استعدادات البيت العنابي لشهر شعبان
هذه طقوس وأسرار تحضير "فريك الجاري"
- 312
سميرة عوام
تستنفر العائلات بمدينة عنابة "بونة" العريقة، بكل قواها، مع حلول شهر شعبان المبارك، لتبدأ رحلة تحضيرية لا تشبه غيرها من شهور السنة، حيث يسود اعتقاد راسخ لدى النساء، بأن استقبال شهر رمضان يتطلب طهارة مادية للمكان، توازي الطهارة الروحية للصائم. تنطلق هذه الطقوس بما يسمى بـ"حملة التنظيف الكبرى" أو "الرغوة"، والتي تبدأ عادة بتهوية البيت بشكل كامل، وتجريد الغرف من كل أثاثها المعتاد. ففي الأحياء العتيقة من "بلاص دارم"، وصولاً إلى الأحياء الحديثة، لا يمر يوم من أيام شعبان دون أن ترى الشرفات مزينة بالزرابي والستائر المغسولة، حيث يتم تنظيف الجدران وتجديد طلاء بعض الزوايا، وتلميع الأواني النحاسية، مثل "السني" و"القدر" التي تُعد فخراً للبيت العنابي، إذ يعاد بريقها لتبدو وكأنها اقتنيت للتو.
لا يقتصر التغيير على النظافة فحسب، بل يمتد ليشمل "إعادة هندسة ديكور المنزل"، حيث يُعاد ترتيب الأثاث بشكل يبعث على الراحة النفسية، مع تخصيص "ركن الصلاة" الذي يُعد أقدس زاوية في البيت خلال هذا الشهر؛ إذ يفرش بالسجاد الفاخر، وتوضع فيه الفوانيس الرمضانية المضيئة، التي تضفي جواً من الروحانية والسكينة، وتُعطر الأرجاء بالبخور والروائح الطيبة، التي تلازم البيت العنابي طيلة أيام شعبان.
تنتقل حركية الاستعداد من ترتيب الغرف إلى "مملكة المطبخ"، حيث تبدأ العملية الأكثر دقة وأهمية في الموروث العنابي، وهي "تحضير الفريك". فـ"الفريك" في عنابة، ليس مجرد مادة غذائية، بل هو روح مائدة "الجاري" العنابي، التي لا يمكن الاستغناء عنها أبداً. تبدأ النساء باقتناء القمح الأخضر في وقت مبكر جداً من شهر شعبان، ثم تبدأ مرحلة "التنقية" اليدوية المضنية؛ حيث تجتمع الجارات والقريبات في جلسات يسودها الود، لفرز حبات القمح حبة حبة، وإزالة أي شوائب أو حصى صغيرة قد تعكر صفو الطبق. بعد التنقية، تأتي مرحلة "التصفية" بالغربال، لإزالة الغبار والقشور الزائدة، ثم يغسل ويجفف تحت أشعة الشمس بطريقة تقليدية تحافظ على لونه الأخضر الزاهي ورائحته الزكية. وبمجرد جفافه، تبدأ عملية "الرحي" التي تفضل الكثير من العائلات القيام بها يدوياً، باستعمال "الرحى الحجرية" التقليدية أو في مطاحن خاصة، تضمن الحصول على حبات متناسقة الحجم، لا هي ناعمة كـ"الفرينة" ولا هي خشنة جداً، للحصول على قوام مثالي لـ"الجاري البوني" الأصيل، الذي يملأ عبيره أزقة المدينة.
بموازاة ذلك، تولي المرأة العنابية اهتماماً فائقاً بتطييب المنزل، فتبدأ رحلة البحث عن أجود أنواع البخور، كـ"الجاوي" و"المصطكى" و"العود القماري"، حيث يتم تبخير أركان البيت يومياً بعد صلاة العصر في شهر شعبان، لتمتزج رائحة النظافة بعبق البخور الأصيل. كما تشرع ربات البيوت في تحضير "التبزيرة" أو التوابل، حيث يتم شراء الفلفل الأحمر (العكري)، الكروية، والكسبر بشكل خام، ثم تنظيفها ورحيها منزلياً، لضمان قوتها ونكهتها. كما يتم تخزين المواد الأساسية التي يزداد عليها الطلب بشكل كبير، مثل الزيت، السكر والطماطم المعلبة، لضمان عدم الانشغال بالتبضع اليومي خلال أيام الصيام، وتوفير الوقت للعبادة التي يخصص لها شهر شعبان كفترة تدريبية تمهيدية، تمزج بين الصيام والقيام وتزيين البيوت بالفوانيس الملونة. وفي هذا السياق، تواكب السلطات المحلية هذه الاستعدادات المنزلية، بتسهيلات ميدانية كبرى، حيث أعلنت مديرية التجارة لولاية عنابة، عن فتح سبعة أسواق جوارية "أسواق الرحمة" عبر مختلف الدوائر الإدارية، بهدف توفير هذه المواد الأساسية بأسعار مخفضة وتنافسية، ومباشرة من المنتج إلى المستهلك.
وتهدف هذه الأسواق، إلى ضمان تموين منتظم ومنع المضاربة، خاصة على مواد الزيت والسكر والعجائن. كما تبرز الروح التضامنية، من خلال تحضيرات مديرية النشاط الاجتماعي لعملية الختان الجماعي للأطفال اليتامى والمعوزين لعام 2026، لتكتمل بذلك لوحة الاستعداد في شهر شعبان بمدينة عنابة، بجمالها الروحي والمادي، مكرسةً قيم التآزر والصفاء التي تميز هذا المجتمع العريق، الذي يرى في هذه التحضيرات، احتفالاً إيمانياً واجتماعياً متوارثاً عبر الأجيال.