ساحرة المتوسط ومعقل التصوف
❊ زبير زهاني ❊ زبير زهاني

مستغانم

ساحرة المتوسط ومعقل التصوف

يصفها زوارها بجوهرة المتوسط، تقع في مفترق الطرق بين العاصمة ووهران. تمتاز بمناظر خلابة تتوسطها حدائق ومراع، وتقطعها وديان وسيول من ماء عذب، هي مستغانم التي استمدت تسميتها من عبارة "مسك الغنائم"، لأنها كانت تضم خيرات كبيرة وأرضا خصبة وتشتهر بزراعة القصب السكري، واحتلت المركز الرابع من حيث الإنتاج الفلاحي السنة الفارطة، فكانت مدينة فلاحية بامتياز بعدما حققت 121 مليار دينار، كقيمة للإنتاج الفلاحي بزيادة 9.6 ٪ عن السنة التي قبلها، أو هي "موريستاغا" نسبة لميناء روماني، اندثر بفعل زلزال ضرب المنطقة إبان حكم الإمبراطور "غاليان" أو نسبة لشاعر رومي.

الولاية لها مستقبل سياحي زاخر، بالنظر إلى المؤهلات الطبيعة التي تملكها، والعديد من الآثار التي تشهد على تاريخها الضارب في العمق، ويعود إلى آلاف السنين، ميناءها من أهم موانئ الجزائر، يبوّءها مكانة اقتصادية هامة، كما أن ميناء الصيد والترفيه الذي دخل منذ سنوات حيز الاستغلال، أضاف بعدا اقتصاديا آخر للمدينة التي تضم محمية طبيعية منفردة النظير، بمنطقة المقطع، ساهمت في تكاثر العديد من الحيوانات والطيور.  

كانت لـ"المساء" جولة سياحية في هذه الولاية خلال هذا الصيف، رفقة القافلة الإعلامية التي نظمها الاتحاد الوطني للإعلاميين والصحفيين الجزائريين، تحت شعار "جزائر الحب والسلام"، وقفت على متعة المناظر الطبيعية المتشكلة من مختلف المنتوجات الزراعية، وعلى رأسها القمح، والتي أعطت المنطقة ألف لون ولون ورسمت لوحة فنية تمتع عين الناظر، خاصة عند التقاء خضرة الغابة بزرقة البحر، على امتداد 124 كلم من السواحل التي تضم 48 شاطئا يقصدها السياح من مختلف أنحاء الوطن، وحتى من خارجه، إلى منطقة عاشت تعاقب العديد من الحضارات وسايرت العديد من الفترات والعصور، من الفنيقيين والرومان، إلى المرابطين، المرنيين، العثمانيين والفترة الفرنسية.

"تاجديت"، "درب الطبانة" و"قصر الباي بوشلاغم" شواهد على العراقة

صُنفت قصبة "تاجديت" من أقدم المدن الجزائرية، وهي عبارة عن بنايات قديمة، تأسست المدينة على قواعدها وكانت تضم السكان القبائل والعرب، فهي تشكل فسيفساء معمارية فريدة على شاكلة المدن التي يطلق عليها اسم القصبة، وتعد مهدا للصوفية بعدد كبير من الزوايا التي يتبعها آلاف المريدين، وتقع داخل "درب الطبانة" التي يعود تاريخ بنائها إلى القرن 11 ميلادي، ويفصل بين الحيين العريقين واد عين الصفراء، ومن يصعد إلى التل يرى مستغانم القديمة، مترامية كبساط يحده البحر.

تضم المدينة العتيقة العديد من المعالم التاريخية والأثرية، حيث تحصي الولاية أكثر من 60 موقعا أثريا ومعلما تاريخيا، على غرار الجامع المريني العتيق، مستشفى المدينة، وهو على شكل حرف "U" باللاتينية، كان عبارة عن ثكنة عسكرية لعلاج جرحى الحرب قبل أن يحول إلى مستشفى ويطلق عليه حاليا اسم "شي غيفارا". كما تضم المدينة القديمة "دار الزربية"، حي "الطبانة" الذي يضم "قصر الباي بوشلاغم"، "دار القايد" التي تحولت إلى متحف الفنون الشعبية، "دار البارود" التي تحولت إلى دار الحرف، "دار حميد العبد"، "دار المفتي بن قارة مصطفى"، و«قصر الباي محمد الكبير".

المدينة القديمة كانت محاطة بسور كبير بخمسة أبواب هي؛ باب وهران، باب معسكر، باب العرصة، باب مجاهر الذي يفصل بين "درب الطبانة" و"تاجديت" و«باب البحر"، كما يضيف بعض المختصين بابا سادسا وهو باب الجراد، نسبة لظاهرة طبيعية عرفتها المدينة في وقت ما.

متحف "برج الترك" سجل بشاعة الاستعمار

أكدت مسؤولة متحف "برج الترك"، السيدة عقلية قدور، أن هذا البرج بني سنة 1734 في الفترة العثمانية من طرف مصطفى يوسف المسراتي المدعو الباي بوشلاغم، أو باي المحال (من قبيلة المحال المتفرعة عن قبيلة بني هلال، والتي حكمت المنطقة قبل مجيء الأتراك)، الذي كان بايا من بايات الغرب وتولى الحكم بعد وفاة شقيقه أبو طالب المجاجي سنة 1743، وكان متواجدا بمدينة وهران قبل أن يفر منها هروبا من الإسبان، حيث استقر بمدينة مستغانم في آخر الخمس سنوات من حياته، وشيد البرج الذي يعلو المدينة القديمة من أجل حمايتها وحماية الأحياء القديمة، على غرار "الطبانة" و«تاجديت"، فيما تؤكد روايات أن بناء هذا الصرح الذي يعلو المدينة ويطل على خليج أرزيو، كان في القرن الـ16 من طرف الأمير حميد العبد.

حسب مسؤولة المتحف، حول المكان بعد دخول المستعمر الفرنسي، إلى ثكنة عسكرية وأطلق عليه اسم البرج الشرقي، وفي سنة 1898، بمجيء القائد العسكري دو ميشال، حول المكان إلى مركز تعذيب المجاهدين، وعرف استشهاد العديد من الجزائريين.

الحصن الذي يقابله في الجهة الأخرى، حصن اللقالق، عرف أول اتصال لاسلكي، تم من برج إيفل بفرنسا في الحقبة الاستعمارية، ويضم بئرا يتوسط فناء البرج، يمتد عبر نفق إلى البحر عبر عدة كيلومترات، حيث كان يستعمل كمنفذ في حالة الحصار، وقد تم إغلاقه في العشرية الحمراء. 

أكدت السيدة عقيلة قدور أن البرج استعمل بين سنتي 1962 و1980 كمأوى لبعض العائلات التي لم تكن تملك مساكن، قبل أن يترك مهملا إلى غاية سنة 1999، حيث  عرف عملية ترميم من طرف سلطات الولاية، وتحول سنة 2004 إلى متحف للآثار لمدينة مستغانم، يضم عدة قاعات، على غرار قاعة ما قبل التاريخ، أثنوغرافيا وعلم الآثار وكذا تاريخ الحصن.

من بين المعالم الأثرية التي تضمها مستغانم؛ مغارة "ماسرة" التي يرجع تاريخها إلى العصر الحجري الحديث، وتقع بالقرب من ضريح "سيد بن ذهبية" في الجهة الغربية للمنطقة، شرق الطريق الرابط بين مدينتي ماسرة ومستغانم، وقد تم العثور في محيط المغارة على مجموعة من عظام الثديات، ولقى صخرية من الصناعة الحجرية المستعملة في تلك الفترة.

فيض من الروحانيات وجنة العارف معقل العلويين

تضم مدينة مستغانم 44  ضريحا، يعتقد سكانها أنهم يحمون المدينة، تفيض بالروحانية ولها عدد كبير من المساجد والزوايا التي تأبى الاندثار، وتعتبر قبلة لكل الباحثين والزوار لهذه المدينة الذين يرغبون في السياحة الدينية، على غرار ضريح "سيدي لخضر بلخلوف"، مداح الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، كما يعد المسجد المريني العتيق أو المسجد الكبير معلما وطنيا مصنفا منذ 1982، يقع أسفل المدينة القديمة بحي الطبانة، على شاطئ نهر وادي عين الصفراء، وهو ملتصق بسور المدينة، بني سنة 1342 من طرف أبو يوسف بن تشافين المريني في عهد السلطان أبي عبد الله بن أبي سعيد المريني. كما تضم الولاية أشهر الزوايا، على غرار الزاوية "البوزيدية"، و"العلوية" أو "العليوية" التي تعد من أكثر الزوايا تأثيرا بمستغانم، وصداها يتعدى الحدود، وقد فتحت موقعا سياحيا لها وهو "جنة العارف" الذي يضم المؤسسة المتوسطية للتنمية المستدامة، بفضلها أقرت الأمم المتحدة تاريخ 16 ماي يوما عالميا للعيش معا، بفضل مجهودات الشيخ خالد بن تونس الذي يترأسها.

حسب السيد مولاي إدريس بن تونس، مقدم الزاوية "العلوية"، الذي تحدث لـ"المساء"، فإن هذه الزاوية تعد الأم عبر التراب الوطني، مضيفا أن عددا كبيرا من المريدين يزورون الزاوية، خاصة في موسم "السبوع" للمولد النبوي الشريف، مضيفا أن "جنة العارف" التي تمتد على مساحة 8 هكتارات، تعرف زيارات سياح أجانب وتضم مركزا للتعليم وتكوين الشباب، وقال إن الزاوية التي تأسست في عشرينيات القرن الماضي، من طرف الشيخ أحمد بن مصطفى العلوي، كانت تدعو إلى الحوار بين كافة الأديان وكان صاحبها منفتحا على كل الأفكار وشيخا مجددا في الصوفية، واستطاع كشيخ صوفي أن يفتح مطبعته سنة 1924 وينشر أكثر من 15 مؤلفا، إضافة إلى نشر أعداد من جريدة "البلاغ الجزائري" سنة 1926، "لسان الدين" سنة 1936 ومجلة "المرشد"سنة 1946.

علاقة الشيخ بن باديس مع الزاوية "العليوية"

عاد السيد مولاي إدريس بن تونس، إلى علاقة أحمد بن مصطفى العلوي أو أحمد بن عليوة، الذي شارك في احتفالات فتح مسجد باريس سنة 1926، مع بعض المشايخ الجزائريين، على غرار الشيخ بيوض. كما تطرق إلى زيارة الشيخ عبد الحميد بن باديس إلى الزاوية العلوية، عندما كان مدعوا إلى فرح في مدينة مستغانم، حيث استغل الشيخ أحمد بن عليوة هذه الفرصة لدعوة الشيخ عبد الحميد بن باديس من أجل زيارة زاويته وتناول وجبة عشاء، بحضور أكثر من 100 تلميذ من أتباع جمعية العلماء وعدد من أعيان المدينة. كتب الشيخ عبد الحميد بن باديس عن هذه الدعوة، في مجلة "الشهاب" في شهر سبتمبر من سنة 1931، وتم تعليق الرسالة في إطار وضع داخل مكتبة "جنة العارف"، وهي الرسالة التي تدعو إلى التلاحم في ظل أن ما يجمع الجزائريين أكثر مما يفرقهم، وحسب السيد مولاي دريس بن تونس، فإن هذه الزيارة تعتز بها كثيرا الزاوية وتنفي كل الإشاعات حول الخلاف والعداوة مع بن باديس، معتبرا أن بن باديس راسل الشيخ العلوي لتأسيس جمعية العلماء المسلمين، وكان رأي الشيخ أحمد بن عليوة أن تكون شخصية وسطية لترأس الجمعية من غير بن باديس، وشاركت الزاوية "العلوية" في الجمعية بممثل لها عن طريق المقدم أحسن طرابلسي من ولاية عنابة، حسب محدثنا، الذي أضاف أن الأمور ساءت بعد ذلك لاعتبارات سياسية، حيث حاول محدثنا نفي العداوة بين الشيخين، رغم العديد من الأحداث التاريخية التي تناولت العلاقة السيئة بين الرجلين.

39 فندقا في الخدمة و19 مشروعا سياحيا

في سياق آخر، أكدت السيدة حياة معمري، مديرة السياحة والصناعات التقليدية بولاية مستغانم، أن هناك برنامج عمل واستراتيجية تبناها القطاع، بالتفاعل مع المتعاملين الاقتصاديين، لإنجاح مخطط التنمية السياحية، مشيرة إلى شبكة من المتعاملين السياحيين التي تشمل كل المؤسسات الفندقية، وعددها 39 فندقا، والوكالات السياحية المقدر عددها بـ43، بالإضافة إلى الجمعيات والدواوين، تعمل كلها على ترقية السياحة في هذه الولاية والتعريف بكل مؤهلاتها المتنوعة.

كشفت مديرة عن أن الولاية تدعمت بسبعة فنادق جديدة خلال هذه الصائفة، تضاف إلى 39 مؤسسة فندقية التي توفر 5100 سرير، ليرتفع عدد الأسرة بـ1000 سرير، وتصبح الطاقة الاستيعابية 6100 سرير، مع تسجيل 19 مشروعا جديدا خاصا.

حسب السيدة معمري، يحظى موضوع ترقية السياحة الداخلية وتشجيع محدودي الدخل على زيارة مستغانم بأهمية كبيرة، بعد مراجعة الأسعار وجعلها تتوافق مع هذه الفئة، تضاف لها خطوة أخرى تبنتها المدينة، وهي تشجيع أصحاب المنازل على تأجيرها بأسعار تكون معقولة، بالإضافة إلى المخيمات التي بلغت 39 مخيما.

جعل الولاية قطبا سياحيا بامتياز

تؤكد المديرة نقصا في توفير العقار عبر مناطق التوسع السياحي، كاشفة عن وجود دراسة لأربعة مشاريع في هذا الصدد، وقالت إن وتيرة المشاريع قيد الإنجاز، تسير بشكل مقبول. تحرص مديرية السياحة على ترقية السياحة الغابية، مع وجود 34 هكتارا  من الغابات، تضاف لها الحديقة المائية وحديقة الحيوانات، حيث تسعى المديرية ومن خلال موقعها عبر الأنترنت وموقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى المطويات التي يتم توزيعها، إلى التعريف أكثر بالمنطقة وتاريخها وأهم معالمها.

أكدت السيدة معمري أن شواطئ الولاية، وفقا لإحصائيات قدمتها مصالح الحماية المدنية، استقبلت أكثر من 11 مليون مصطاف في صائفة 2018، وقالت إن أغلب الوافدين على المدينة في هذه الفترة، من قاصدي الشواطئ والبحر، مضيفا أن ما يجاوز  634 ألف زائر توافدوا على حديقة الحيوان بوسط المدينة خلال شهرين، وأكثر من 16 ألف زائر توافدوا على الحديقة المائية في شهر ونصف الشهر فقط.

كما كشفت نفس المتحدثة، عن التحضير بالتنسيق مع السلطات المحلية ومديرية السياحة بوهران، لتنظيم زيارات ومسالك سياحية متنوعة للوفود الرياضية التي ستشارك في فعاليات ألعاب البحر الأبيض المتوسط، المزمع إجراؤها في صيف 2021 بوهران، وقالت إن الولاية يمكن أن تشارك بالإقامة أيضا بالنظر إلى قرب الولايتين.

 

إقرأ أيضا..

التعرف على هوية إرهابيين مقضى عليهما بتيبازة
20 نوفمبر 2019
فيما تم القضاء على إرهابيين اثنين بتمنراست

التعرف على هوية إرهابيين مقضى عليهما بتيبازة

افتتاح المقياس الأول حول الطب الاستعجالي خلال الأزمات
20 نوفمبر 2019
الصحة العسكرية لكلية 5+5 دفاع

افتتاح المقياس الأول حول الطب الاستعجالي خلال الأزمات

الأمين العام للخارجية يوقع على سجل التعازي
20 نوفمبر 2019
وفاة سفير الأردن لدى الجزائر

الأمين العام للخارجية يوقع على سجل التعازي

العدد 6956
20 نوفمبر 2019

العدد 6956