يوميات عمال النظافة بشواطئ عنابة
بين مطرقة الشقاء وسندان رفع أطنان من النفايات
- 110
سميرة عوام
تنطلق ساعاتٍ قبل طلوع الفجر أو حتى منتصف الليل، الحركة الحقيقية لعمال النظافة الموسميين الذين تم توزيعهم على مختلف البلديات الساحلية بعنابة؛ على غرار شطايبي، وسرايدي، والبوني، وعنابة، على طول الشريط الساحلي الممتد من "الكورنيش" إلى شواطئ شابي، وعين عشير، ورأس الحمراء، وسرايدي، وسيدي سالم، وصولا إلى بلدية شطايبي.
ففي الوقت الذي لايزال معظم السكان والمصطافين غارقين في نوم عميق، يقضي أعوان النظافة ساعات طويلة في رفع أطنان النفايات والمخلفات التي يتركها آلاف الزوار بعد سهرات صيفية تمتد حتى خيوط الفجر الأولى من كل يوم، ليخوضوا سباقا حقيقيا وميدانيا مع الزمن قبل بزوغ الشمس ووصول المصطافين أو قاصدين آخرين، إلى هذه الشواطئ.
ويؤكد هؤلاء العمال الموسميون أن عملهم يبدأ من الساعة الواحدة صباحا إلى غاية الفجر، حيث يظهر حجم الجهد البدني الشاق الذي يبذلونه في صمت؛ فبينما يعود الجميع إلى بيوتهم محملين بذكريات الاستجمام، يظهر معهم، كذلك، عمال النظافة مرتدين ستراتهم العاكسة للضوء التي تشق ظلمة الليل، لتعلن بدء رحلتهم اليومية مع جمع أطنان من النفايات.
هذا الزي ليس مجرد لباس مهني، بل هو بمثابة "درع العمل" الذي يميزهم كمهندسين للنظافة يتحركون بخفة وسط أكوام الفوضى، حيث تمنحهم هذه السترات الرؤية والتمييز في عتمة الكورنيش، لتجعل حركتهم وسط الطريق دقيقة وآمنة وهم ينحنون بجدهم المعتاد لجمع الأكياس والعلب الملقاة بين الصخور والرمال. وفي مشاهد إنسانية معبرة ترصدها العين في الميدان، يتوزع العمال في مجموعات متناسقة تعمل كخلية نحل لا تتوقف؛ حيث يقوم فريق بكنس أزقة الكورنيش وإزالة بقايا الأطعمة والعلب البلاستيكية، بينما يتكفل فريق آخر بتمشيط الرمال الذهبية وتفريغ الحاويات الكبرى، لضمان جاهزية الشواطئ تماما؛ لاستقبال يوم جديد.
وفي انطباعات استقيناها من الميدان بين شواطئ المدينة وحتى شاطئ وادي بقرات لبلدية "سرايدي"، يعبّر العمال عن اعتزازهم الكبير بهذه المهمة التي يرونها واجبا أخلاقيا وخدمة مباشرة لمدينتهم رغم التعب الشديد وارتفاع درجات الرطوبة البحرية في ساعات الليل المتأخرة. غير أن المرارة الحقيقية التي تؤرق يومياتهم الميدانية، لا تتأتى من حجم العمل البدني الشاق، بل من السلوكيات العشوائية لبعض المصطافين، الذين يتعمدون ترك نفاياتهم على الرمال مباشرة، أو رميها قرب المياه رغم توفر الحاويات. هذه السلوكيات العشوائية تضاعف من مشقة عمل هؤلاء الرجال، وتجعلهم يخوضون التحدي ذاته كل ليلة، متسائلين بحسرة عن غياب الثقافة البيئية عن بعض الزوار.
ومن الناحية الاجتماعية، يمثل هؤلاء العمال الصامتون في كل البلديات الساحلية، الركيزة الأساسية، والعمود الفقري الذي يقوم عليه النجاح السياحي لمدينة عنابة خلال فصل الصيف؛ فلولا تضحياتهم الليلية وسهرهم الدؤوب لما استطاعت عنابة أن تحافظ على وجهها الجمالي المشرق، الذي يجذب آلاف السياح يوميا. وتستدعي هذه المشاهد الميدانية المؤثرة ضرورة إحداث الوعي، وتعزيز أهمية احترام جهود هذه الفئة؛ فالحفاظ على نظافة البيئة الساحلية ليس مسؤولية العامل وحده، بل هو سلوك حضاري، يبدأ من كل مصطاف وعائلة، من خلال جمع المخلفات في أكياس خاصة، ووضعها في المكان المخصص لها قبل مغادرة الشاطئ.
ويعكس هذا النشاط الليلي الهادئ عبر مختلف البلديات الساحلية لعنابة والتي شهدت هذا الموسم توافدا قياسيا من المصطافين والسياح الأجانب، وفق إحصاءات أولية، حيث لا تُعد نظافة الشواطئ وترتيب لواحقها مع رفع كل النفايات كل صباح، وليدة الصدفة، بل هي ثمرة جهود مهندسي النظافة، الذين تعبوا في الخفاء، ليوفروا الراحة لزوار المدينة، مع إنجاح موسم الاصطياف لهذه السنة.