أسطورة التراث تأسر قلوب زوار المدينة القديمة

8آلاف سائح زاروا "دار الباي" بعنابة

8آلاف سائح زاروا "دار الباي" بعنابة
  • 117
سميرة عوام سميرة عوام

​تستقطب "دار الباي" التقليدية الواقعة في قلب المدينة القديمة "بلاص دارم" بمدينة عنابة، أعدادا كبيرة من السياح والمصطافين الراغبين في التعرف على المنطقة، في رحلة تأخذك عبر الزمن، تلامس روح العراقة الجزائرية. 

فلم تعد عنابة مجرد شواطئ ساحرة تجذب عشاق البحر، بل أضحت بفضل هذا المعلم الأثري، وجهة ثقافية وثاقبة تتصدر خيارات الزوار؛ حيث استقبلت الدار أكثر من 8 آلاف زائر وسائح من مختلف ولايات الوطن خلال 61 يوما فقط، بين 21 جوان و20 أوت، بمعدل يفوق 131 زائر يوميا.

​ولهذه الدار التاريخية سحر خاص يمزج بين أصالة المعمار العتيق ودفء الضيافة العنابية الأصيلة. فبمجرد عبور عتبتها يجد الزائر نفسه وسط أجواء تتنفس تاريخا؛ حيث تتوزع الأواني النحاسية المصنوعة بدقة. وتتوسط الجلسات الصواني النحاسية المتوهجة، التي تعكس جمال الصناعة التقليدية والمهارة اليدوية للأنامل الجزائرية عبر العصور.  إن الرائحة المنبعثة من زوايا الدار تأخذك مباشرة إلى عمق المطبخ العنابي العريق؛ إذ تقدَّم هناك أشهر الأطباق المحلية التي تشتهر بها المنطقة، وعلى رأسها "البوراك العنابي" المقرمش، ووجبات "الشخشوخة" الفاخرة، وطبق "القريتلية" الذي يجسد مهارة المطبخ التقليدي في أبهى صورها وتفاصيلها الممتدة عبر الأجيال.

​ولا تكتمل هذه التجربة الاستثنائية إلا برشفة من الشاي المعطر بالنعناع الطازج، أو فنجان من القهوة العربية الأصيلة المجهزة بعناية في "الززوة" على طابونة الجمر التقليدية؛ حيث تتصاعد أدخنة الفحم المحملة بالنكهات الزكية، لترسم لوحة حميمية تعيد إلى الأذهان سهرات أزمنة مضت. وتكتمل هذه الصورة الجمالية عندما تتناغم تلك الأجواء مع أنغام موسيقى "المألوف" العنابي الأصيل، التي تتسلل برقة بين أركان الدار لتمزج المذاق الطيب باللحن الخالد، وتنقل الحاضرين إلى عالم من السحر والسكينة والجمال الفني العريق. ​لقد نجح الفريق الساهر على تسيير هذا الصرح التاريخي في إعطاء الدار بعدا سياحيا فريدا؛ إذ لم يكتفوا بالحفاظ على المعلم العمراني، بل أحيَوْا فيه روح التراث اللامادي، وأعادوا صياغته ليكون واجهة حية للذاكرة الوطنية، ومقصداً يجمع بين الترفيه واكتشاف الموروث الثقافي. 

وتؤكد هذه الإحصائيات والأرقام المسجلة خلال موسم الاصطياف، الأهميةَ الاستثنائية لهذا المقصد؛ إذ إن توافد هذا العدد المعتبر في فترة زمنية وجيزة يُعد مؤشرا حقيقيا على تحول الدار إلى قطب جاذب، يسهم بفعالية في تنشيط السياحة الثقافية بالشرق الجزائري. ​إن هذا الإقبال الكبير والواسع للسياح وحتى العائلات العنابية يبرهن بوضوح على أن الزائر الحديث بات يبحث عن الأصالة، والتجربة الثقافية الغنية التي تربطه بجذور المنطقة، وتاريخها الحافل، وقصورها الممتدة في عمق التاريخ. 

وتبقى دار الباي التقليدية شاهدا حيا على ثراء التراث العنابي، ونموذجا مشرقا لكيفية تحويل المعالم التاريخية إلى منابر سياحية نابضة بالحياة. إنها ليست مجرد محطة عابرة في جولة سياحية، بل هي حكاية عشق مكتوبة بأصالة التاريخ، تجعل من زيارة "بلاص دارم" بعنابة، تجربة استثنائية تسكن الذاكرة، وتفتح للزوار أروع صفحات الذاكرة، التي تبقى حاضرة في قلوب عشاق بونة.