ملامح تجربة فلاحية رائدة تتشكل بعاصمة "الزيبان"
دوار الشمس.. محصول زيتي واعد يشق طريقه في حقول بسكرة
- 177
نورالدين العابد
تحت شمس الجنوب الدافئة، حيث تمتد الواحات وتتعانق أشجار النخيل مع بساتين الخضر والفواكه، بدأت ملامح تجربة فلاحية جديدة تتشكل بولاية بسكرة، فبين المساحات الخضراء، التي اعتاد سكان المنطقة أن يروا فيها الطماطم والفلفل والبصل، ظهرت نبتة مختلفة بزهورها الصفراء الكبيرة، التي تتبع حركة الشمس طوال النهار. إنها دوار الشمس، أو كما يعرفه البعض بـ"عباد الشمس"، وهي محصول زيتي جديد، بدأ يلفت اهتمام الفلاحين والمهتمين بالقطاع الزراعي في هذه الولاية، التي تعد من أهم الأقطاب الفلاحية في الجنوب الشرقي للجزائر. هذا النبتة التي ارتبط اسمها بالشمس وجمال الطبيعة، لا تحمل فقط قيمة جمالية، بل تمثل أيضا فرصة اقتصادية واعدة، في سياق الجهود الوطنية الرامية إلى تطوير المحاصيل الزيتية، وتقليص الاعتماد على استيراد الزيوت النباتية.
في إحدى المزارع الواقعة بضواحي بسكرة، يقف أحد الفلاحين، يتأمل صفوف النباتات الخضراء التي بدأت رؤوسها الصفراء تتفتح. ويقول: "إن فكرة زراعة دوار الشمس لم تأتِ صدفة، بل جاءت بعد نقاشات مع مهندسين زراعيين وتجارب صغيرة، أجريت في بعض الحقول خلال المواسم الماضية". ويضيف، أن الفلاح بالمنطقة أصبح يبحث اليوم، عن محاصيل جديدة، تساهم في تنويع الإنتاج وتوفير دخل إضافي، خاصة في ظل التغيرات المناخية، وارتفاع تكاليف بعض الزراعات التقليدية. ويرى أن دوار الشمس يتميز بعدة خصائص، جعلته محل اهتمام، من بينها سهولة زراعته نسبياً وقصر مدة نموه مقارنة بمحاصيل أخرى، إضافة إلى إمكانية تسويقه، سواء كبذور للاستهلاك أو كمادة أولية لاستخراج الزيت النباتي.
مناخ بسكرة.. عامل مساعد
تتميز ولاية بسكرة بمناخ شبه صحراوي، حيث تسود درجات حرارة مرتفعة صيفا، وتكثر أيام السطوع الشمسي على مدار السنة، إذ تتحول هذه الخصائص المناخية التي قد تشكل تحدياً لبعض الزراعات، إلى عنصر إيجابي بالنسبة لدوار الشمس، الذي يحتاج إلى الضوء والحرارة لينمو بشكل جيد. ويؤكد مختصون في الإرشاد الفلاحي، أن هذا النبات قادر على التأقلم مع الظروف المناخية بالجنوب الجزائري، خاصة إذا تم توفير السقي التكميلي في الفترات الحساسة من نموه، مثل مرحلة الإزهار وتكوين البذور. كما يساهم الاعتماد على أنظمة الري الحديثة، وعلى رأسها الري بالتقطير، الذي أصبح واسع الانتشار بمزارع بسكرة، في التحكم في كميات المياه وضمان نمو النبات بشكل متوازن.
خطوات الزراعة والعناية بالمحصول
تبدأ زراعة دوار الشمس، عادة، مع نهاية فصل الشتاء أو بداية الربيع، حيث يقوم الفلاح أولاً بتحضير الأرض عبر الحرث الجيد، وإضافة الأسمدة العضوية أو المعدنية التي تساعد على تحسين خصوبة التربة. وبعد ذلك، تُزرع البذور في صفوف متباعدة نسبيا، حيث تتراوح المسافة بين الصفوف ما بين ستين وسبعين سنتيمترا، بينما تترك مسافة تقارب ثلاثين سنتيمترا بين كل نبتة وأخرى.
يحتاج النبات في مراحله الأولى، إلى متابعة دقيقة، لضمان إنبات جيد، كما يتطلب إزالة الأعشاب الضارة التي قد تنافسه على الماء والغذاء. أما بالنسبة للسقي، فيكفي توفير عدد محدود من الريات خلال الموسم، مع التركيز على الفترات التي يزداد فيها احتياج النبات للماء. ويرى الفلاحون الذين خاضوا هذه التجربة، أن العناية بدوار الشمس أقل تعقيدا، مقارنة ببعض الزراعات الأخرى، وهو ما قد يشجع المزيد من المزارعين على إدراجه ضمن برامجهم الزراعية.
مردود اقتصادي واعد
لا يقتصر الاهتمام بدوار الشمس، على سهولة زراعته فحسب، بل يرتبط أساساً بقيمته الاقتصادية. فالبذور التي ينتجها النبات، تحتوي على نسبة عالية من الزيت النباتي، الذي يدخل في صناعة زيت المائدة، وهو منتج أساسي في الاستهلاك اليومي للأسر. كما تُستهلك هذه البذور أيضا، كنوع من المكسرات، وهي منتشرة في الأسواق وتلقى إقبالاً من مختلف الفئات.
ويشير بعض المختصين، إلى أن مردود الهكتار الواحد من دوار الشمس، يمكن أن يتراوح بين عشرين وثلاثين قنطارا في الظروف الجيدة، وهو رقم مشجع، إذا ما تمت مرافقة الفلاحين بالتقنيات الحديثة والتأطير التقني اللازم. ولا تتوقف فوائد هذا النبات عند البذور فقط، إذ يمكن استغلال بقاياه النباتية بعد الحصاد كعلف للحيوانات، أو مادة عضوية تساهم في تحسين خصوبة التربة.
التنويع الزراعي.. خيار استراتيجي
عرفت ولاية بسكرة، في السنوات الماضية، تطورا ملحوظا في مجال النشاط الفلاحي، حيث أصبحت الولاية واحدة من أهم مناطق إنتاج الخضر المبكرة في الجزائر، إضافة إلى شهرتها العالمية بإنتاج التمور، وعلى رأسها تمور "دقلة نور". لكن المختصين يرون أن مستقبل الفلاحة في المنطقة، يعتمد أيضا على تنويع المحاصيل، وعدم الاعتماد على نوع واحد من الزراعات. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية إدخال محاصيل جديدة، مثل دوار الشمس، ضمن الدورة الزراعية. فالتنويع لا يساعد فقط على تحسين المردود الاقتصادي للفلاح، بل يساهم أيضا في الحفاظ على خصوبة التربة، والحد من انتشار بعض الآفات الزراعية.
دعم وإرشاد للفلاحين
تعول الجهات المعنية بالقطاع الفلاحي، على مرافقة الفلاحين في هذه التجربة، من خلال توفير الإرشاد التقني والبذور المناسبة، إضافة إلى تنظيم أيام دراسية ولقاءات ميدانية، تهدف إلى تعريف المزارعين بطرق زراعة دوار الشمس، وأفضل الممارسات الزراعية المرتبطة به. كما أن إدراج هذا المحصول، ضمن البرامج الوطنية لتطوير الزراعات الاستراتيجية، قد يفتح المجال مستقبلا أمام دعم أكبر للفلاحين، سواء من حيث توفير المدخلات الزراعية، أو تسهيل تسويق المنتوج. ويرى متابعون للشأن الفلاحي، أن نجاح هذه التجارب الأولى، يمكن أن يشجع على توسيع المساحات المزروعة بدوار الشمس، في السنوات القادمة، خاصة بالمناطق التي تتوفر فيها الظروف المناخية الملائمة.
مشهد جمالي يزين الحقول
وبعيدا عن لغة الأرقام والمردود الاقتصادي، يمنح دوار الشمس الحقول الزراعية، منظرا جماليا مميزا، فالأزهار الصفراء الكبيرة التي تتفتح مع شروق الشمس، وتدور معها طوال النهار، تشكل لوحة طبيعية آسرة تجذب الأنظار. وفي بعض البلدان، تحولت حقول دوار الشمس إلى وجهات سياحية، يقصدها الزوار لالتقاط الصور والاستمتاع بجمال الطبيعة. وربما يأتي يوم، تصبح فيه هذه الحقول جزءا من المشهد الزراعي المميز في بسكرة أيضا.
مستقبل واعد تحت شمس الجنوب
مع تزايد الاهتمام بالمحاصيل الزيتية على المستوى الوطني، ومع توفر الظروف الطبيعية الملائمة، يبدو أن دوار الشمس، قد يجد لنفسه مكانا ثابتا في الحقول البسكرية، خلال السنوات المقبلة، فالتجارب الأولى التي يخوضها بعض الفلاحين اليوم، قد تتحول غدا إلى نشاط فلاحي واسع النطاق، يساهم في تنويع الإنتاج الزراعي، واستحداث فرص اقتصادية جديدة، وهكذا، وبين نخيل الواحات وحقول الخضر، قد يصبح دوار الشمس عنصرا جديدا في المشهد الزراعي لولاية بسكرة، يمد وجهه نحو الشمس كل صباح، حاملا معه وعدا بمستقبل فلاحي أكثر تنوعا وإشراقا.
تجدر الإشارة، إلى أن زراعة دوار الشمس، توليها الدولة أهمية كبيرة، وتهدف إلى تطوير الزراعات الاستراتيجية، ومنها الزيتية. وفي هذا المجال، قامت وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، بإعداد برنامج لتطوير زراعة دوار الشمس عبر ولايات الوطن، من بينها عاصمة الزيبان بسكرة، أين تم تسجيل زراعة 225 هكتار من دوار الشمس، بإنتاج خام أولي يقدر بـ415 قنطار.