بين شموخ جبل “شنوة” ورمال شواطئ تيبازة الذهبية

هنا يتوقف الزمن ليروي حكايات عن الطبيعة والتاريخ

هنا يتوقف الزمن ليروي حكايات عن الطبيعة والتاريخ
  • 293
كمال لحياني كمال لحياني

في حضرة جبل “شنوة” الشامخ وبين رمال شواطئه الذهبية الممتدة لأكثر من كيلومتر، ترسم العائلات والمصطافون والزوار أجمل لوحات الاصطياف. هنا حيث تلتقي زرقة البحر بعراقة التاريخ، يتجدد العشق الصيفي في واحد من أجمل شواطئ تيبازة.

مع كل صيف يتحول شاطئ “شنوة” إلى قِبلة للعائلات القادمة من العاصمة، والبليدة، والولايات الداخلية بفضل مياهه الصافية، ورماله الناعمة، وانحداره التدريجي الذي يوفر سباحة آمنة للأطفال. إنه المكان الذي تتوارث فيه الأسر عشق البحر، حيث يجد الصغار والكبار متنفسهم بعيدًا عن صخب المدن، وسط طبيعة ساحرة، وجذور تاريخية.

ولا يقتصر سحر “شنوة” على شاطئها فقط؛ فهي تروي قصة تمتزج فيها الطبيعة بالتاريخ. ويقصد الزوار مياهها الصافية لممارسة السباحة الحرة أو الغوص، بينما يفضل البعض المناطق الصخرية لقضاء وقت في صيد السمك التقليدي. كما توفر القرى الصغيرة والأكشاك المنتشرة على طول الشاطئ، أطباقا تقليدية، تمنح العائلات تجربة متكاملة.

والأكثر إمتاعا أن المصطافين يجمعون بين متعة البحر واكتشاف التاريخ؛ فالشاطئ قريب من موقع تيبازة الأثري المصنف ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي؛ ما يسمح برحلة تجمع بين الاستجمام والغوص في حضارات الرومان والفينيقيين القدماء. 

ويمتد الشاطئ في موقع فريد؛ حيث تلتقي المنحدرات الصخرية الشاهقة للجبل الذي يبلغ ارتفاعه 905 متر، مع الخلجان والشواطئ الصغيرة، لتشكل معاً لوحة طبيعية أخّاذة. هذا التناغم جعل من كورنيش “شنوة” واحداً من أجمل الطرق الساحلية في الجزائر؛ حيث يمتد على طول الساحل الرابط بين تيبازة وشرشال، مقدمًا للزوار إطلالات بانورامية على البحر والخليج.

ولا يقتصر سحر شنوة على طبيعتها الخلابة، بل يمتد ليشمل إرثا تاريخيا ضاربا في القدم. فقد سكنت المنطقةَ جماعة “شنوة” الأمازيغية، التي حافظت على لغتها وعاداتها. كما تشهد الكهوف والمخابئ الصخرية المنتشرة في سفوح الجبل، على وجود بشري يعود إلى عصور ما قبل التاريخ.

ويرتبط تاريخ المنطقة بالحضارات الفينيقية والرومانية، خاصة لقربها من مدينة قيصرية القديمة (شرشال)، التي كانت من أهم مدن البحر المتوسط في العهد الروماني، فضلاً عن موقع تيبازة الأثري، المصنف ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي.

قِبلة الأدباء ... “ألبير كامو” وشاطئ الإلهام

ارتبط اسم “شنوة” بالأديب الفرنسي “ألبير كامو”، الذي تغنى بجمال المنطقة في كتابه الشهير “أعراس” ؛ إذ وصف جبل “شنوة” بـ “كتلة سوداء تمتد جذوره في التلال المحيطة بالقرية، ويهتز بإيقاع واثق ثقيل، فيقبع في البحر”. 

وقد ترك هذا الإرث الأدبي بصمة خاصة في المكان؛ إذ لاتزال مقولته عن تيبازة: “إنني أفهم هنا ما يسمى بالمجد، الحق في الحب إلى ما لا نهاية “، محفورة في ذاكرة المكان.

خدمات ومتعة بلا حدود

ولتبقى العائلات في أمان، تسخّر السلطات المحلية بتيبازة فرق حراسة وإنقاذ ونظافة على طول الموسم . 

ومع غروب الشمس لا تنتهي المتعة؛ فالعائلات تنظم نزهات وسهرات على الرمل، بل هناك عائلات تفضل المبيت في الشاطئ في الهواء الطلق، وعدم العودة إلى البيت؛ للاستمتاع بيوم آخر. 

كما ينظم الشباب مباريات في كرة القدم على الرمال، بينما يفضل البعض الآخر الاسترخاء في المقاهي، والمطاعم الصغيرة التي تقدم أطباق السمك، والمشروبات الباردة.

تحديات بيئية ترهن مستقبل الشاطئ

رغم جمالية المكان وإرثه الثقافي إلا أن المنطقة تواجه تحديات بيئية، تتطلب وعيا جماعيا؛ إذ شهدت بعض المواقع الأثرية المجاورة، إهمالا في إدارة النفايات؛ ما يستدعي تضافر جهود المواطنين والسلطات؛ للحفاظ على نظافة هذه الجوهرة الطبيعية والحضارية.

كما كان نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الجمعيات الناشطة في مجال البيئة، أثاروا ظاهرة تدفق المياه القذرة مباشرة في الشاطئ الذي يقصده المصطافون، وانبعاث روائح كريهة، وتغير لون المياه في المنطقة؛ الأمر الذي دفع بالسلطات إلى التدخل، ووضع حلول آنية فقط، في حين ترتفع مطالب بوضع حلول جذرية لهذا المشكل بعد انتهاء موسم الاصطياف؛ تحضيرا للمواسم القادمة.

ويبقى شاطئ “شنوة” بتيبازة قِبلة العائلات في موسم الاصطياف، حيث تجتمع متعة البحر وروح التاريخ وسحر الأدب، في لوحة فريدة، تجعل من كل صيف موعداً متجدداً مع الجمال، والاستجمام.

ورغم هذه اللوحة البهية يبقى شاطئ “شنوة” بحاجة دائمة إلى وعي بيئي لحمايته؛ فهو ليس مجرد مقصد سياحي فقط، بل إرث ثقافي وطبيعي تستحقه الأجيال القادمة. 

وهنا في شنوة يلتقي عشق البحر بروح العائلة، ليبقى الصيف في تيبازة موعدا متجددا مع جمال الطبيعة.