شاطئ “عين عشير” بعنابة

قِبلة الفنانين وحكاية المسلك الغابي القديم

قِبلة الفنانين وحكاية المسلك الغابي القديم
  • 137
سميرة عوام سميرة عوام

​تحوّل شاطئ “عين عشير” بعنابة خلال السنوات الأخيرة، إلى قِبلة حقيقية للسياح والزوار؛ نظرا لجمال شاطئه الخلاب، وتزاوج زرقة البحر الأبيض المتوسط مع خضرة الغابة الممتدة؛ ما يرسم لوحة فنية ربانية مميزة تأسر قلوب الزوار، وتستقطب العائلات والمصطافين من كل حدب وصوب. غير أن هذا المقصد السياحي المميز لا يقتصر جماله على مشهده الطبيعي الأخاذ فحسب، بل تحكي معالمه وأزقته البحرية قصصا ضاربة في عمق التاريخ والذاكرة المحلية؛ حيث تتشابك الطبيعة الساحرة مع حكايات التسميات الشفوية التي تداولتها الأجيال المتعاقبة بالحب، والاعتزاز. 

ويُعد هذا الشاطئ أحد أبرز هذه المعالم الاستثنائية التي يحمل اسمها في طياته دلالات جغرافية وتاريخية تعود إلى معالم قديمة غيرت التنمية العمرانية، وتحديث المواصلات له، وتهيئة الطريق المؤدي إلى هذا الشاطئ، مع المحافظة على قيمتها الرمزية الخالدة في الموروث الشعبي لمدينة عنابة.

​وتكشف تفاصيل الجغرافيا القديمة للمنطقة أن المسلك المؤدي إلى الشاطئ وإلى منطقة “رأس الحمراء” اللذين يلتقيان عند الطريق المؤدي إلى المنارة، لم يكن بالهيئة الحالية والطريق المعبّد التي يعرفها مستخدمو الطريق الساحلي الحالي. ففي عقود سابقة كان الوصول إلى الرمال والساحل يتطلب سلوك منفذ كبير، يستند إلى مسلك ينعرج نحو اليسار فور الوصول إلى حدود المنطقة. 

وكان هذا الطريق القديم ضيقا، وينساب في وسط غابات الصنوبر كثيفة الأشجار وعالية الظلال، وهو الموقع نفسه الذي يشغله حاليا فضاء استراحة العائلات، ومتنزهها الصيفي المفضل لقضاء أوقات الاستجمام. 

وفي قلب ذلك المسلك الغابي الهادئ، كان المسافرون وعابرو الطريق يمرون فوق جسر صغير يشكل معلَما هندسيا وتاريخيا فارقا في ضبط حدود المنطقة، وتحديد معالمها البحرية والبرية بدقة.

​ويتضح سبب التسمية الأصلية للشاطئ فور عبور هذا الجسر الصغير، حيث كانت تقبع خلفه مباشرة عين مياه طبيعية عذبة تعلوها قبة تقليدية شُيدت بعناية، وتُعرف محليا باسم “عين عشير”. ومن هذا المنبع المائي الصافي والقبة المحيطة به استمد الشاطئ اسمه الحالي، وشهرته الواسعة التي ارتبطت في أذهان الساكنة بالراحة والهدوء وعبق الصنوبر البحري. وكانت هذه العين بمثابة نقطة استراحة رئيسية، وتزوّد بالمياه العذبة العائلات العنابية، وحتى  العابرين عبر المسلك الغابي القديم قبل الوصول إلى الشاطئ؛ ما جعل القبة والعين مقترنتين بالهوية البصرية، والذاكرة المادية للمكان بأكمله على مر السنين.

​وتتعدى دلالة التسمية حدود الشاطئ، لتشمل نطاقا جغرافيا أوسع كان يُعرف سلفا بـ “شعبة عين عشير”، والتي شكلت حوضا طبيعيا وثقافيا متميزا. 

وضمّت هذه الشعبة في حدودها التاريخية السابقة، المساحات الشاسعة التي تشغلها اليوم معالم ومرافق عمومية معروفة لدى الساكنة، بدءا من الموقع القديم لحديقة الحيوانات، وصولا إلى الفضاء الغابي الذي يحتضن حاليا ملعب الفروسية لمدينة عنابة.  ويعكس هذا الامتداد الجغرافي أهمية المنطقة؛ بوصفها حوضا طبيعيا متكاملا، جمع بين الغطاء النباتي كثيف الصنوبر، والمنابع المائية العذبة، والإطلالة البحرية الساحرة، قبل أن تساهم المشاريع التنموية الحديثة وشق الطرقات وتبليط الممرات الترابية، في إعادة رسم المداخل والمخارج، وسهولة الوصول إلى الساحل. ​وتتوزع الأبعاد التاريخية والجغرافية لهذا الشاطئ العنابي العريق، ضمن عدة محاور أساسية، يبرزها الموروث المحلي، ويثمّنها السياح؛ حيث يتم اعتماد ممر ضيق وسطه أشجار الصنوبر للوصول إلى البحر قبل إنشاء المحاور الطرقية المعبّدة الحديثة، إلى جانب وجود جسر صغير، وعين مياه طبيعية عذبة، تعلوها قبة شُيدت كمعلم مائي استندت إليه التسمية الحالية للشاطئ. وبعد اهتمام السلطات المحلية بهذا الشاطئ وتخصيص غلاف مالي معتبر له، تحوّل المسلك القديم إلى فضاءات عائلية، ومساحات استراحة تستقطب الزوار، وتبقي على أصل الحكاية في الذاكرة الشعبية. ​وتستمر حكاية “عين عشير” في تجسيد التلاحم الفريد بين الموروث الطبيعي والتاريخي لمدينة عنابة، حيث يظل الشاطئ شاهدا حيا على تحولات الجغرافيا، وتطور البنية التحتية دون أن يفقد هذا الفضاء السياحي أصله، أو تنمحي تفاصيل العين والجسر والغابة من ذاكرة أبناء المنطقة، والقاصدين لسواحلها الجميلة والمميزة، خاصة في فصل الصيف.