حلاقون متميزون ومستثمرون صامدون أمام المنافسة الشرسة
❊❊ كوالالمبور: رشيد كعبوب ❊❊ كوالالمبور: رشيد كعبوب

"المساء" تلتقي الجالية الجزائرية في ماليزيا

حلاقون متميزون ومستثمرون صامدون أمام المنافسة الشرسة

رغم المنافسة الشرسة في عالم المال والاستثمار بدولة ماليزيا، إلا أن أفراد الجالية الجزائرية المقيمين هناك يسعون إلى إثبات وجودهم، وإظهار البصمة الجزائرية في هذا البلد القاصي، الذي لا يسافر إليه إلا القلة، ويعمل بعض المستثمرين الذين حاورتهم "المساء" بكوالالمبور على إيجاد موضع قدم لهم مع كبار المتعاملين الاقتصاديين، وينتظرون قدوم آخرين، لرفع حجم التعاون بين البلدين، خاصة أن المعاملات التجارية بين الجزائر وماليزيا لم ترقَ إلى المستوى المطلوب، رغم أن هذه الدولة الصاعدة في عالم المال والأعمال، أصبحت قبلة العديد من الدول المتقدمة، التي وجدت بها فرصة لتنمية رؤوس أموالها، وتحقيق أرباح طائلة.

يؤكد العديد من أفراد الجالية الجزائرية المقيمة بماليزيا، أن مناخ العمل والاستثمار بهذه الدولة، الذي يتسم بالسهولة، يعد فرصة كبيرة للمتعاملين الجزائريين الذين يبحثون عن طرق ووسائل لتحسين رؤوس أموالهم، والاستفادة من الخبرات والتقنيات من نظرائهم في هذا البلد، والمساهمة في وضع لبنة قوية لترويج المنتوجات الجزائرية التي تكاد تكون غائبة في الأسواق، التي تعج بمختلف السلع من كل دول العالم، ويكتفي بعض المتعاملين -حسب أحد المستثمرين الجزائريين بكوالالمبور- باستيراد بعض السلع، خاصة الأثاث الخشبي، العسل الملكي وسلع من السوق أو "المدينة الصينية" في كوالالمبور بأسعار زهيدة، ومنها بالخصوص، الهواتف النقالة، العطور وغيرها.

رغم العدد المحدود لأفراد الجالية الجزائرية في هذه الدولة الآسيوية، إلا أن المتجول في شارع العرب بالعاصمة كوالالمبور يجد ثلة منهم، وأكثرهم الحلاقون والعاملون في مطاعم متعاملين من الدول العربية، منهم السوريون، المصريون والعراقيون. يعد  الحلاقون الجزائريون الأحسن والأكثر إقبالا من طرف الزبائن، كونهم يحسنون مختلف التصفيفات، ويواكبون عالم الموضة، ويربح كل منهم يوميا دخلا لا يقل عن 300 رينغت، أي ما يعادل 13 ألف دينار جزائري، لكن في المقابل، يجني العامل اليومي الذي يعمل في مطعم أو ورشة شهريا 1800 رينغت، بما يساوي 75 ألف دينار.

الحلاق العباسي:نجحت في مهنتي وسأتزوج تايلاندية

عبد القادر عاشوري، ابن مدينة سيدي بلعباس، الحلاق الماهر، كسب ثقة العديد من الزبائن بماليزيا، قصة نجاحه بهذا البلد الأخضر المترامي في المحيط الهندي، بدأت من مسقط رأسه سيدي بلعباس، فهو الشاب الطموح الذي لم تسعه بلدته التي ولد وترعرع بها،، سرد لـ«المساء" جانبا من قصة نجاحه في مشواره العملي والمالي، وجدته بشارع العرب، أمام محل عمله (صالون الحلاقة)، كان جالسا مع صديقة يتحدث منشرح الصدر، بشوش الوجه، دلني عليه أحد السوريين الذي تأكدت من مظهره أنه عربي، ولما صافحت "عبد القادر العباسي" قبض على كفي وأسدى لي كل عبارات الترحاب وحسن الاستقبال، وراح في البداية يسألني عن سبب مهمتي في ماليزيا، لأدخل معه في حوار قصير، سرد علي من خلاله، قصة وصوله إلى ماليزيا واستقراره منذ أزيد من ست سنوات.

قال محدثي، إنه قرر عام 2012 البحث عن دخل آخر، وعدم الاكتفاء بصالون حلاقة واحد في بلده، وعلم في ذلك الوقت أن ماليزيا الصاعدة في عالم الاقتصاد والمال، بحاجة ماسة إلى تلك الخدمات التي تكمل الإستراتيجية السياحية التي تعتمدها ماليزيا، فلم يجد بدا من رمي دلوه في هذا العالم الجديد، ليكتشف أنه بإمكانه النجاح في هذا "البزنس الواعد"، لاسيما أن الحلاقين الجزائريين تعوّدوا فقط على الهجرة نحو الدول الأوروبية، وقلما فكر أحدهم في الرحيل إلى بلد بعيد مثل ماليزيا.

لم يتوقّف طموح عبد القادر عند هذا الحد، فهو محب للسياحة والترحال، واختار شريكة حياته من جنسية تايلاندية، من عائلة ميسورة، قال إنها غيرت جانبا كبيرا في فلسفة حياته، وجعلت فكره عالميا لا تحده الحدود، ولا تكبله الأصول والأعراق، وأصبح يعشق السياحة واكتشاف بلدان العالم، وبدا محدثنا سعيدا في حياته، إذ راح يحدثنا عن حياته الاجتماعية، وسرد لنا قائلا، إنه يتنقل إلى تايلاندا المجاورة ليتفقد وضعية خطيبته التي سيتزوجها قريبا، وأنه يعمل على توسيع نشاطه مستقبلا وتكوين حلاقين مهرة لهم لمسة جزائرية. 

عون الاستقبال زهير:وجهتي القادمة أوروبا

أما الشاب "زهير.ف" الذي وجدناه بأحد الفنادق الصغيرة المملوكة لأحد المستثمرين الجزائريين، فأسرّ لي ـ بعد أن استأنس إلي وعرف أنني من الجزائر- أن الحياة في ماليزيا ليست سهلة البتة، والقليل من الجزائريين والشباب بالخصوص، من يقصدون هذا البلد، ومنهم من هرب من قبضة العدالة، أو التجنيد ـ يقول محدثنا- مؤكدا أن أي شخص لا يملك حرفة أو صنعة لا يستطيع إيجاد عمل قار ولا يصمد أمام الوضعية الصعبة، ولن يتوفر له من العمل إلا الشاق الذي لا يجني منه أجرا كافيا، فأحسن أجر لا يتجاوز الـ1500 رينغت ماليزي، يستهلكه العامل في نفقات المأكل والمبيت، وقال الشاب زهير الذي كان قبل 5 سنوات من هجرته إلى ماليزيا يدرس بجامعة تيزي وزو في تخصص علوم إدارية، أنه لم يقبل بمواصلة الدراسة، وغلبه حب تغيير الأجواء والبحث عن وظيفة في الخارج تغنيه عن مثيلتها في بلده، لكنه لم يستطع تحقيق هذا الحلم في ماليزيا، وسرد محدثي شذرات من يومياته التي تبدو صعبة، رغم عمله القار، فسقف طوحه ـ كما قال- أكبر من أن يبقى أجيرا طول حياته مقابل راتب لا يضمن له جمع ثروة أو استغلالها في مشاريع استثمارية أخرى، "الحرفة أقل بكثير من العمل بالأجرة".

زهير، الذي روى لنا جزءا من حياته في هذا البلد البعيد، أسر أنه لن يبقى في ماليزيا، وأنها بالنسبة له مجرد "مَعبَر" إلى أوروبا، التي قال إن أصدقاء له مرتاحون بها وحققوا نتائج مالية ووظيفية مريحة، وراح زهير يطلعني عبر هاتفه المحمول، على حسابات أصدقائه في "الفيسبوك" الذين وصلوا إلى عواصم دول أوروبية، واستقروا بها، ودعوه إلى الالتحاق، ولما سألت محدثنا عن سبب اختيار الشباب الجزائري لأوروبا، رد قائلا إنها أولا قريبة، وثانيا أن الجالية العربية والجزائرية خصوصا متواجدة بكثرة، وفرص العمل تبدو أكثر وفرة من تلك الموجودة بماليزيا.

صابر:راض بعملي رغم صعوبته..

أما "صابر.ع" الذي مر على وجوده بماليزيا 12 سنة، فكانت نظرته مختلفة تماما عن سابقه، ورغم العمل الشاق الذي يقوم به داخل حمام، إلا أنه بدا راضيا بوضعيته، ومن لا يكون صبورا، لن يستطيع البقاء في هذا البلد، الذي يحوى كل جنسيات العالم، ولا مكان فيه للبطال أو المتسول، الحياة صعبة به، لكن كل من يملك حرفة أو يكون ملتزما في عمله، مهما كانت طبيعته، فإنه يحقق بعض مراده، واسترسل محدثنا ـ يقول ـ إن أغلب الجزائريين لا يأتون إلى ماليزيا لبعدها وصعوبة التكيف مع الوتيرة التي تسير بها الأمور الاقتصادية والاجتماعية، فالبلد مفتوح على كل اقتصادات العالم وشعوبه وحضاراته وثقافاته، ولا يصمد أمام هذا الزخم إلا من له استثمار خاص أو حرفة يد.

قال صابر الأربعيني، إنه قرر عدم العودة إلى الجزائر، لظروف قاهرة جعلته يصمد أمام الوضعية الصعبة في ماليزيا، وهو راض بعمله الشاق، لكنه يجني من ورائه أموالا توفر له كل ما يحتاجه من مستلزمات الحياة، وبدا محدثنا فخورا بذلك، لأنه استطاع أن يواجه مصاعب الحياة في بلد غادره الكثير من الشبان الجزائريين الذين وجدوا أنفسهم في حيرة وحرج كبيرين، "لأن القوانين هنا لا ترحم"، قال صابر، "فكل من يخالف النظام العام أو يتسبب في فوضى أو يعتدي يكون مآله السجن....بل الإعدام النافذ، عندما يتعلق الأمر بجرائم الإرهاب والمخدرات وغيرهما"، مضيفا أنّ انفتاح ماليزيا على العالم كان وفق قوانين مضبوطة تحمي الأفراد والممتلكات وتؤمّن العمل والاستثمار والنمو الاقتصادي.

أحمد وخالدالعمل لمواصلة التعليم

لم يقتصر وجود الجزائريين بماليزيا على طالبي العمل فقط، بل إنّ العديد من الشبان الجزائريين يرتحلون إلى هذه البقعة لتعلّم اللغة الإنجليزية وتخصصات أخرى في الجامعة، ومنهم الشاب "أحمد.ب" الطموح الذي سرد علينا جانبا من مغامرته، قائلا إنه منذ وصوله إلى كوالالمبور، سجّل في دورة تعليمية للغة الإنجليزية بإحدى المدارس، لكن الجانب المادي الصعب الذي واجهه في البداية فرض عليه البحث عن عمل لتحصيل ما يسد به مستحقات التكوين والإيواء، وقال أحمد إنه في أزيد من ستة أشهر وجد عملا في مطعم أحد الجزائريين، وأنه بعد فشله في نيل شهادة البكالوريا، تكونت لديه قناعة أن الحل يكمن في الهجرة إلى دولة ما، والبحث عن عمل، ومواصلة الدراسة في أي تخصص، "لقد اخترت اللغة الإنجليزية، لأنها لغة التواصل الثانية في ماليزيا.." قال محدثنا، الذي وجدناه رفقة ابن بلدته سوق أهراس خالد، اللذين اختارا الهجرة إلى هذا البلد البعيد، ومواصلة دراستهما، ومنه رسم معالم مستقبل مضمون.

  وليد غماري:المستثمر الناجح في بلد المنافسة الشرسة

في زيارتنا إلى ماليزيا وبحثنا عن بعض المستثمرين الجزائريين، لم نجد من أنجحهم إلا ابن مدينة سيدي بلعباس، والمعروف في ماليزيا بـ«وليد الجزائري"، الذي استقبلنا بحرارة في مكتبه في شارع العرب بالعاصمة كوالالمبور، وروى لنا مغامراته في أوروبا والخليج وماليزيا، وكيف استطاع أن يضع مسيرته الاستثمارية على السكة الصحيحة، وقال وليد ابن الثلاثين عاما، بأنه غادر الجزائر إلى باريس بفرنسا وعمره لا يتجاوز 15 سنة، وبدأ العمل قبل أن يشتد عوده، وأنه تنقل بين العديد من المؤسسات، وراح يجمع ويدخر أمواله، لأنه اقتنع بأنه لن يكون حرا إلا باستحداث مؤسسة خاصة به، فاحتك ببعض الناجحين في عالم البزنس، منهم جزائريون، حيث استطاع أن يجمع أموالا، ويحتك ببعض الناجحين فيه، ثم حط الرحال في دبي، التي كان ينشط فيها في ميدان الاستيراد والتصدير، وبدا وليد فخورا بما حققه في هذه المغامرة  التي قد لا يخوضها كبار المستثمرين، وقال بأنه اختار ماليزيا كون المستثمرين العرب قلة، وحديثو العهد بالعمل في هذا البلد الصاعد، قائلا إنه ليس من السهل أن يصمد أي مستثمر أمام المنافسة الشرسة في ماليزيا التي يسيطر فيها على دواليب الاقتصاد الصينيون واليابانيون والتايلانديون والهنود وغيرهم من الآسيويين.

حدثنا المستثمر وليد الجزائري عن الإجراءات المخفّفة والتسهيلات التي توفرها ماليزيا لأي مستثمر يأتي من الخارج، وحسبه، فإنّ الوثائق يتم توفيرها في أقل من أسبوع، "يستطيع المتعامل الاقتصادي أو المستثمر أن ينطلق في العمل خلال ظرف قياسي، ولا مجال للتعقيدات الإدارية" قال محدثنا، ليضيف أن السياسة المنتهجة من طرف الدولة تصب كلها في بوتقة واحدة، وهي جلب العملة الصعبة، وتوفير موارد للخزينة من مختلف النشاطات، تساعدها في ذلك اعتماد الإدارة الإلكترونية، والمدينة الذكية، واستغلال أحدث التقنيات لتسهيل العمل والاستثمار.

أكد وليد الناجح أنّ هناك أحد المستثمرين الجزائريين سيفتح قريبا مطعما فاخرا للطبخ الجزائري والفرنسي، لأول مرة، وأنهى هذا المتعامل كل الإجراءات وجلب جميع التجهيزات اللازمة، للانطلاق في تقديم خدمات إطعام، تحمل البصمة الجزائرية، وستقدم مختلف الأكلات والأطباق، خاصة تلك التي لا توجد في الدول العربية، وعلى رأسها الكسكسي، الشخشوخة وغيرهما.

يتمنى وليد أن يأتي المستثمرون الجزائريون لاكتشاف هذا البلد الواعد، وأنه ـ كجزائري - مستعد لتقديم كل المساعدات لأبناء بلده، ومدّهم بكل المعلومات عن عالم المال والأعمال، بهذا البلد الواعد، قائلا "أحبذ أن يأتي المستثمرون الجزائريون للاستفادة من الامتيازات والتسهيلات الاقتصادية والجمركية، صدقوني الأمور يسيرة جدا، وكل الإجراءات والوثائق لا تستغرق أسبوعا واحدا".

حدثنا وليد عن مسيرته قائلا، إنه انطلق بوكالة سياحية في ماليزيا منذ 5 سنوات خلت، حيث وجد منافسة شرسة من طرف الوكالات العربية الموجودة، لكنه رفع التحدي، وصار يجلب أكبر عدد من السياح، أفضل من العديد من الوكالات العربية التي حطت رحالها بماليزيا، وشجعه نجاحه على توسيع نشاطه باستحداث نشاطات أخرى، وفتح أول حمام مزود بـ«صونا" وقاعة حلاقة للنساء، ثم مرقد، عادة ما يقصده العرب، خاصة الجزائريون الذين يجدون ضالتهم في ابن البلد الذي تحوّل ـ كما ذكر لنا- إلى نقطة لقاء الجالية الجزائرية التي تحل بماليزيا، وأنه كلما وقع أحدهم في مشكل أو ضائقة، أو احتاج إلى مساعدة ومعلومات قصد مكتب "وليد الجزائري".

❊❊ كوالالمبور: رشيد كعبوب

إقرأ أيضا..

الحكومة ملتزمة بترقية العمل الصحفي
22 أوت 2019
رابحي يدعو لحشد الجهود لخدمة مصلحة الوطن

الحكومة ملتزمة بترقية العمل الصحفي

مكافحة الفساد من أولويات المرحلة
22 أوت 2019
نائب رئيس المحكمة العليا يؤكد من باتنة:

مكافحة الفساد من أولويات المرحلة

العدد 6882
21 أوت 2019

العدد 6882