الكيمياويات تلوث المنتجات الزراعية وترهن صحة المواطن
روبورتاج:  رشيد كعبوب روبورتاج: رشيد كعبوب

في غياب مخابر تحليل وضعف الإرشاد الفلاحي

الكيمياويات تلوث المنتجات الزراعية وترهن صحة المواطن

هل حقا ما نتناوله من منتجات فلاحية اليوم، صار خاليا من الفوائد الغذائية للجسم، ومشبعا بالسموم الناتجة عن المبيدات والأسمدة الآزوتية المساعدة على النمو وحمايتها من مختلف الأمراض؟ هو سؤال أصبح يطرح بإلحاح من طرف المستهلكين، في وقت تعاظمت فيه الأمراض واستعصى علاج العديد منها، إذ زاد في تعقيد الوضعية الصحية للسواد الأعظم من المجتمع، وهو ما يدفع إلى دق ناقوس الخطر. هذه الإشكالية حملناها إلى عدة أطراف ذات صلة، وكانت الإجابات تؤكد كلها أن معظم المواد الفلاحية لم تعد في منأى عن الملوثات التي تزداد من سنة إلى أخرى، مما يدعو إلى ضبط منظومة رقابية صارمة وتحسيس فعال، لضمان مواد استهلاكية صحية.

يؤكد المهتمون بميدان حماية المستهلك، أن المنتجات الفلاحية التي تشكل غذاءنا الأساسي، لا زالت خارج مجال المراقبة، ولم تعد خالية من الملوثات، من خلال الاستعمال المفرط للأسمدة الآزوتية والمبيدات، التي تضر بصحة المستهلك، بالنظر إلى الاستعمال الفوضوي الذي مازال يلازم الفلاح، في غياب إرشاد كاف، وتكوين شامل للعاملين في النشاط الزراعي في مختلف الشعب، في حين تؤكد بعض الأوساط أن هناك من يمارس مهنته بطريقة لا تحترم فيها معايير صحة المستهلك، فيما يقر بعض المهندسين الفلاحيين أن ما يستعمل في الجزائر من هذه المواد الكيمياوية، يعد قليلا جدا، مقارنة بما هو معمول به في الدول الأوروبية، في حين لا ينكرون بأن استعمال هذه المواد لا زال في انتشار كبير، مما يؤشر على أن الوضعية مقلقة.

لعل ما يبعث على التساؤل، حسب المختصين، أنه رغم تشديد الرقابة على المنتجات الحيوانية، خاصة اللحوم التي يتم مراقبتها من طرف البياطرة، والتأشير عليها قصد بيعها، إلا أن المنتجات الفلاحية لا تحظى بذلك، فلا يتم التأشير على الخضر والفواكه والحبوب والبقول  المنتجة محليا قبل ترويجها، رغم أن الفئة الأكبر من المواطنين تستهلك هذه المواد، وهو ما يدعو إلى التفكير جديا في إعادة النظر في منظومة المراقبة.

يتساءل بعض المهتمين بالوقاية الصحية عن التناقض الموجود في مراقبة المواد الفلاحية، حيث يتم تحليل تلك الموجهة للتصدير، أما المستهلكة محليا، فلا تمر على أي مخبر، لتحليل مكوناتها ونسبة الملوثات الموجودة بها، وكأن صحة المستهلك في الخارج أغلى وأهم من صحة الموطن في الداخل، هذه الإشكالية دفعتنا إلى طرح هذا الموضوع للنقاش، مع مختلف الأطراف ذات الصلة.

في هذا الشأن، ذكر مهندسان من الغرفة الفلاحية لولاية الجزائر لـ«المساء"، أن هناك فلاحين لا يحترمون مدة ما قبل الجني، لعدة اعتبارات، منها التخوف من ضياع المحصول، أو لأسباب تجارية، وأن المواد الكيمياوية تؤثر على الشكل والذوق والقيمة الغذائية، وأن هناك من يكرر استعمال الأسمدة، ولا يقوم بتحليل التربة، لمعرفة الاحتياج الحقيقي للنبات.

الإرشاد الفلاحي ضعيف والمطلوب تكثيف البرامج

يجمع من حاورناهم في هذا الموضوع، على أن نقص الإرشاد الفلاحي وتوعية الفلاحين، جعل النشاط الفلاحي يسير بطريقة فوضوية، وخارج مجال المراقبة، رغم الحملات والبرامج التحسيسية التي تعتمدها بعض الهيئات، ومنها المعهد الوطني لحماية النباتات، حيث تؤكد مديرة الدعم التقني بالمعهد، السيدة سهام حمدي حداج لـ«المساء"، أن للمعهد برنامج سنوي مسطر لمرافقة الفلاح في نشاطه، ومساعدته على تجاوز مختلف المشاكل التقنية والتحديات التي تواجهه، وتضر بمحاصيله. مشيرة إلى اعتماد عدة طرق لمحاربة الآفات المضرة بالنباتات، بعضها طبيعية وأخرى كيمياوية، منها المصائد الفيرهرمونية، والمكافحة البيوتكنولوجية، عن طريق توفير حشرات مضادة، وآخرها المعالجة الكيمياوية للحد من شدة الخطر.

أكدت محدثتنا أن مديرية الدعم التقني تقوم في بداية الموسم، عن طريق محطات المعهد الـ17 المنتشرة عبر الوطن، بالإرشاد وتنظيم حملات وأيام تحسيسية توعوية للفلاحين، بهدف التصرف الجيد قبل الغرس، قصد توجهيهم نحو الاستعمال العقلاني للمبيدات، قصد حماية محاصيلهم الفلاحية، وحثهم على ضرورة احترام "فترة ما قبل الجني" التي تعتبر هامة جدا، كونها مرتبطة بصحة المستهلك.

فيما أشارت إلى أن الأيام التحسيسية تبقى متواصلة على مدار السنة، حيث يقوم تقنيو المعهد بزيارة المزارع، بالتنسيق مع الفلاحين، خاصة عندما يتعلق الأمر بوضع المصائد الفيرهرمونية للقضاء على الحشرات التي تضر بالنباتات والمحاصيل الزراعية، وفي حال تسجيل وجود حشرات وبائية، تقول المتحدثة "نقوم بإرسال رسائل قصيرة للفلاحين، من أجل حثهم على توخي الحذر، أو القيام بالمعالجة في وقت قصير، لتفادي الخسائر".

أعلنت السيدة حمدي حداج، في نفس السياق، عن أن الفلاحين صاروا يهتمون بالإرشاد الفلاحي، ويعرفون قيمته، خاصة عندما تتعرض محاصيلهم إلى مختلف الآفات والأمراض، كالصدأ الأصفر، المن، الميلديو، وفراشة البطاطا، حفارة الطماطم، ذبابة الفواكه، وقشريات حفارة الحمضيات وغيرها.

الفلاحون والتقنيون يهونون المشكل

أما الفلاحون، فيذكرون، على النقيض من ذلك، أن ما يستعملونه من أسمدة ومبيدات، لا يبعث على القلق، لأنهم لا يستعملونها بشكل مفرط، فالمواد الكيماوية، حسبهم، تزيد من أعباء وتكاليف الإنتاج، مما يجعل الفلاح يقلل ويرشد استعمالها، لاسيما الأسمدة التي لا يمكن الاستغناء عنها، حيث يصل سعر بعضها إلى 11 ألف دينار للقنطار الواحد، أما المبيدات، فإن العديد من الفلاحين لا يقومون بعملية وقاية للنبات، لكنهم يسارعون إلى اقتناء المبيدات، عندما تظهر الآفات المهلكة للمحاصيل من فطريات وحشرات وفيروسات، حسبما أكده لنا أحد المهندسين الذي هون من أمر الاستعمال المفرط للمبيدات، مشيرا إلى أن العديد من الفلاحين صاروا يلجأون إلى مبيدات قادمة من الصين، ذات فعالية أقل وبأسعار منخفضة، وهو ما يؤكد، حسبه، عدم التزام الفلاحين الكامل بالحرص على استعمال مثل هذه المواد الكيمياوية، لذلك تتقاطع شهادات التقنيين مع شهادات الفلاحين في كون منتجاتنا الفلاحية أقل احتواء على الكيمياويات، التي صارت تتسبب في بلاوي صحية، خاصة السرطانات بمختلف أنواعها.

يؤكد ممثلو بعض الشركات المختصة في بيع المبيدات والأسمدة العضوية، الذين التقينا بهم مؤخرا، بمعرض الحمضيات في سيدي موسى، أن استعمال المبيدات والأسمدة لا مناص منه، لأن الفلاح لم يعد يستعمل الطرق التقليدية الطبيعية لمعالجة المحاصيل، وأنه قصد ضمان منتجات أقل ضررا، يتعين التزام الجرعات المناسبة في الوقت المناسب، مع مناخ ومكان مناسبين لضمان محاصيل وفيرة، صحية وذات نوعية.

المعالجة الطبيعية هي الحل

في هذا الصدد، ذكر الخبير الفلاحي محمد بوسعادي، مدير العهد التكنولوجي المتوسط الفلاحي المتخصص بهراوة لـ«المساء"، أنه يتعين التفكير في حلول طبيعية بيولوجية، لتفادي الآثار السلبية للمواد الكيمياوية، وأنه يجري بالمعهد التكنولوجي تجريب العديد من هذه الحلول، ومنها إدماج تربية المائيات في إنتاج مياه سقي غنية بالأملاح والمعادن الأساسية التي يحتاجها النبات، وهو ما يدعو إلى ضرورة التنسيق مع قطاع تربية المائيات، لتعميم هذه التقنية وإنتاج مياه سقي تسهم في تسميد وتقوية النباتات، وحمايتها من شتى الطفيليات والأمراض.

كما أكد لنا رئيس الفدرالية الوطنية للمستهلك، زكي حريز، في هذا المقام، أنه يجري العمل من أجل استحداث مزارع نموذجية خالية من المواد المصنعة، لإنتاج مواد طبيعية مائة بالمائة، ومنه إعطاء الاختيار للمستهلك في اقتناء ما يلزمه، وعدم فرض منتجات معالجة كيمياويا، على أن تكون المنتجات الطبيعية أكثر سعرا من غيرها.

لم ينف محدثنا أن موضوع تلوث المنتجات الفلاحية وكذا الحيوانية بمختلف المضافات الكيمياوية، صار أمرا مقلقا، وتمت مناقشته من طرف الفدرالية التي نظمت يوميا دراسيا في ديسمبر 2018، حضرته كل الأطراف الفاعلة، وتم الخروج بتوصيات، أهمها تشديد الرقابة على سوق المبيدات والأسمدة، تكثيف عمليات الإرشاد الفلاحي، والعمل على الذهاب تدريجيا نحو فلاحة بيولوجية، وتوظيف مكاتب دراسات متخصصة تمنح "الإشهاد" للفلاحين وتزكي منتجاتهم، بعد إخضاعها لمخابر متخصصة، وضرورة تأهيل المخابر لإجراء التحاليل الدقيقة للمواد الفلاحية والحيوانية، ومعرفة نسبة الملوثات أو خلوها منها.

إقرأ أيضا..

العدد 7070
02 أفريل 2020

العدد 7070