أسواق الجملة تستعيد حيويتها المعهودة

التصدير.. رهان تثمين التمور البسكرية

التصدير.. رهان تثمين التمور البسكرية
  • 169
  نورالدين العابد نورالدين العابد

تستعيد الأسواق التجارية في ولاية بسكرة، حيويتها المعهودة مع بداية موسم جني التمور، وتدخل الواحات الممتدة على مناطق واسعة من الولاية، مرحلة جديدة من النشاط، تتناغم فيها حركة الجني والفرز والتوضيب مع عمليات البيع والشراء، في مشهد اقتصادي، يعكس المكانة التي تحتلها هذه الثروة الفلاحية، في حياة السكان ومصادر رزق آلاف العائلات.

لا تمثل التمور ببسكرة مجرد منتوج فلاحي موسمي، بل عنوان لهوية المنطقة وركيزة من ركائز اقتصادها المحلي، ومورد رزق يرتبط به الفلاحون والتجار والوسطاء وأصحاب غرف التبريد وورشات توضيب المنتوج، فضلا عن الناقلين والعمال الموسميين، الذين يجدون في هذا النشاط، فرصة للعمل، خلال فترة تمتد آثارها إلى ما بعد موسم الجني. ومع استقدام المحصول الجديد من بساتين النخيل، تتحول الأسواق ونقاط التجميع، إلى فضاءات تعج بالحركة، حيث تتراص الصناديق المملوءة بعراجين التمور، وتتعالى أصوات التجار وهم يتفحصون جودة المنتوج، بينما ينشغل الفلاحون بعقد الصفقات، التي تحدد في كثير من الأحيان، حصيلة موسم كامل من العمل والعناية بالنخيل.

من الواحة إلى السوق.. رحلة "دقلة نور"

تبدأ الحكاية من بساتين النخيل المنتشرة عبر بلديات الولاية، خاصة المناطق المعروفة بإنتاج التمور، على غرار طولقة، ليوة، فوغالة، ليشانة وبوشقرون، حيث تتضافر جهود الفلاحين والعمال لجني المحصول، قبل نقله إلى أماكن الفرز والتجميع والتسويق. وفي هذه المرحلة، تتحدد ملامح المنتوج، الذي سيشق طريقه نحو الأسواق المحلية، أو إلى ولايات أخرى، بحسب نوعية التمور ودرجة نضجها، ومستوى جودتها ومدى سلامة حباتها. تحظى تمور "دقلة نور" بمكانة بارزة في هذه الحركة التجارية، بالنظر إلى شهرتها وجودتها وقيمتها التسويقية، غير أن النشاط لا يقتصر عليها وحدها، إذ تتداول الأسواق أصنافا متعددة، تختلف في خصائصها واستعمالاتها وأسعارها، بما يسمح بتلبية حاجات شرائح مختلفة من المستهلكين والتجار.

ويحرص التجار، عند اقتناء المحصول، على معاينة اللون والحجم والتجانس ومدى سلامة الحبات، إلى جانب تقدير قابلية المنتوج للتخزين والنقل والتوضيب. فالفارق بين صفقة ناجحة وأخرى محدودة المردودية، قد يرتبط أحيانا بتفاصيل دقيقة لا تظهر إلا للعين الخبيرة، التي راكمت سنوات من التعامل مع التمور. يؤكد هذا المسار، حسب العارفين بهذا النوع من النشاط، أن تسويق التمور ليس عملية بيع بسيطة، بل سلسلة مترابطة من الأنشطة، التي تبدأ داخل البستان، وتستمر عبر الفرز والتخزين والتوضيب والنقل، وصولا إلى المستهلك النهائي.

بسكرة وجهة تجار مختلف الولايات

تستقطب أسواق التمور ببسكرة، تجارا ومتعاملين من خارج الولاية، ممن يقصدون المنطقة، لاقتناء المحصول من مصادره، سواء بغرض إعادة بيعه في الأسواق الوطنية، أو توجيهه إلى وحدات التوضيب والتخزين، ومنها إلى قنوات التوزيع المختلفة. تمنح هذه الحركة التجارية للولاية، موقعا مهما ضمن شبكة تسويق التمور في الجزائر، إذ تلتقي فيها مصالح المنتجين الباحثين عن منافذ لتسويق محاصيلهم، مع تطلعات التجار الراغبين في الحصول على منتوجات ذات جودة وأسعار، تسمح لهم بتحقيق هامش ربح معقول. وفي محيط الأسواق، تتشكل علاقات تجارية تتجاوز حدود الصفقة الواحدة؛ فهناك تجار يرتبطون بعلاقات مستمرة مع فلاحين، يعرفون منتوجاتهم ومواعيد جنيها، وآخرون يفضلون التنقل بين مناطق الإنتاج، لمقارنة النوعية والأسعار، قبل اتخاذ قرار الشراء.

وتلعب الثقة دورا أساسيا في هذه المعاملات “القانون التجاري أساسه الثقة”، خصوصا عندما يتعلق الأمر بكميات كبيرة من المحصول. فالتاجر الذي يضمن جودة المنتوج وانتظام التعامل، قد يفضل الاستمرار مع الممون نفسه، بينما يسعى الفلاح إلى التعامل مع مشترين، يلتزمون بشروط الاتفاق ومواعيد التسديد. تساهم هذه العلاقات، في تحريك الأموال داخل الاقتصاد المحلي، كما تفتح المجال أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، الناشطة في مجال جمع التمور وتوضيبها وتسويقها.

الأسعار والجودة.. معادلة تتحكم في السوق

على الرغم من الحيوية التي يعرفها النشاط التجاري، تبقى الأسعار من أكثر المسائل التي تشغل بال الفلاحين والتجار على حد سواء، باعتبارها العامل الذي يحدد مردودية الموسم، ويؤثر في حركة البيع والشراء. وتتأثر أسعار التمور بعدة عوامل، من بينها الصنف والجودة ودرجة النضج وحجم العرض والطلب، فضلا عن تكاليف الجني واليد العاملة والنقل والتخزين والتوضيب. كما يمكن أن تختلف الأسعار بين التعامل المباشر مع الفلاحين، والبيع بالجملة أو بالتجزئة. ويجد الفلاح نفسه أمام معادلة، تتطلب تحقيق عائد يغطي تكاليف خدمة النخيل، وجني المحصول، والعناية به على مدار السنة، في حين يسعى التاجر إلى اقتناء منتوج قادر على المنافسة في السوق، مع مراعاة المصاريف التي يتحملها قبل وصوله إلى المستهلك.

من هنا، تبرز أهمية توفير فضاءات منظمة للتبادل التجاري، تسمح بتقريب المنتج من المشتري، وتدعم شفافية المعاملات، وتساعد على معرفة الأسعار المتداولة، بحسب الأصناف ومستويات الجودة. كما تكتسي عمليات الفرز والتصنيف أهمية خاصة، لأنها تتيح تثمين المنتوج الجيد، وعدم التعامل مع مختلف درجات الجودة، باعتبارها فئة واحدة. فكلما كان المنتوج مصنفا بطريقة واضحة، أصبحت عملية التسويق أكثر سهولة، وتحسنت قدرة المتعاملين على التفاوض، وتحديد القيمة الحقيقية للمحصول.

التخزين والتوضيب.. قيمة مضافة للمنتوج

لم يعد النشاط التجاري للتمور مقتصرا على البيع المباشر داخل الأسواق، بل أصبح يرتبط بصورة متزايدة بعمليات التخزين والتوضيب والتحضير للتوزيع، وهي مراحل تمنح المنتوج قيمة مضافة، وتساعد على إطالة فترة تسويقه. تؤدي غرف التبريد دورا مهما في المحافظة على نوعية التمور، خاصة عندما يتعلق الأمر بكميات كبيرة، يجري تسويقها على مراحل. كما تساهم وحدات التوضيب في تحسين عرض المنتوج، من خلال الفرز والتنظيف والتعبئة، ووضعه في علب مناسبة لمختلف الأسواق. وتكتسي هذه العمليات أهمية خاصة بالنسبة إلى التمور الموجهة إلى أسواق بعيدة، حيث تتطلب المحافظة على الجودة والعناية أثناء النقل والتخزين، فضلا عن احترام شروط النظافة والسلامة.

يمثل تطوير هذه الخدمات، حسب أحد المصدرين، فرصة لتوسيع النشاط الاقتصادي خارج فترة الجني، من خلال خلق مناصب عمل دائمة وموسمية، وتحفيز الاستثمار في التجهيزات والوسائل الحديثة، وفتح آفاق جديدة أمام المؤسسات التي ترغب في الانتقال من تسويق المنتوج الخام، إلى تسويق منتجات أكثر تنوعا. كما يمكن أن يساهم تحسين التغليف والعرض التجاري ـ يؤكد هذا الأخير ـ في تعزيز صورة التمور البسكرية لدى المستهلكين، خصوصا إذا اقترن ذلك بالاهتمام بالمقاييس الصحية ومتطلبات الأسواق المستهدفة.

اليد العاملة والنقل.. حركة اقتصادية متكاملة

خلف كل صندوق من التمور يصل إلى السوق، توجد سلسلة من الجهود البشرية التي تبدأ بخدمة النخلة وجني ثمارها، ولا تنتهي عند عمليات الشحن والتوزيع. فموسم التمور يوفر فرص عمل للعديد من العمال، القادمين حتى من ولايات عنابة، مستغانم وغيرها، سواء في البساتين أو في فضاءات التجميع والفرز والتوضيب، كما ينتعش نشاط النقل الذي يتولى تحويل المحصول من مناطق الإنتاج إلى الأسواق ومراكز التخزين ونقاط التوزيع.

وتستفيد من هذه الحركة أيضا أنشطة تجارية وخدماتية أخرى، تشمل بيع مواد التعبئة والتغليف وصيانة التجهيزات وتوفير مستلزمات العمل، وهو ما يجعل قطاع التمور محركا اقتصاديا تتجاوز آثاره حدود النشاط الفلاحي المباشر. غير أن استدامة هذه الحركية تظل مرتبطة بتحسين ظروف العمل، وتوفير وسائل نقل ملائمة، وتطوير البنية التحتية للأسواق، إلى جانب ضمان ظروف تخزين تحافظ على جودة المنتوج وتحد من الخسائر. وفي هذا السياق، فإن الاستثمار في تنظيم الأسواق وتحديث وسائل التوضيب والنقل لا يخدم التجار وحدهم، بل يعود بالنفع أيضا على الفلاح والمستهلك، من خلال تقليص التكاليف وتحسين نوعية المنتوج المعروض.

التصدير.. رهان تثمين التمور البسكرية

تملك تمور بسكرة، وفي مقدمتها “دقلة نور"، مقومات مهمة لدعم حضور المنتوج الجزائري في الأسواق الخارجية، غير أن الوصول إلى هذه الأسواق يتطلب أكثر من وفرة المحصول وجودته الطبيعية. فالمنافسة الخارجية تفرض الاهتمام بالتوضيب الاحترافي، وضمان استقرار الجودة، واحترام شروط الصحة والسلامة، وتوفير مسارات تسويق منظمة تضمن وصول المنتوج إلى المستوردين في ظروف مناسبة.

كما تتطلب تنمية الصادرات تنسيقا بين الفلاحين والمصدرين ووحدات التوضيب والهيئات المعنية، حتى يتمكن المنتج من الاستجابة لمتطلبات الأسواق المستهدفة، سواء من حيث الحجم أو التعبئة أو المواصفات التجارية. ويمثل تحسين التعريف بالتمور الجزائرية والترويج لمزاياها –حسب- متابعين، فرصة لتعزيز قيمتها في الأسواق الدولية، خصوصا عندما تقترن شهرتها بجودة ثابتة وعلامات تجارية واضحة وتغليف يعكس أصالة المنتوج ومكانته. من شأن تطوير هذا الجانب أن يمنح النشاط التجاري ببسكرة بعدا أوسع، يحول جزءا من الحركية الموسمية إلى نشاط اقتصادي أكثر انتظاما، ويعزز مساهمة قطاع التمور في خلق الثروة ومناصب الشغل.

تنظيم الأسواق.. ضرورة لمرافقة النشاط التجاري

على الرغم من الإمكانات التي تزخر بها الولاية، يظل تحسين تنظيم أسواق التمور من الرهانات التي تستحق مزيدا من الإهتمام، بالنظر إلى تعدد المتعاملين وتنوع الأصناف وتفاوت الكميات المتداولة. ويشمل ذلك توفير فضاءات ملائمة لاستقبال الشاحنات وتخزين الصناديق، وتحسين شروط النظافة، وتنظيم عمليات البيع والتحميل، إلى جانب تشجيع التعاملات التجارية الواضحة التي تحفظ حقوق المنتج والمشتري.

كما أن توفير معلومات دقيقة حول الأسعار والكميات المعروضة ومستويات الجودة من شأنه مساعدة المتعاملين على اتخاذ قرارات أفضل، والحد من الاختلافات غير المبررة في تقييم المنتوج. ويظل التنسيق بين المصالح الفلاحية والتجارية والسلطات المحلية والمتعاملين الاقتصاديين  يقول لـ “المساء” السيد عيشاوي “تاجر تمور”، ضروريا لمرافقة هذا النشاط، من خلال معالجة النقائص التي قد تعترض التسويق، وتشجيع الاستثمار في التخزين والتوضيب والتحويل. ولا يقل عن ذلك أهمية دعم الفلاحين في مجال الإرشاد والتقنيات الحديثة، لأن جودة التمور التي تصل إلى السوق تبدأ في الأصل من العناية بالنخلة، وتمر عبر احترام مراحل الجني والتداول والتخزين.

التمور.. ثروة تحتاج إلى مزيد من التثمين

مع كل موسم جديد، تؤكد أسواق التمور ببسكرة أن هذه الثروة ليست مجرد محصول ينتظر الجني والبيع، بل منظومة اقتصادية متكاملة تتقاطع فيها الفلاحة والتجارة والنقل والتخزين والصناعة الغذائية. فمن الواحة التي تتزين بعراجين التمور، إلى السوق التي تستقبل التجار، وصولا إلى وحدات التوضيب ومنافذ التوزيع، تتشكل رحلة منتوج يحمل معه تعب الفلاح وخبرة التاجر وأمل العامل في مورد رزق مستقر. وبقدر ما تمنح وفرة المحصول فرصا لإنعاش الحركة التجارية، يقول أيمن كرميش، فلاح وتاجر بفوغالة في تصريح لـ"المساء"، إن "الرهان الحقيقي يكمن في حسن استغلال هذه الثروة، عبر تحسين جودة المنتوج، وتنظيم الأسواق، وتوسيع قدرات التخزين والتوضيب، وفتح منافذ تسويق جديدة". إن بسكرة، بما تمتلكه من خبرة متراكمة في زراعة النخيل وإنتاج التمور، قادرة على تعزيز موقعها قطبا وطنيا لهذا النشاط، شريطة أن تتحول الحيوية الموسمية إلى استراتيجية مستدامة تضمن للفلاح مردودية أفضل، وللتاجر سوقا أكثر تنظيما، وللعامل فرصا أوسع، وللمنتوج الجزائري مكانة تليق بجودته وشهرته.

حركة تجارية مميزة بسوق طولقة

في جولة استطلاعية بسوق الجملة بلغروس، رصدت “المساء” تواجد لناصر الدرك الوطني، الساهرين على توفير الأمن ومحاربة الطفيليين، وحركة تجارية، أين تسجل أسعار مرتفعة للتمور ذات الجودة العالية، والتي تتراوح أسعارها بين 350 إلى 450 دينار  للكيلوغرام، واللافت أن الكثير من السلع بيعت بعد دخولها السوق، يقول أحد التجار القادمين من قسنطينة، مؤكدا أن الوفرة في الموعد لكن الأسعار يبدوا أنها مرتفعة وليست في المتناول، معتبرا أن موسم جني التمور متواصل فعلا و بساتين النخيل لا تزال تعج بشباب يشتغلون دون كلل، وهذا من شأنه زيادة البضاعة المعروضة التي قد تكون سببا في تراجع تلك الأسعار خلال الأيام القادمة يؤكد محدثنا.

أما السوق الشعبي بطولقة، فإن الحركة التجارية في أوجها، ازدحام مسجل للشاحنات الصغيرة والمتوسطة، ومحلات تجارية تعج بالباحثين عن النوعية المطلوبة، في مشهد يتكرر كل سنة خلال هذه الفترة من السنة، التي تعتبر فرصة لجمع شيء من المال بالنسبة للشباب البطال، وللتجار المختصين في بيع وشراء التمور بمختلف أنواعها، يقول رفيق بن عمر الذي يقصده الكثير للاستفسار ومعرفة تواجد البضائع ذات الجودة العالية بغرف التبريد ببلديات لغروس، فوغالة، طولقة وبوشقرون.