"المساء" ترصد مشاهد الدمار التي غطت الجبال
الحياة تعود تدريجيا إلى قرى ومداشر جيجل
- 298
زبير زهاني
بخطى متثاقلة، وإصرار على كسر صمت جبال جيجل المتشحة بالسوداء، تعود الحياة تدريجيا إلى القرى، التي التهمتها النيران، ذات يوم أربعاء من شهر أوت الفارط، بعدما دفن الأهالي موتاهم وضمدوا جراهم ولملموا أحزانهم، وشمروا على أيديهم، ليعودا إلى منازلهم، التي لم يتبق منها إلا الحجارة وبعض القرميد وسياج وأسلاك قاومت ألسنة اللهب، وحافظت على الحدود بين جيران هذه القرى والمداشر.
قرية "تيسبيلان" بجمعة بني حبيبي أكثر المناطق تضررا
عند دخول بلدية جمعة بين حبيبي، بمدخل ولاية جيجل، تبدوا الحياة جد طبيعية، ناس يتجولون في وسط المدينة، محلات مفتوحة وسلع غذائية متوفرة، كالسميد والخبز بمختلف المحلات، مطاعم مفتوحة وحتى محلات الحلاقة تمارس نشاطها بشكل عادي، وكأن الحريق لم يمر من هناك، لكن مع التوغل صعودا في الجبال، تبدأ مشاهد الكارثة في البروز شيئا فشيئا، حيث تبدأ الألوان في الاختفاء، لتترك المجال للون الأسود وانتشار الرماد في مختلف الأنحاء، سيارات وشاحنات محروقة على قارعة الطريق، وكلها تحمل قصصا مأساوية لأرواح حاولت النجاة، وتمسكت بالحياة إلى آخر لحظة، كما تبدأ رائحة الدخان في دغدغة أنوف الزائرين، خاصة من الحاملين للإغاثة والمساعدات، في عدد من المنعرجات التي تروي قصص هروب ناجحة، وأخرى فاشلة.
توغلت "المساء"، في عدد من المداشر والقرى ببلدية جمعة بني حبيبي، حيث كان صعود الطريق الملتوي والمليء بالمنعرجات الخطيرة، يشكل مغامرة كبيرة، وكان المشهد يشبه أفلام الرعب، زادت من حدته الأشجار السوداء التي فقدت أوراقها، وبقيت شامخة وشاهدا على قوة إعصار النار، الذي مر ذات يوم من هناك، فحصد الأخضر واليابس، ولم تسلم منه حتى أسلاك الكهرباء وقنوات المياه المدفونة في الأرض، ليترك المناطق السكنية في ظلام دامس وعطش قاتل، ومن بين المناطق الأكثر تضررا، في أعلى الجبل، منطقة "تيسبيلان"، التي فقدت لوحدها، حسب تأكيد سكان المنطقة، بين 70 و100 ضحية، لقوا حتفهم، خلال محاولة الهرب، بعدما باغتتهم أمواج اللهب، ولم تترك لهم أي فرصة للنجاة.
نيران لم تفرق بين الكبير والصغير ولا بين الإنسان والحيوان
لم تفرق ألسنة اللهب، التي غزت المنطقة بين كبير ولا صغير، كما لم تفرق بين الإنسان والحيوان والتهمت كل شيء كان أمامها، حتى أنها لم تفرق بين الأحياء والأموات، وحولت كل شيء إلى رماد، بما فيها العديد من القبور المترامية عبر مختلف المشاتي والقرى، ومن شدة وقوة لهيب النار، سقطت العديد من الأسقف لمنازل مبنية من الآجر "القرميد"، وحتى المبنية من الإسمنت والطوب، لم تقاوم شدة الحرارة وسقطت مستسلمة، مخيبة آمال سكانها الذين أرادوا الاحتماء بها. لا زال سكان المنطقة، من الذين كتب الله لهم النجاة، يعيشون صور الكابوس ومشاهد الحريق، وجل حديثهم عن قصص الهروب وسقوط الضحايا، خاصة وأن النار لم تترك الوقت للذين عادوا إلى منازلهم، من أجل أخذ الوثائق الرسمية أو الأولاد أو حتى المغامرة، والدخول إلى الإسطبلات لفتح أربطة الحيوانات، حيث كانت النهاية مأساوية، مثلما يؤكدها أحد الشهود العيان من شباب المنطقة، فاتح الذي يروي بمرارة، قصة سيدة داهمتها النار، وهي في منزلها، وحاولت الهروب رفقة أبنائها الخمس، لكن النار كانت أسرع وأقسى عليهم، وتركت الجميع جثثا هامدة على قارعة الطريق.
وقال رفيقه موسى، من الشباب المؤطرين في جمعيات خيرية، لتقديم المساعدات بالمناطق المتضررة، أن الأمر كان جللا، وأن سرعة اتخاذ القرار كانت فاصلة بين الحياة والموت، ورغم كل هذا عادت مشاهد الحياة مجددا، وبدأت الحياة تعود إلى طبيعتها تدريجيا، في انتظار تعويض ما يمكن تعويضه وإعادة غرس الأشجار من جديد.
مشاهد صادمة رغم تدخل البلدية لإزالة أثار الحريق
رغم المجهودات التي بذلتها السلطات البلدية بجمعة بني حبيبي، إلا أنها لم تتمكن من القضاء على كل المشاهد والآثار، التي خلفتها ألسنة اللهب، حيث يقف الزائر لهذه المناطق، على حجم الكارثة وعلى مداشر وقرى تحولت إلى أماكن للأشباح، بعدما كانت تضج بالحياة وبالحركة، حيوانات نافقة على قارعة الطريق، أو داخل إسطبلات، خاصة من الماشية، كالأغنام والبقر والكلاب، تم رشها بمادة الجير، حتى لا تشكل خطرا على البيئة وعلى السكان، إلى جانب منازل نصفها مهدم ونصفها التهمه الحريق، وأشجار محروقة وثمار جفت في فروع الأغصان، بسبب الحرارة الكبيرة التي مرت حتى على أوراق التين الشوكي، المليئة بالمياه، وغيرت لونها من الأخضر إلى الأصفر الباهت، وجعلت شكلها يبدو وكأنه بلاستيك ذائب.
ولا تزال تدخلات السلطات المحلية من البلدية والولاية مصالح الكهرباء، متواصلة، حيث تم تسخير بعض الأليات، لفك الطريق وعدد من الشاحنات من أجل جمع القمامة والألبسة البالية، التي تم رميها في مختلف المناطق، نتيجة الإنزال الكبير من المساعدات التي وصلت إلى المنطقة، في ظل غياب أغلب سكان المناطق المتضررة ،الذين نزلوا ضيوفا عند أقاربهم بوسط المدينة أو بمناطق مجاورة، أو تواجدهم بالمستشفيات للعلاج من أثار الحرائق.
وتدخل عدد من اللجان، من أجل إحصاء المنازل المتضررة، حيث تم وضع إشارة "X" على عدد كبير من المنازل، في إشارة إلى عدم صلاحها للسكن، وتصنيف أصحابها في قائمة للحصول على إعانة سكن. كما يواصل عمال الكهرباء مساعيهم لإعادة الشبكة لمختلف المناطق المتضررة. وبادر عدد من السكان إلى العمل وإصلاح ما يمكن إصلاحه، حيث شاهدنا أحد الشباب والرماد يكتسي مختلف مناطق جسده المنهك، وهو يقوم بالمساعدة في إعادة شبكة المياه، وجلب الماء من أحد المنابع المائية القريبة.
مساعدات من مختلف ربوع الوطن
عرفت المناطق المتضررة ببلدية جمعية بني حبيبي، إنزالا كبيرا من المساعدات، حيث عرفت مختلف المناطق هبات تضامنية كبرى، ما حول مدخل البلدية على الطريق الوطني رقم 43، إلى محطة تزورها السيارات والشاحنات من مختلف الولايات، على غرار أم البواقي، بجاية، سطيف، قسنطينة، باتنة، خنشلة وحتى ولايات الجنوب، مثل وادي سوف، وتمنغست، وكذا ولايات الغرب، على غرار مستغانم، إذ صنعت مشهدا مميزا، وهي تجوب هذه المناطق في مواكب تزينها الأعلام الوطنية، ما يعكس التضامن والتآزر القوي بين أفراد الشعب الجزائري، الذي لا يتأخر في تقديم المساعدة في أي وقت تطلب فيها الأمر ذلك، ودون أي توجيه أو تعليمات.
ورافقت "المساء"، مكتب "سبل الخيرات" لمسجد "النبي زكرياء" من بلدية ديدوش مراد بقسنطينة، الذي فضل تقديم إعانات في شكل قارورات غاز بوتان، مواقد غاز ومستلزماتها، إلى جانب الأواني المنزلية المختلفة، ودلاء بلاستيكية، وكراس، وأنابيب من البلاستك الصلب من "فنيل كلوريد" أو ما يعرف بـ"البي.في.سي"، حيث تم جمع هذه المساعدات في شكل حصص، وتقديم كل حصة إلى عائلة متضررة، بالتنسيق مع أبناء المنطقة، الذين يعرفون السكان، حيث أكد رئيس الجمعية الدينية لمسجد "النبي زكرياء"، زين الدين فضلون، أن هذا أدنى ما يمكن تقديمه إلى المتضررين، معتبرا أن المسلم يؤازر المسلم في محنته، وأن الجزائري يقف مع الجزائري، في رسالة واضحة إلى كل من يريد شرا بهذه البلاد.
ضعف التأطير رغم محاولات الجمعيات المحلية
الملاحظ، مع كثرة المساعدات التي وصلت إلى المناطق المتضررة، غياب التأطير، حيث باتت العديد من المساعدات عرضة للتلف، خاصة قارورات المياه المعدنية، التي يتم تركها في العراء معرضة للشمس والحرارة، حيث تم تحويلها إلى الساحة الصغيرة لمسجد "تيسبيلان"، وتم وضعها في متناول كل المواطنين، وحتى عابري السبيل، على عكس أكوام كبيرة من الملابس التي تم التخلص منها في القمامة، خاصة القديمة منها، والتي اشتكى مستقبلوها من وجود روائح كريهة بها.
وفي ظل غياب تأطير المساعدات، تدخلت بعض الجمعيات الخيرية، على غرار جمعة "قوافل الخير"، وجمعية "كافل اليتيم" من بلدية جمعية بني حبيبي، لتقديم ما يمكن تقديمه، وترشيد زوار المنطقة إلى الأماكن الأكثر تضررا، وجمع المساعدات في مستودعات بجمعة بني حبيبي، أو حتى ببلدية خيري وادي العجول "بني بلعيد"، وفرزها قبل برمجة توزيعها على مستحقيها، بالتنسيق مع جمعيات خيرية أخرى بعدد من المناطق، بالتنسيق مع بعض الوجوه المعروفة بالولاية، على غرار حسين الجيجلي. كما بادرت هذه الجمعيات، إلى إجراء جرد للعائلات المتضررة، قصد مساعدتها بالشكل اللازم.
سكان المناطق المتضررة بحاجة إلى بعض التجهيزات
وجه سكان المناطق المتضررة، رسالة إلى كل الراغبين في تقديم المساعدات، بتجنب تقديم قارورات المياه المعدنية، خاصة وأن جل هذه المناطق بها منابع طبيعية، تجري فيها المياه على مدار السنة، حيث أكد عدد من السكان المتضررين، أن المنطقة في الوقت الحالي، بحاجة إلى قنوات المياه من نوع "البي.في.سي" التي تستعمل في السقي عند الفلاحين، كما طالبوا بتقديم مصابيح بطارية أو بطاريات ومولدات كهرباء، في ظل الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها شبكة الكهرباء.
كما طالب سكان المناطق المتضررة، بالتوقف عن تقديم الملابس، خاصة القديمة منها، التي باتت تشكل عبئا عليهم، ويجدون صعوبة كبيرة في التخلص منها، حيث أصبح رميها في مكبات النفايات أو على قارعة الطريق أمرا لا مفر منه. وطالب المتضررون، بتقديم ملابس جديدة، خاصة للأطفال المقبلين على الدخول المدرسي، مع الحرص على تقديم المآزر للذكور والإناث، رغم تأكيد بعض الأطراف على تكفل مصالح التضامن المحلية بهذا الجانب.
متطفلون يستغلون الأزمة
لم تُثن مشاهد الموت المنتشرة عبر مختلف مداشر وقرى ولاية جيجل، بعض مرضى النفوس وبعض المتطفلين، من ممارسة هوايتهم المفضلة، وهي الحصول إلى أكبر قدر من الإعانات الموزعة على السكان المتضررين، حيث عاد عدد من هؤلاء الأفراد الذين لا يقطنون المنطقة، ويسكنون في ولايات مختلفة، إلى أرض آبائهم وأجدادهم لأخذ نصيب من هذه المساعدات، وهو ما وقفت عليه "المساء"، التي رصدت بعض الطفليين من مختلف الأعمار، من الرجال والنساء، يرافقون عبر سياراتهم، قوافل الإغاثة والمساعدات حتى يحصلوا على نصيب منها، رغم محاولات بعض شباب المنطقة التصدي لمثل هذه التصرفات الدنيئة، وطرد هؤلاء المتطفلين في كل مرة.
وباتت تصرفات المتطفلين الباحثين عن منفعة شخصية زائلة، تؤثر حتى على عملية تقديم المساعدات، مثلما وقع بمسجد "تيسبيلان"، عندما رفض إمام المسجد، بسبب الضغوطات استقبال المساعدات، حيث بات هؤلاء المتطفلون يعملون على تحويل عدد من المساعدات، قبل وصولها إلى المتضررين، ويقوم عدد من النساء اللائي لا يقطن المنطقة ويفضلن إخفاء وجوههن بالوقوف على قارعة الطريق، من أجل الحصول على المساعدات، في حين يرفض بعض المتضررين من سكان هذه المناطق، أخذ المساعدات، بسبب الصدمة التي يعشونها وفقد عدد من الأهل، الأقارب والأصدقاء، على غرار السيد كمال، وأخوه نور الدين، الذي منعته كرامته من الوقوف على قارعة الطريق لأخذ المساعدات، رغم تهدم منزله بالكامل.