ديناميكية جديدة تعيد رسم الخريطة الاقتصادية بتيبازة

من وجهة سياحية إلى قطب صناعي واعد

من وجهة سياحية إلى قطب صناعي واعد
  • 188
كمال لحياني كمال لحياني

شهدت ولاية تيبازة، مؤخرا، عقد لقاء هام جمع الوالي محمد أمين بن شاولية، بـ 72 مستثمرا، يحمل في طياته أبعادا استراتيجية أعمق، تعيد تشكيل الهوية الاقتصادية لهذه الولاية الساحلية، في خطوة تعكس تحولا في فلسفة إدارة التنمية المحلية. يأتي هذا اللقاء الذي حضره أيضا مديرون تنفيذيون من القطاعات الحيوية وممثلون عن الهيئات الرسمية المكلفة بالاستثمار، في إطار مقاربة استباقية، تهدف إلى تحويل العراقيل الإجرائية إلى فرص ملموسة، بما يعزز التزام الولاية بالتنمية الاقتصادية المحلية والوطنية.

تيبازة بين الموروث السياحي  والطموح الصناعي

لطالما ارتبط اسم تيبازة في الذاكرة الجزائرية، بآثارها الرومانية، وشواطئها البكر. لكن المعادلة الاقتصادية للولاية تشهد، اليوم، تحولًا جذريًا، فاختيار ثلاثة محاور صناعية استراتيجية – القليعة، حطاطبة، والشعيبة – كمحركات رئيسية للتنمية، ليس مجرد قرار إداري، بل هو إعادة توجيه لمقومات الولاية نحو اقتصاد أكثر تنوعا واستدامة. المتابع للشأن المحلي يلاحظ أن هذه المحاور الثلاثة تشكل مثلثا صناعيا طبيعيا، يربط بين ميناء الشعيبة والمنطقة الصناعية بالقليعة (القطب اللوجستي)، ومنطقة حطاطبة (الامتداد الطبيعي للنسيج الصناعي)، حيث يكشف هذا التوزيع الجغرافي الذكي عن رؤية تستغل الموقع الاستراتيجي للولاية على بعد 70 كيلومترا فقط من الجزائر العاصمة.

من "البيروقراطية" إلى "المرافقة المتخصصة"

وأبرز ما ميز هذا اللقاء، حسب تصريحات مستثمرين حضروه، هو الانتقال من منطق "الإجراءات الموحدة" إلى منطق "المتابعة المتخصصة"، فتشخيص العراقيل "مشروع بمشروع" ليس مجرد تحسين إجرائي، بل هو اعتراف ضمني بأن كل استثمار له خصوصيته، وأن حلول الأمس لم تعد تصلح لمشاريع اليوم. واللافت أن اللقاء لم يقتصر على المشاريع المتعثرة فقط، بل شمل، أيضا، مناقشة "المنشآت غير المكتملة"، و"رفع العقبات عن المشاريع المشغلة" . هذه المقاربة الشاملة تشير إلى إدراك أن مناخ الاستثمار لا يقاس بعدد المشاريع الممنوحة، بل بنسبة المشاريع التي تدخل حيز الإنتاج الفعلي.

ووجّه والي تيبازة تعليمات صارمة لمختلف الهيئات المعنية بقطاع الاستثمار، من بينها الشروع في إعداد تشخيص دقيق لوضعية ضعف التيار الكهربائي، قصد تعزيز القدرة الكهربائية، وضمان استقرار التموين، وتفادي الانقطاعات المتكررة على مستوى المصانع، وإجراء تقييم مالي شامل لدراسة إمكانية إعادة الاعتبار لمنطقة النشاط بالقليعة، لا سيما من خلال تهيئة مداخل ومخارج المنطقة، وتحسين الطرقات المؤدية داخلها، إضافة الى تفعيل دور الشبابيك الموحدة، بهدف تسهيل الإجراءات الإدارية، وتفادي تنقّل المستثمرين بين مختلف المصالح.

ومن جهته، أكد رئيس لجنة الاستثمار بالمجلس الشعبي الولائي، إلياس عزيبي، أن هذا اللقاء الذي ينظم لأول مرة، يعكس الإرادة الحقيقية للسلطات الولائية، للمرافقة، وتذليل العقبات في وجه المستثمرين، خاصة أن البطالة تشهد ارتفاعا في الولاية. وهذا القطاع الاقتصادي يعوَّل عليه كثيرا لامتصاص جزء من البطالة. كما يأتي اللقاء تدعيما للخرجات التي قامت بها اللجنة، والتي مكنتها من الاستماع لانشغالات بعض أصحاب المؤسسات، والشركات العاملة في القطاع الاقتصادي.

قراءة في الخيارات الاستراتيجية

حظيت ثلاثة قطاعات باهتمام خاص خلال لقاء والي تيبازة بالمستثمرين. وهي الصناعات الغذائية والتحويلية الزراعية، والصناعات الصيدلانية وشبه الصيدلانية، وصناعة الخشب والأثاث، حيث لم يكن اختيار هذه القطاعات تحديدا، عشوائيا. فالصناعات الغذائية والتحويلية الزراعية تستفيد من القاعدة الفلاحية للولاية، حيث تشتهر تيبازة بإنتاج الحمضيات والخضر والفواكه، ما يجعلها مؤهلة لأن تكون قطبا للتحويل الزراعي، يقلل الاعتماد على الاستيراد.

أما في مجال الصناعات الصيدلانية فتضم تيبازة، بالفعل عدة وحدات إنتاجية رائدة، ما يجعل تعزيز هذا التخصص خيارًا منطقيًا لتعزيز الأمن الصحي الوطني. وصناعة الخشب والأثاث قد تبدو أقل إثارة من الصناعات الدوائية، لكنها قطاع كثيف العمالة، ومرتبط بسلسلة قيمة محلية، تشمل الغابات والمناجم (الحديد والصلب) والصناعة التحويلية، ما يجعله مرشحًا لاستحداث أكبر عدد من مناصب الشغل.

تحديات في وجه الاستثمار

72 مستثمرا حضروا اللقاء يمثلون قطاعات متنوعة. لكن السؤال الأهم: كم من هذه المشاريع متعثر؟ وكم منها ينتظر فقط "تذليلًا إداريا" بسيطا؟ وكم منها يعاني عوائق هيكلية تحتاج لقرارات استثنائية؟. غياب هذه التفاصيل الدقيقة يجعل من الصعب تقييم حجم التحديات بدقة، لكن الإصرار على اللقاءات المباشرة والتشخيص "مشروع بمشروع"، يشير إلى أن السلطات المحلية أصبحت تدرك أن الإحصاءات العامة قد تخفي أكثر مما تكشف، وأن الحلول تحتاج إلى جراحة دقيقة، وليس إلى أدوية عامة.

وحسب ما يلاحَظ من خلال النقاش الذي دار بين الأطراف المعنية وبقطاع الاستثمار سواء المسؤولين أو أصحاب المؤسسات، فهناك تحديات هيكلية تواجه أي جهد استثماري في تيبازة، تتمثل في الأساس في إشكالية الملكية العقارية، فرغم توفر مناطق صناعية إلا أن تعقيدات تسوية الملكيات تبقى عائقًا رئيسيا. ويضاف الى ذلك التأثير السياحي، فتيبازة تبقى منطقة سياحية بامتياز. والتوازن بين التوسع الصناعي، والحفاظ على المقومات السياحية والبيئية، ليس بالأمر السهل. كما تم طرح مشكل الربط بشبكات النقل، فرغم قربها من العاصمة إلا أن شبكات الطرق والسكك الحديدية تحتاج إلى تطوير لاستيعاب الحركية الصناعية المتوقعة.

نحو نموذج جديد لدور الولاة في التنمية المحلية

ما تشهده تيبازة يمكن قراءته كتجربة رائدة في إعادة تعريف دور الولاة في التنمية الاقتصادية، فالوالي لم يعد مجرد مسؤول إداري ينفذ تعليمات وزارية، بل أصبح، وفق هذا النموذج، " منسقا محليا للاستثمار"، يجمع بين سلطة اتخاذ القرار، ومرونة المتابعة الميدانية. ولا يقاس النجاح الحقيقي لهذه التجربة بعدد اللقاءات المنعقدة، ولا حتى بعدد المشاريع الممنوحة، بل بثلاثة مؤشرات عملية خلال السنوات القادمة، تتحدد في نسبة تحول المشاريع الممنوحة إلى مشاريع منتجة، وعدد مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، التي تم استحداثها، وتطور نسج صناعية متكاملة تربط بين هذه القطاعات الثلاثة المختارة. للإشارة، تقف تيبازة، اليوم، عند مفترق طرق حقيقي، إما أن تظل ولاية سياحية تعيش على موسمية الاصطياف، وإما أن تتحول إلى نموذج للتنمية المتكاملة يجمع بين السياحة والصناعة والفلاحة. فالأرقام والإجراءات وحدها لن تحسم هذا الخيار، بل تحسمه الإرادة السياسية، والمتابعة المستمرة، والشراكة الحقيقية مع المستثمرين.