شباب طيف التوحد بالبليدة يرفعون التحدي:
نحن موجودون.. وعازمون على الاعتماد على أنفسنا
- 135
رشيدة بلال
يسعى الشباب المصابون بطيف التوحد بولاية البليدة ـ في التفاتة رمزية ـ إلى إثبات وجودهم وقدرتهم على الاندماج في المجتمع، عبر التحضير لمجموعة من التحف الفنية المعَدة من الفخار؛ تحسبا للمشاركة بها في اليوم العالمي للمصابين بالتوحد شهر أفريل المقبل، وكلهم أمل في أن تجد هذه التحف الفنية التزيينية من يقتنيها خلال معرض مشغولاتهم اليدوية التي لا يهدفون من ورائها سوى لإيصال رسالة واحدة: "نحن موجودون، ولدينا قدرات، وعازمون على الاعتماد على أنفسنا".
في ورشة صغيرة اجتمع عدد من الشباب المصابين بطيف التوحد، لتشكيل نماذج مختلفة من الطين، حيث اختار كل واحد منهم شكلاً ليصنعه، تحت إشراف مؤطرين مختصين، يوجهونهم في كيفية التحكم في العجينة، وصناعة أشكال متنوعة، خاصة أن هؤلاء الشباب تلقوا تكوينًا في تخصص السيراميك على مستوى مراكز التكوين المهني.
ورغم امتلاكهم المهارات إلا أنهم لم يجدوا فضاءً لممارسة نشاطهم سوى زاوية صغيرة داخل مقر الجمعية، فتحت لهم أبوابها؛ تفاديًا لتهميشهم أو فقدانهم لما اكتسبوه من مهارات، وحرصًا على إبقاء ارتباطهم بالمجتمع قائمًا. ويبقى أملهم الأكبر أن يأتي اليوم الذي يتوفر لهم فيه فضاء مخصص لممارسة حرفة السيراميك، وعرض إنتاجهم في معارض تُمكّنهم من تحقيق قدر من الاستقلالية المالية.
وحسب رشيد رحال والد شاب توحدي والمشرف على الورشة، فإن تكليف البالغين من المصابين بطيف التوحد بتحضير تحف تزيينية تحسبا للمشاركة في اليوم العالمي للمصابين بطيف التوحد، يُعد تقليدًا اعتاد عليه الشباب المصابون بطيف التوحد منذ سنوات. ويهدف، من جهة، إلى لفت الانتباه إلى هذه الفئة، وإبراز ما يمكنها إنجازه.
ومن جهة أخرى، يهدف إلى الحفاظ على المهارات التي اكتسبتها على مستوى مراكز التكوين المهني؛ حتى لا تضيع، خاصة أن هذه الفئة بعد انتهاء فترة التربص، لا تجد مكانًا تحتضن فيه قدراتها في ظل غياب الفضاءات المخصصة لها بعد بلوغ سن 18. وأضاف رحال أن هذا الوضع دفع بهم إلى التفكير في تخصيص فضاء داخل مقر جمعية تُعنى بهذه الشريحة، والاستثمار في الإمكانيات القليلة المتوفرة لديها، من أجل توفير بعض المعدات التي تساعد هذه الفئة على ممارسة أنشطة مختلفة بما يضمن بقاءها حاضرة، وفاعلة.
وأوضح أن فكرة صناعة تحف فنية جاءت لشغل هؤلاء الشباب، وتمكينهم من التعريف بقدراتهم، خاصة أنهم تلقوا تكوينًا في حرفة السيراميك التي تُعد من أكثر الحرف تفاعلاً مع المصابين بطيف التوحد؛ لاعتمادها على التفاعل اليدوي مع الطين، والتركيز في تشكيل الأشكال، وهو ما ساهم في اندماج عدد كبير منهم، وحقق لهم تقدمًا على المستوى العلاجي، فضلًا عن كسر الروتين اليومي خاصة من فئة البالغين.
وحسبه، فإن الفضاء الذي تم إنشاؤه داخل الجمعية تحت اسم "فضاء التأهيل ما قبل التكوين المهني" ، يُعد خطوة أولى، مع التطلع في المستقبل القريب، إلى إنشاء مركز للمساعدة على العمل، يستقطب الشباب البالغين المصابين بطيف التوحد، ليكون بمثابة ملجأ آمن، يمارسون فيه ما تعلَّموه من أنشطة بدل بقائهم في المنازل دون توجيه.
وأشار إلى أن المصاب بطيف التوحد يكون قطع مسيرة طويلة من المتابعة والعلاج منذ سن مبكرة، تشمل حصص الأرطفونيا، والمتابعة النفسية، إلى غاية بلوغ سن الرشد، والاستفادة من التكوين. ومن غير المقبول أن تذهب كل هذه الجهود سدى بعد سن 18. ويتمنى رحال أن تستجيب السلطات المحلية لمطلبهم؛ بمنحهم فضاءً يُحوَّل إلى مركز يستقطب الشباب المصابين بطيف التوحد. ويضمن مرافقتهم، ومتابعتهم بما يسمح لهم بالاندماج في المجتمع من خلال ما اكتسبوه من مهارات. كما عبّر رحال عن أمله في أن تحظى التحف التزيينية المعَدة من طرفهم، بالاهتمام، والترويج، خاصة أنهم يعتزمون المشاركة بها في معرض يُنتظر تنظيمه مطلع شهر أفريل المقبل تزامنًا مع اليوم العالمي للتوحد.
يُذكر أن ولاية البليدة تسجل ارتفاعا متزايدا في عدد المصابين بطيف التوحد. ولا يقتصر العدد على المسجلين بالمراكز المتخصصة أو الجمعيات، بل توجد أعداد أخرى تعيش العزلة والتهميش داخل المنازل؛ ما يعني أن تخصيص فضاء كمركز مساعد على العمل، من شأنه أن يمنح هذه الفئة فرصة حقيقية لتحقيق الاستقلالية المالية، والاندماج الفعلي في المجتمع.