استعمال المياه المعالجة في القطاع الفلاحي بالبليدة
تسيير مستدام للموارد المائية مرهون بوعي الفلاح والمستهلك
- 83
رشيدة بلال
شكل موضوع استعمال المياه المعالجة في القطاع الفلاحي، من أجل تسيير فعال ودائم للموارد المائية، وترسيخ مفهوم اقتصاد الماء في الفلاحة، محور يوم إعلامي على مستوى ولاية البليدة. سلط من خلاله مختصون، من الوكالة الوطنية للتسيير المدمج للموارد المائية، عبر إقليمها الفرعي وكالة الحوض الهيدروغرافي الجزائر ـ الحضنة ـ الصومام، الضوء على أهم ما ينبغي لفلاحي "متيجة" معرفته، حول كيفية تصفية المياه ومعالجتها، من أجل إعادة استغلالها، وأهمية اعتمادها كمورد بديل في السقي الفلاحي.
يأتي ذلك، في ظل شح الموارد المائية بولاية البليدة، ما يتطلب التعجيل في استغلال المياه المعالجة، خاصة وأنها تتوفر على محطات معالجة، بعضها دخل حيز الخدمة وأخرى مشاريع قيد الإنجاز. "المساء" تحدثت إلى مختصين بالوكالة الوطنية للتسيير المدمج، حول أهمية استخدام المياه المعالجة في القطاع الفلاحي بالبليدة، والمشاريع المسجلة في هذا المجال، وأهم التحديات التي تحول دون اعتمادها من طرف الفلاحين.
تشكل المياه المسترجعة المعالجة والمطهرة واحدة من أهم الموارد المائية البديلة، التي أصبحت تراهن عليها الجزائر لتلبية احتياجاتها من المياه في القطاعين الصناعي والفلاحي، وهو ما فرض حتمية التوجه نحو إقناع الفلاح بضرورة استغلال هذه المياه، باعتبارها بديلاً مهماً، أثبتت التجارب الميدانية فائدته الكبيرة على المحاصيل الزراعية، بالنظر لغناها بالمواد التي تحتاجها، وهو ما يسمح، أيضا، بالتقليل من استخدام الأسمدة، وقد سعت، في هذا السياق، الوكالة الوطنية للتسيير المدمج للموارد المائية، عبر إقليمها الفرعي وكالة الحوض الهيدروغرافي الجزائر ـ الحضنة ـ الصومام، إلى تبني هذا الطرح وفق برنامج تحسيسي، يستهدف الفلاح وتوعيته.
رهان على استعمال 60 بالمائة من المياه المعالجة
وفي هذا الخصوص، أوضح المهدي عقاد، مدير وكالة الحوض الهيدروغرافي الجزائر ـ الحضنة ـ الصومام، في تصريحه، خلال يوم إعلامي نظمته الوكالة الوطنية للتسيير المدمج بولاية البليدة، والذي حمل شعار “استعمال المياه المعالجة في القطاع الفلاحي من أجل تسيير فعال ودائم للموارد المائية”، بأن الفلاح بحاجة إلى التوعية بأهمية استخدام المياه المعالجة في القطاع الفلاحي، خاصة وأن الفلاحة تستهلك كميات كبيرة من المياه، على غرار القطاع الصناعي، ما يتطلب رفع الوعي بأهمية هذه المصادر البديلة، وبلوغ ثقافة الاقتصاد في المياه، مع المراهنة أيضاً على العتاد الفلاحي المتطور في مجال السقي، مثل التقطير، الذي يساعد على ترشيد استهلاك المياه الموجهة للفلاحة.
وفي السياق، أوضح المتحدث، أن المياه المصفاة على مستوى محطات التطهير تحولت إلى بديل حقيقي، خاصة وأن المياه الموجهة للاستعمال المنزلي كبيرة، حيث إن 80 بالمائة منها توجه للتطهير والتصفية، مؤكدا أن استرجاع المياه أصبح رابع مصدر يجب أن يستغل في النشاط الفلاحي. كما أضاف أن الاستراتيجية الوطنية، التي تجسدت في إنجاز العديد من محطات تحلية مياه البحر، مكنت من توفير المياه الصالحة للشرب للاستهلاك المنزلي، بينما يتم توجيه مياه السدود والآبار والمياه الجوفية القطاعين الفلاحي والصناعي. وأشار المتحدث إلى وجود مؤسسات وطنية تحت وصاية وزارة الري، منها الديوان الوطني للتطهير الذي يسير محطات التطهير، والذي يُحصى أكثر من 200 محطة على المستوى الوطني، غير أن نسبة استغلال المياه المعالجة لا تزال في بدايتها، إذ لا تتجاوز النسبة 24 بالمائة، في حين يبقى الهدف الأسمى هو بلوغ 60 بالمائة من إعادة استعمال المياه المصفاة في النشاط الفلاحة.
رفع وعي الفلاح بأهمية استغلال المياه المعالجة كبديل
من جهتها، أوضحت إيمان بلخير، ممثلة الديوان الوطني للتطهير، أن أهم ما يجب العمل عليه حالياً في ولاية البليدة، هو رفع وعي الفلاحين بأهمية استخدام المياه المصفاة، كبديل مهم في القطاع الفلاحي، للمساهمة في اقتصاد الماء. وأشارت إلى أن اليوم الإعلامي جاء بعد تسجيل حالة من التردد والتخوف لدى فلاحي البليدة من استخدام هذه المياه، حيث تم خلال اللقاء، شرح مراحل تصفية المياه ومعالجتها خطوة بخطوة، نظراً لجهل الكثيرين بكيفية تحويل المياه الملوثة إلى مياه معالجة، يمكن إعادة استخدامها في السقي والصناعة.
وأضافت أن من أهم مزايا المياه المعالجة، احتواؤها على مواد عضوية مفيدة للتربة، ما يسمح بالاستغناء عن جزء من الأسمدة، مؤكدة أن التجارب الميدانية في بعض الولايات أثبتت نجاعتها، حيث خضعت المنتجات الزراعية لتحاليل أثبتت سلامتها. وفي السياق، أشارت إلى أن تشجيع استعمال المياه المعالجة، خاصة في القطاعين الفلاحي والصناعي، من شأنه معالجة عدة مشاكل، أبرزها ندرة المياه وتفادي الضغط على المياه الجوفية، خاصة وأن هذه المياه تتميز بالديمومة. كما لفتت إلى أنه لم يتم تسجيل استغلال واسع للمياه المعالجة في الفلاحة بالبليدة، على عكس القطاع الصناعي وبعض المساحات الخضراء، التي تسقى من طرف “متيجة حدائق” ومحافظة الغابات بالمياه المعالجة.
وأرجعت المتحدثة هذا التردد، من بعض الفلاحين بولاية البليدة، أيضاً، إلى توفر المياه الجوفية بسهول المتيجة، مقارنة ببعض الولايات الأخرى، مثل المدية، التي تعاني شحاً كبيراً في المياه، مؤكدة أن الرهان يبقى على ترسيخ ثقافة الاقتصاد في الماء، والحفاظ على الموارد المائية، من خلال التوجه نحو استخدام المياه المعالجة التي تخضع لمعايير الجودة، خاصة وأنها تعتبر في الوقت الراهن بديلا مائيا هاما.
المياه المطهر تحقيق للأمن المائي
من جهتها، أوضحت وسام بن عميروش، مهندسة بالنظام البيئي بالديوان الوطني للتطهير في وحدة البليدة، أن إعادة استغلال المياه المعالجة تندرج ضمن جهود تحقيق الأمن المائي، خاصة وأن الولاية ذات طابع فلاحي وصناعي، ما يتطلب كميات كبيرة من المياه. وأضافت أن تعويض المياه الصالحة للشرب بالمياه المعالجة سيساهم في الحد من ندرة المياه خاصة في القطاع الفلاحي، الذي يستهلك كميات كبيرة من المياه. وأشارت إلى أنه، وبحسب إحصائيات 2025، فإن المياه المعالجة المقدرة بمليون متر مكعب، لا يُعاد استعمال سوى 12 بالمائة منها، حيث تُوجه أساساً للتنظيف والقطاع الصناعي ومركز الردم التقني، إضافة إلى سقي المساحات الخضراء.
بداية استغلال المياه المعالجة في البليدة الصيف المقبل
من جهته، كشف مدير الري لولاية البليدة، عبد الكريم علوش، أن استغلال المياه المعالجة في القطاع الفلاحي سينطلق ابتداءً من الصائفة المقبلة، موضحاً أن محطة بن خليل ببن شعبان، التي تعتمد المعالجة الثلاثية، تنتج حوالي 20 ألف متر مكعب يوميا، وسيتم توجيه هذه المياه إلى متيجة الوسطى، خاصة بوفاريك والشبلي، لسقي مساحة تقدر بـ7 آلاف هكتار. وأضاف أن هناك مشروعاً آخر بمحطة بوعينان، بطاقة 66 ألف متر مكعب، إلى جانب مشاريع مستقبلية بمفتاح وبوقرة، ومشروع محطة بني شقران بموزاية المرتقب تسجيلها سنة 2027، مع إمكانية إضافة المعالجة الثلاثية لمحطة بني مراد، بعد تسجيلها والموافقة على تمويلها للشروع فيها.
وأكد المتحدث، أنه لا يوجد حالياً استغلال فعلي للمياه المعالجة في الفلاحة بالبليدة، حيث يقتصر استخدامها على القطاع الصناعي وبعض المساحات الخضراء، بكمية تقدر بـ4 آلاف متر مكعب يوميا، مشيرا إلى أن التوجه نحو استغلالها فلاحيا، سيساهم في تقليص منح رخص حفر الآبار، التي تتراوح سنويا بين 250 و300 رخصة، ما يساهم في الحفاظ على المياه الجوفية.
استغلال المياه المعالجة في الزراعة المكثفة
بدوره، أوضح مدير الفلاحة لولاية البليدة، كمال فوضالة، أن الولاية تعد من بين الولايات المحظوظة لتوفرها على محطات التصفية، التي يمكن الاعتماد عليها كمورد بديل، مطمئنا الفلاحين بعدم وجود أي خطر، خاصة وأن هذه التجربة معتمدة منذ سنوات في ولايات مثل تلمسان ومستغانم، كما أنها مستعملة على نطاق واسع في عدة دول.
وأشار إلى أن استعمال المياه المعالجة في البليدة لا يزال في بدايته، حيث يقتصر حالياً على مجالات محدودة، في انتظار تعميمه على القطاع الفلاحي، خاصة في ظل تراجع منسوب المياه الجوفية، ما يجعل من اللجوء إلى الموارد البديلة أمراً حتمياً. من جهتهم، عبر عدد من الفلاحين عن ترحيبهم بهذه الخطوة، حيث أكد جمال ميلودي، عضو شعبة الحمضيات لولاية البليدة، أن استخدام المياه المعالجة يمثل بديلاً مهماً في ظل تراجع الأمطار. وأضاف أن ضمان توفر المياه من شأنه دعم الزراعات المكثفة وتحسين نوعية الإنتاج. كما شدد على ضرورة توعية المستهلك أيضا، الذي لا يزال يبدي تخوفا من المنتجات المسقية بالمياه المعالجة، وهو ما قد يؤثر على توجه الفلاحين نحو اعتماد هذا المورد، مؤكدا في الوقت ذاته، أهمية المراهنة على المعالجة الثلاثية لضمان جودة المياه المستعملة في السقي.