بين الانتشار وتحذير الخبراء

"نظام الطيبات" يرجع دراسات علمية إلى نقطة الصفر

"نظام الطيبات" يرجع دراسات علمية إلى نقطة الصفر
  • 146
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

يفرض عالم التغذية من حين لآخر، موجات جديدة من الأنظمة الغذائية، التي تنتشر بسرعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتنتقل من شاشة الهاتف إلى موائد الناس في وقت قصير، وبين وعود تحسين الصحة وخسارة الوزن واستعادة النشاط، يجد الكثيرون أنفسهم أمام نصائح تبدو مختلفة عما سبقها، وجذابة، وتقدم على أنها حلول مباشرة لمشكلات معقدة، ترافق نمط الحياة الحديث، ومع كثرة المحتوى المنشور يوميا، أصبح من السهل أن يتحول أي نظام غذائي إلى حديث الناس في البيوت ومكاتب العمل، وقاعات الرياضة، وحتى داخل العيادات الطبية، خاصة عندما يرتبط باسم معروف أو تجربة تثير الفضول.

برز خلال الأيام الأخيرة، ما يعرف بـ«نظام الطيبات”، كواحد من أكثر البرامج الغذائية التي لفتت انتباه المتابعين، وأثارت نقاشا واسعا بين المؤيدين والمتحفظين، وبعد أن تحول إلى "ترند" يتناقله الكثيرون دون الرجوع إلى مختصين، أو الاطلاع على خلفياته العلمية، بدأ عدد من الأشخاص في تجربة هذا النظام وتطبيقه بشكل يومي، اعتمادا على مقاطع قصيرة، ومنشورات متداولة، وهو ما فتح الباب واسعا للنقاش حول مدى سلامة هذا التوجه الغذائي، وحدود الاستفادة منه، وهل يصلح فعلا للجميع، أم أنه يحتاج إلى تدقيق قبل اعتماده كنمط حياة، خصوصا وأنه جاء بمفاهيم، بعضها حاول كسر كل ما تداول لعقود من الزمن، على أنها أغذية سليمة، وإعادة النظر فيما كان يعتبر سموما للصحة.

يقوم هذا النظام في صورته المتداولة، على تقسيم الأطعمة إلى ما يوصف بـ«الطيبات”، وما يوصف بـ«غير المناسب للجسم”، وفق رؤية خاصة، ترى أن بعض الأطعمة الطبيعية، التي طالما ارتبطت بالتغذية الصحية والسليمة، قد لا تكون مناسبة لبعض الأشخاص، بينما يتم في المقابل، السماح بأغذية أخرى، كانت محل تحفظ، بل وحتى محرمة لدى كثير من المختصين، مثل بعض السكريات أو المنتجات المصنعة والزيوت المهدرجة، كما يدعو هذا النظام، إلى الابتعاد عن غالبية أنواع الخضر والتقليل من الأطعمة الغنية بالألياف في بعض الحالات، كما أكد أن بعض المقليات مفيدة، وأن القهوة ليست بالكافيين، وأن البيض والدجاج مضرين بالصحة، وغيرها من المفاهيم الجديدة، وهو ما أثار استغراب عدد من المهتمين بالصحة والتغذية.

وخلال حديث “المساء” مع عدد من المواطنين، الذين تابعوا هذا البرنامج عبر الأنترنت، قال بعضهم، إن أكثر ما جذبهم فيه، هو بساطة الطرح واللغة المباشرة، والوعود المتعلقة بتحسن النشاط، وفقدان الوزن بسرعة، فيما أكد آخرون أنهم، بدأوا فعلا بتقليل استهلاك الخضر، وبعض الأطعمة التقليدية، اعتمادا على نصائح منشورة دون القيام بفحوصات، أو استشارة مختصين، وقال شاب، يمارس الرياضة، إنه طبق بعض التعليمات لأيام قليلة وشعر بتغير في الشهية والطاقة، لكنه لم يكن متأكدا من أن ما يقوم به مناسب لجسمه، بينما ذكرت سيدة تعاني من مشاكل صحية، أنها فكرت في إيقاف بعض الأدوية، بعد سماع نصائح غذائية متداولة، لكنها تراجعت بعد استشارة طبيبها.

وفي حديثه لـ«المساء”، أكد أسامة خرباش، خبير في التغذية العلاجية، أن أي نظام غذائي مهما بدا مقنعا أو منتشرا، لا يمكن تعميمه على جميع الناس، لأن احتياجات الجسم تختلف، حسب العمر والحالة الصحية، والنشاط البدني وطبيعة الأمراض المصاحبة، مشيرا إلى أن منع مجموعات غذائية كاملة، مثل بعض الخضر أو مصادر الألياف بشكل عشوائي، قد ينعكس سلبا على صحة الجهاز الهضمي، ويؤثر كذلك على توازن السكر في الدم، وصحة القلب على المدى البعيد، وأضاف أن الألياف الغذائية الموجودة في الخضر والبقوليات والفواكه، تلعب دورا أساسيا في تحسين الهضم، وتنظيم الشهية ودعم البكتيريا النافعة داخل الأمعاء، وهي عناصر لا يمكن تجاهلها بسهولة.

غياب التوازن وسوء الفهم عند التطبيق

أشار المختص، إلى أن السماح بتناول بعض السكريات أو الأطعمة، التي كانت توصف سابقا بأنها غير مفيدة، لا يعني أنها أصبحت صحية بشكل مطلق، لتكسر بذلك كل القواعد وسنوات من العلم والأبحاث، لأن تقييم الغذاء لا يعتمد فقط على نوع الطعام، بل أيضا على الكمية وطريقة الاستهلاك، وخصوصا الحالة الصحية للفرد، موضحا أن المشكلة ليست في وجود طعام جيد، وطعام سيئ بشكل مطلق، بل في غياب التوازن وسوء الفهم، عند التطبيق، وهو ما يجعل بعض الناس ينتقلون من نظام متشدد، إلى سلوك غذائي، قد يفتقر إلى التنوع والعناصر الأساسية.

أكد المختص، أن سبب خلق هذا النظام الجديد لكل هذه الضجة، له خلفيات عديدة، وواحدة منها أنه برنامج فيه نوع من إرضاء الكسل الذي قد يصاحب الفرد، عند تحضيره لأكل صحي، أو حتى أنه يشبع رغبة النفس في أكل كل ما هو غير صحي، الذي يكون عادة يتميز بلذة وطعم فريد، كالسكريات أو البطاطس المقلية أو شكولاطة الطلاء، وغيرها من المواد، وعليه نفسيا، الإنسان يستهلك سريعا كل معلومة تتوافق مع رغباته، ويميل إلى كل من يغذي نزواته مهما كانت. 

نبه خبير التغذية إلى نقطة بالغة الأهمية، تتعلق بالمرضى المزمنين، الذين يتابعون هذه البرامج عبر الأنترنت دون إشراف طبي، إذ أكد أن الغذاء عنصر أساسي في تحسين الصحة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلا مباشرا لأي علاج، يكون موصوفا من طبيب، خاصة لدى مرضى السكري وارتفاع الضغط وأمراض القلب، والغدة وغيرها، وقال إن أي نصيحة تدعو إلى التوقف عن الدواء أو تعديل الجرعات دون متابعة طبية، قد تعرض المريض لمضاعفات خطيرة يصعب تداركها لاحقا.