الانحراف الرقمي عند الأطفال والبالغين محور نقاش

خطر داهم يهدد استقرار الأسر

خطر داهم يهدد استقرار الأسر
  • 118
زبير زهاني زبير زهاني

تطرقت الندوة التحسيسية والتوعوية التي نظمتها دار الثقافة "مالك حداد" بقسنطينة، أول أمس بمشاركة نخبة من الأساتذة والمهنيين، لموضوع بالغ الأهمية، يتعلق بمخاطر الأنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي على النسيج الاجتماعي، وعلى تربية النشء في ظل السرعة الفائقة التي باتت تتنقل بها المعلومات والكم الهائل من الصور، التي باتت تقتحم مختلف البيوت دون استئذان.

استفاد خلال هذا النشاط التحسيسي والتوعوي، أطفال الكشافة الإسلامية من متابعة فيلم قصير مدته حوالي 8 دقائق، من اختيار جمعية "نوميديا" للفنون "مجانين السينما"، تعرّض لقضية عدم مراقبة الأطفال خلال الإبحار في الإنترنت واستعمال وسائط التواصل الاجتماعي، وكيف يتم استدراجهم للوقوع في فخ الابتزاز، وما يترتب عن ذلك من معاناة نفسية لدى الأطفال الضحايا، في تحذير من الشخصيات الوهمية والذئاب البشرية التي تتجول بكل حرية في الفضاء الأزرق.

وأوضحت سناء دريدي، مديرة دار الثقافة "مالك حداد" بقسنطينة، أن تنظيم مثل هذه الفعاليات التحسيسية والتوعوية بمشاركة أطفال الكشافة الإسلامية من فوج "القدس"، بات ضرورياً، وبالغ الأهمية بعدما أصبح العالم الرقمي جزءاً لا يتجزأ من العالم، يحمل العديد من الفرص، ولا يخلو من الأخطار التي تتوجب الوعي، مضيفة أن تنظيم مثل هذه المبادرات يدخل في إطار نشر ثقافة الاستخدام الآمن لوسائل الإعلام، والفضاء الرقمي.

البروفيسور بوزيان نصر الدين، مختص في الإعلام والاتصال: الشبكات الإجرامية تحلّل شخصية الأطفال لتستدرجهم

قدّم البروفيسور نصر الدين بوزيان من كلية علوم الإعلام والاتصال والسمعي البصري بجامعة قسنطينة 3، مداخلة حول الوقاية من الانحراف الرقمي، والاستعمال الآمن لوسائل التواصل الاجتماعي، من خلال اكتساب مجموعة من المهارات لتجنب الأخطار الناجمة عن الجرائم الإلكترونية. وقال إن الانحراف الرقمي هو خروج عن الطريق السوي. وبات مرتبطاً بشكل كبير بوسائط التواصل الاجتماعي. كما قال إن الحل لا يكمن في منع الأطفال عن الأجهزة الرقمية بقدر ترشيد استعمالها، ووضعها تحت مراقبة الأولياء، خاصة أنها باتت وسائط مهمة في العملية التعليمية.

وركز البروفيسور نصر الدين بوزيان خلال كلمته، على محورين أساسيين، أولهما: الاستخدام الآمن وتجنب المخاطر التي تشمل مختلف الشرائح وعلى رأسها الأطفال. وثانيهما: محاولة البحث عن الفائدة المرجوة من وراء استعمال الفضاء الرقمي، خاصة في الجانب التعليمي، دون إغفال الجانب الترفيهي، وضبطه من خلال المراقبة.

وحسب البروفيسور نصر الدين بوزيان، فإن الإحصائيات العالمية تشير إلى وجود 6.04 ملايير نسمة باتت تستعمل الإنترنت، 93.8% منهم لديهم حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها فيسبوك بـ 3.07 ملايير نسمة، و2.58 مليار نسمة يستعملون منصة يوتيوب، و2 مليار نسمة يستعملون واتساب، و3 ملايير يستعملون أنستغرام؛ حيث دعا إلى تحضير النشء لاستخدام أحسن مزايا هذه الوسائط لتجنب المخاطر، وعلى رأسها المخاطر الصحية الفسيولوجية منها والنفسية والعقلية، التي تؤثر على التوازن النفسي، وتُفقد الشخص مهاراته الاجتماعية.

وحذّر البروفيسور نصر الدين بوزيان من شبكات تنشط على مستوى وسائط التواصل الاجتماعي، تعمل على تحليل شخصية الطفل من خلال التواصل معه بأسماء مستعارة وشخصيات وهمية، وبذلك استدراجه إلى الخطر من حيث لا يدري، ضارباً مثلاً بلعبة "الحوت الأزرق" التي أوصلت بعض الأطفال إلى الانتحار، مضيفاً أن هناك مواقع تستعمل ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" للحصول على معلومات حول الضحايا. كما تطرق للمواقع التي تشكل خطراً على النسيج الاجتماعي والأمني؛ من خلال الخوض في ملفات حساسة، وإثارة النعرات، والتفرقة، والطعن في مقومات الأمة، واستهداف أمن البلاد.

ودعا البروفيسور نصر الدين بوزيان إلى تبني منهج التربية الإعلامية، بل أكثر من ذلك الانتقال إلى مصطلح "الدراية الإعلامية والمعلوماتية" ؛ من أجل معرفة كيفية التعامل مع مختلف مصادر المعلومة الرقمية لحماية الفرد، والأسرة، والمؤسسات الجزائرية، من خلال الاستخدام الواعي والعقلاني والمتوازن، والتركيز على تحديد الهدف، والمدة، والفائدة المرجوة قبل الإبحار في العالم الافتراضي دون إفراط ولا تفريط.

الصحفية وردة نوري: الإعلامي يتحرى الصدق عكس المؤثر

قالت الصحفية وردة نوري إن مواجهة الإعلام للفوضى الرقمية باتت من الأمور الصعبة، مضيفة أن المؤسسات الإعلامية باتت في الوقت الراهن، تواجه عصر طغيان شبكات التواصل الاجتماعي، وما تسببه من أضرار من خلال تقديم معلومات غير صحيحة، ومضللة، خاصة المنصات الكبيرة التي يديرها المؤثرون، والتي يتابعها عدد كبير من الشباب والأطفال الذين يقومون بإعادة نشر المعلومات دون وعي، ودون إدراك للمخاطر الخفية هذه.

وحسب الصحفية وردة نوري، فإن الإعلامي يختلف عن المؤثر، وهو مطالَب بخيار الدقة على حساب سرعة نشر المعلومة في إطار احترام أخلاقيات المهنة التي تغيب عن أصحاب صفحات التواصل الاجتماعي، مضيفة أن العديد من وسائل الإعلام، نتيجة إدراكها لأهمية الفضاء الأزرق، فتحت صفحات لها؛ في خطوة لتقديم معلومة صحيحة، ومواجهة كل أشكال التضليل الإعلامي. وقالت: "إن أي إعلامي محترف يتوخى الحذر عند نشر بعض المعلومات، خاصة الحساسة التي لها علاقة بالجانب الأمني، على غرار قضايا الاختطاف التي تم تداولها في منصات التواصل الاجتماعي بشكل فوضوي، ما أثر على مجريات التحقيق، وعرّض الضحايا للخطر".

وتطرقت الإعلامية وردة نوري إلى كيفية تعامل الصحفي مع الانحرافات الرقمية وفق خبرتها في المجال. وقالت إن أهم عنصر في هذا الأمر هو الاعتماد على المصادر الموثوقة، وعدم الانسياق وراء المعلومات المشبوهة والمغرضة، مع الحرص على توعية الجمهور بمخاطر الاستعمال السيئ للإنترنت. وأضافت أن عملية كشف الجرائم الرقمية تتطلب عملاً استقصائياً محترفاً، ملحّة على ضرورة إنتاج محتوى هادف لتعزيز القيم، ومواجهة الإعلام السلبي، وكذا الأفكار التي تشجع على العنف والتطرف، مع التركيز على استعمال وسائل حديثة تتماشى مع العصر، بما فيها الذكاء الاصطناعي، الذي يكشف التوليد المزيف أو ما يُعرف بـ "التزييف العميق". وضربت بعض الأمثلة لمؤسسات إعلامية عالمية وطريقة تعاملها مع الأخبار الكاذبة.

عميد الشرطة محمد كريم لعبيدي: المخدرات والجريمة السيبرانية وجهان لعملة واحدة

أكد عميد الشرطة محمد كريم لعبيدي، المكلف بالاتصال بمديرية الأمن بقسنطينة، أن الجزائر باتت مستهدفة في الوقت الحالي بشكل كبير؛ من خلال تهديدات حروب الجيلين الرابع والخامس، وعلى رأسها جرائم الإنترنت أو تجارة المخدرات؛ حيث دق ناقوس الخطر. وقال إن هذه الجرائم وجهان لعملة واحدة، كاشفاً أن الجزائر سجلت خلال العشر سنوات الأخيرة، تطوراً ملحوظاً في الجرائم المرتكبة عن طريق الفضاء الأزرق، والتي وصلت إلى 83% مقارنة بالجرائم التقليدية، خاصة ما تعلق بالنصب والاحتيال، والابتزاز، ونشر أخبار مغلوطة تضر بأمن واستقرار الوطن.

وحسب عميد الشرطة محمد كريم لعبيدي، فإن الشرطة تعالج الموضوع من زاويتين: الأولى تتعلق بسلامة الشخص، وكل الإجراءات الوقائية لحمايته من وسائط التواصل الاجتماعي وتجنيبه مختلف المخاطر. والثانية تتعلق بالأمن وحماية المعطيات والبيانات التي يقدمها مستغل هذه الوسائط والمواقع، وفق ما يخوّله التشريع الجزائري؛ لحماية البيانات الشخصية والعمومية، مؤكداً على الدور الكبير الذي تلعبه الأسرة في التصدي لمثل هذه الانحرافات، واصفاً دور الأولياء بخط الدفاع الأول.

وأثنى عميد الشرطة محمد كريم لعبيدي الذي قدّم مداخلة تفاعلية، على الدور الكبير الذي تلعبه المدارس القرآنية، والمدارس، والنوادي الرياضية والثقافية، وكذا الكشافة الإسلامية للتصدي لمختلف الانحرافات التي تواجه المجتمع، حيث دعا إلى تكاتف جهود مختلف الأطراف للوصول إلى الهدف المرجو، وتأمين المجتمع بأكبر قدر، والتركيز على عمل جمعيات المجتمع المدني في التوعية والتحسيس، مضيفاً أن أعداء الجزائر يعملون على شن حروب دون أسلحة؛ من خلال ترويج المخدرات التي وصل تأثيرها وضررها حتى تلاميذ المدارس الابتدائية. كما تحدّث عن محاولات ضرب المنظومة التربوية باستهداف تركيز التلاميذ؛ بسبب إدمان مواقع التواصل الاجتماعي، وسرعة تدفق المعلومات والصور.

الدكتور حسام زرمان، مختص في علم النفس العصبي: الذكاء الاصطناعي يسبب الغباء

تطرق الدكتور حسام زرمان، المختص في علم النفس العصبي، من خلال ممارسته المهنية، لمصطلح "التعفن الذهني" الذي يصيب عدداً كبيراً من الأطفال وحتى البالغين، بسبب التأثير السلبي للتكنولوجيا الحديثة وخاصة الذكاء الاصطناعي، الذي بات يسهل الأمر على المستخدمين، ويُدخل العقل في كسل شبه كلي. وقال إن الفيديوهات السريعة أو ما يُعرف بـ "الريلز" تسبب التعفن الذهني؛ بسبب الاستهلاك الكبير لهرمون "الدوبامين".

وركز الدكتور حسام زرمان على نظام الاستهلاك خلال استعمال الفضاء الرقمي للأطفال أو البالغين، مطالباً بفهم الأطفال، والابتعاد عن المقارنة بين الأولاد. وقال إن الهاتف النقال يعطي حماساً أكثر، وسعادة زائفة دون تحقيق أي هدف. كما قال إن الهاتف النقال يتسبب في الإجهاد المزمن، وإتعاب العقل، واستغلال أكثر من 40% من طاقة البدن، مضيفاً أن هذا الأمر زاد من جرأة الأطفال في ظل تغييب القيم الأخلاقية.

وحسب الدكتور حسام زرمان، فإن 95% من الأطفال الذين لا يتم مراقبتهم خلال استعمال الفضاء الرقمي، يتعرضون لكوارث في ظل وجود الذئاب البشرية التي تتربص بهم؛ حيث نصح بالنزول إلى مستوى تفكير الطفل؛ لفهم سلوكه، محذراً من أزمة في التعليم بين سنتي 2028 و2030؛ بسبب طغيان الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، الذي وصفه بأسرع وسيلة للغباء؛ كونه يعطل وظائف التفكير للدماغ، مقترحاً العودة إلى الأصل، ونظام تعليمي مرتبط بمتعة الأطفال في التعليم، مع تعزيز استخدام النشاطات البدنية بشكل مؤطر في ظل خطورة الخروج العشوائي إلى الشارع، وما يرافقه من مظاهر العنف.