للخواص، والقطاع في انحدار، كون القائمين عليه لا يستفيدون من الخبرات السابقة لأهل المهنة، سواء في الميدان أو الإدارة، ويفيد محدثنا أن شركات النقل العمومية  كانت نموذجا ناجحا في تسيير هذا القطاع، من حيث تكوين السائقين والقابضين، واختيار الأكفاء منهم، لكن الأمر لم يدم طويلا، لأن هذا السوق فتح على مصراعيه لغير المهنيين، ودخله أشخاص لا يعيرون أي اهتمام لهذه الخدمة النبيلة.

يؤكد الواقع أن مسألة التكوين في قطاع النقل الجماعي للمسافرين، صارت مشكلة عالقة، حسب نقابات الناقلين، إذ بعد أن فرضت الدولة على الناقلين تكوين السائقين، وحصولهم على شهادة الكفاءة المهنية، ومنحتهم مدة سنتين للانتهاء من ذلك، فإن الناقلين وجدوا مشكلا كبيرا في إخضاع عمالهم للرسكلة، لسببين؛ الأول يتعلق بارتفاع سعر التكوين، الذي يناهز 45 ألف دينار، وهو سعر يعتبره الناقلون خياليا، مقارنة بتكوين سائق الطاكسي الذي لا يتعدى 5 آلاف دينار، وهي فاتورة لا يقدر عليها السائقون الذين لا تتعدى مرتبات أغلبهم الشهرية 35 ألف دينار.

في هذا السياق، أوضح ممثل نقابة الناقلين أنه رغم اقتراحهم تسديد حقوق التكوين عن السائقين، وخصمها بالتقسيط من مرتباتهم، إلا أنهم يرفضون الأمر، لأن المرتب بدون الاقتطاع منه، لا يكفي لإعالة أسرهم، بالنظر إلى ارتفاع القدرة الشرائية، وصعوبة المعيشة، وطلبت النقابات من الوزارة عقلنة أسعار التكوين، لكنها لم تتلق أي رد إيجابي، ولما سألنا محدثنا عن تكوين القابضين، اعتبر ذلك مستحيلا، كون المشكل لم يحل بشأن السائقين، حتى يتم فرض تكوين آخر، صار بالنسبة للناقلين، ضريبة إضافية.

لا تكوين للقابضين ... والحبل على الغارب

إذا كانت مؤسسات النقل العمومي، تقوم بتكوين عمالها من سائقين وقابضين، لتلقينهم أخلاقيات المهنة، وأساليب التعامل مع الزبائن، فإن الناقلين الخواص، يضربون ذلك عرض الحائط، ولا يهمهم إلا المال، حيث يشغلون سائقين، وقابضين، لا علاقة لهم بقطاع الخدمات، وقد لاحظنا في امتطائنا للعديد من الحافلات في مختلف الخطوط، أن العديد من السائقين والقابضين يشتغلون بهندام غير لائق، حيث ينتعلون الشبشب أو بما يسمى "البليغة"، والتبان، أما المعاملات فحدث ولا حرج، يقول أحد الساخطين على قطاع النقل العمومي، ومنهم من ينفث دخان سيجارته على الركاب، دون حشمة أو احترام.

كذلك الأمر بالنسبة للقابضين الذين يفتقدون لأخلاقيات هذه الخدمة، ولا يعرفون فن التواصل والتعامل مع الركاب، ولا يجدون من يفرض عليهم تعلم "أدبيات" إسداء هذه الخدمة التي تدنت إلى الحضيض، وصارت مهنة مَن لا مهنة له، حسب أحد الناقلين الذي يعيد سبب ذلك إلى عدم وجود مخطط واضح للقطاع، الذي ظل يراوح مكانه، ويزداد تقهقرا، منذ فتح الأبواب للقطاع الخاص.

النقابات مهمشة واقتراحاتها صيحة في واد..!!

أوضح عضو الاتحاد الوطني للناقلين، بن داود ملوك، لـ«المساء"، وهو صاحب شركة "بن داود" لنقل المسافرين، (الجزائر- برج بوعريريج)، وله زهاء ثلاثين سنة خبرة في هذا الميدان، حيث ورث هذه الخدمة أبا عن جد، أن أكبر خطأ وقعت فيه الدولة هو فتح الأبواب على مصراعيها لكل من هب ودب للاستثمار في هذا القطاع، دون فرض شروط وافية للحفاظ على جودة الخدمة، ودون تحيين القوانين، كما لا توجد الآليات التطبيقية الكافية في الميدان، وهو ما يظهر من خلال غياب مفتشي النقل، وهو ـ كما قال- ما ترك بعض الناقلين الذين لا يعرفون قيمة هذه الخدمة "يتفرعنون"، ويعملون وفق أمزجتهم، التي يفضلون فيها تحقيق الأرباح على حساب راحة الزبون، وهو ما نراه يوميا في الواقع.

يؤكد محدثنا، وهو يسرد علينا سيرورة وصيرورة هذا القطاع، منذ الاستقلال، عندما كان القطاع العمومي مهيكلا ومنظما، ويعمل وفق ضوابط مدروسة، تحدد وتفرض شروط ممارسة هذه الخدمة، مضيفا بالقول "لكن بعد دخول الخواص، بلا ضوابط، كثرت الوسائل، وتدنت الخدمات، وضاع القطاع وسط تجاوزات ما كان لها أن تحدث لولا غياب المخططات مدروسة"، مؤكدا أن وزارة النقل لم تشرك الفاعلين في الميدان في إعدادها، وهو ما جعل كل المخططات "هشة وبعيدة عن تنظيم القطاع وتحسين الخدمة"، وحسب السيد بن داود، فإن صاحب الخبرة والصنعة هو من يستطيع أن يشخص المشاكل ويقترح حلولا ناجعة، وليس من يجلسون وراء المكاتب المكيفة، ويسنون قوانين "على المقاس"، كما قال، تحقيقا لمآرب شخصية ومصالح شخصية، إضافة إلى المحسوبية التي ضربت أطنابها في هذا القطاع، وأعطى محدثنا مثالا على ذلك، بالتراخيص التي يتم تجميدها قانونيا، لكن يتم منحها استثناء، لشركات شخصيات "نافذة"، وهو ما يزيد في تدهور القطاع وفوضويته.

مؤسسات النقل العمومي الملتزمة الوحيدة

لعل ما بقي في الساحة من نماذج تحفظ ماء الوجه لهذا القطاع، تلك المؤسسات العمومية التي لا تزال تحافظ على تقاليد الخدمة، ومثال ذلك مؤسستا "إيتوزا" و«ترانسيب" التي ظلت في مجملها تلتزم بمواعيد وضوابط العمل، كونها تخضع لإدارة تشمل مسيرين ومختصين في مختلف المجالات، منها مصالح الاستغلال، الصيانة، المالية ... وغيرها، على عكس ما نراه في القطاع الخاص الذي يسير بلا معايير ويتصرف أصحابه بدون الاستفادة من خبرات المهنيين، أو محاولة إخضاع العمال إلى الرسكلة والتكوين، لتحسين الخدمات وتقليل الأخطاء والتجاوزات.

لعل المأمول في قطاع النقل الذي تشترك فيه عدة قطاعات، أن تدلي كل جهة بدلوها، فتشرح الواقع وتقترح الحلول، ومن أهم الأرقام الفاعلة في القطاع، الناقلون أنفسهم الذين يفترض أن يستشاروا في مصير مهنتهم حتى لا تضيع وسط زحام الفوضى والانحدار.

إقرأ أيضا..

الرئاسيات في 12 ديسمبر القادم
16 سبتمبر 2019
في خطاب للأمة، رئيس الدولة يستدعي الهيئة الناخبة

الرئاسيات في 12 ديسمبر القادم

شرفي: مهمة سلطة الانتخابات إرجاع السيادة للشعب
16 سبتمبر 2019
قال إن تنصيبها نقطة انطلاقة لبناء الجزائر الجديدة

شرفي: مهمة سلطة الانتخابات إرجاع السيادة للشعب

تعيين شرفي جاء باقتراح من كريم يونس
16 سبتمبر 2019
بلحيمر يدافع عن خيار الانتخابات ويؤكد:

تعيين شرفي جاء باقتراح من كريم يونس

العدد 6901
16 سبتمبر 2019

العدد 6901