الساحل العنابي يصنع الاستثناء
تفرُّد سياحي يمزج بين زرقة البحر وعراقة التاريخ
- 193
سميرة عوام
يتميز الساحل العنابي بخصوصية استثنائية، تجعله نسيجا متنوعا وفريدا بين العديد من المدن الساحلية، حيث لا يقدم لزائره مجرد شواطئ للاستجمام العابر، بل يفتح له بوابة زمنية مدهشة تعبر به عبر آلاف السنين. وفي عنابة، "بونة" جوهرة الشرق يتداخل زبد البحر الأبيض المتوسط مع آثار الحضارات القديمة، ليرسم لوحة سياحية متكاملة الأركان؛ حيث تلتقي زرقة المياه بعذرية الطبيعة الممزوجة بعمق المعالم التاريخية، التي تروي قصصا تعود إلى زمن بعيد، ما يجعلها متحفا طبيعيا مفتوحا على الأفق.
يتجلى هذا التمازج الفريد في موقعين أساسيين؛ الموقع الأول هو خليج مدينة عنابة النابض بالحياة، والذي يشكل شواطئ وسط المدينة الساحرة، حيث يُعد قِبلة سياحية وطنية بامتياز، ومقصدا للزوار من كل حدب وصوب، ليس فقط لجمال رماله الذهبية ونقاء مياهه، بل لكونه يجمع في آن واحد، بين السياحة الشاطئية والسياحة الثقافية والسياحة الأثرية.
وتحتضن هذه المنطقة معالم ومواقع تعود إلى فترات ما قبل التاريخ، ما يتيح للمصطاف فرصة الاستمتاع بالبحر، وتأمل عبق التاريخ في آن واحد. ولمحبي المغامرة يوفر الخليج نمطا مميزا للسياحة الشاطئية الرائدة، بفضل وجود أكبر وأعرق النوادي المتخصصة في الرياضات المائية، والغوص تحت الماء لاستكشاف المرجان، والتجديف، ما يمنح الرحلة بعدا حماسيا يستهوي الشباب والعائلات على حد سواء.
خليج شطايبي الغربي لوحة الغروب المصنفة عالميا
أما الموقع الثاني فيأخذ الزائر بعيدا نحو الساحل الغربي ببلدية شطايبي الساحرة، حيث يقع الخليج الغربي (la baie ouest)، الذي يبهر العقول بعذريته، وهدوئه. وينفرد هذا المكان الساحر باحتضانه أجمل مشهد لغروب الشمس على مستوى حوض البحر الأبيض المتوسط كاملة؛ في مشهد تتداخل فيه خيوط الشمس الذهبية مع زرقة البحر، لتصنع لوحة أرجوانية آسرة تخلب الألباب.
هذا الجمال الطبيعي الخلّاب حظي باعتراف دولي رفيع بعد أن صنفته المنظمة العالمية "اليونسكو"، كواحد من أجمل الخلجان في العالم، ما يجعله محطة رئيسية لعشاق الهدوء، والتصوير الفوتوغرافي، والاسترخاء وسط طبيعة غابية تلتقي، مباشرة، بمياه البحر.
شريط ساحلي يروي أمجاد الحضارات وعراقة التاريخ
ومن الناحية التاريخية والأثرية تنفرد مدينة عنابة بخاصية استثنائية قد لا تجد لها مثيلا في المدن الساحلية الأخرى، وهي انتشار أكثر من اثني عشر موقعا تاريخيا شامخا على طول شريطها الساحلي.
وتبدأ هذه الرحلة الزمنية الأسطورية من منطقة "رأس الحمراء" . هذا المعلم الطبيعي والجغرافي البارز الذي يمتد تاريخ الوجود البشري به وتعميره إلى أكثر من 50000 سنة كاملة، شاهداً على العصور الحجرية الأولى. وبمحاذاة الساحل صعودا ونزولا، يمر الزائر بـ "حصن جنوة" الشهير، الذي يعكس الحقبات الاستراتيجية للمدينة، ومنطقة الخروبة التاريخية، وصولاً إلى أحياء "المدينة القديمة" (بلاصة الفحم) التي تضرب جذورها في عمق التاريخ لأكثر من 1000 سنة، لتشهد على العهد الإسلامي العريق، وتطور العمارة الإسلامية بالمنطقة.
"هيبون" العريقة حيث كان البحر يداعب أسوار الحضارة الرومانية
وتكتمل هذه السلسلة التاريخية بالوصول إلى مدينة "هيبون" الأثرية الشهيرة، والتي يعود عمرها إلى أكثر من 2000 سنة، حيث كانت مركزا إشعاعيا حضاريا وفكريا في عهد القديس "أوغسطين".
وتؤكد الشواهد التاريخية والأبحاث الجغرافية أن مياه البحر الأبيض المتوسط كانت في العصور البعيدة تتقدم لتمتد بمحاذاة الباب الحالي لمدخل متحف "هيبون"، ما يعني أن السفن الرومانية والفينيقية كانت ترسو مباشرة عند أسوار هذه المدينة العظيمة.
وليس الساحل العنابي مجرد وجهة صيفية للاستجمام، بل هو رحلة حية تجمع بين متعة الحاضر وعمق التاريخ، تجعل من زيارتها تجربة سياحية متكاملة، تبهر العقول، وتأسر القلوب.