سحر الطبيعة في البيوت العنابية
نباتات الزينة تنبض بالحياة في الشرفات والأحواش
- 180
سميرة عوام
تعتبر مدينة عنابة، واحدة من أبرز المدن التي تجمع بين جمال البحر وتاريخ العصور وعبق الشوارع المتلاصقة، وتزين بأبهى اللوحات وكذلك نباتات الزينة، خاصة القرنفل والحبق والورود بمختلف أنواعها، وفي وسط هذا الانسجام الرائع، تجد أن العائلات العنابية تولي اهتماما كبيرا في تزيين المنازل، الشرفات والأحواش الداخلية، حيث تحولت النباتات والزهور إلى جزء أساسي من شكل البيت العنابي، سواء كان شقة عصرية في عمارة حديثة، أو بيتا شعبيا تقليديا قديما.
حين تمشي في أحياء عنابة القديمة والجديدة، تفاجئك تلك المناظر الجميلة التي تصنعها الشرفات المطلة على الشوارع، وكأن كل بيت يتنافس مع جاره في إظهار أجمل حلة طبيعية. لا تقتصر زينة البيوت العنابية على الديكورات الجامدة، بل تتعداها لتستنشق الهواء الطلق في الشرفات الواسعة والنوافذ المزينة بالزهور. أما في البيوت الشعبية ذات "الحوش" والفناء الكبير، فتأخذ النباتات طابعا تقليديا دافئا؛ حيث تعلق صواني نباتات الزينة وسلال الزهور بعناية في أرجاء الحوش، لتتدلى منها أغصان خضراء وأزهار ملونة تضفي على المكان فرحة وهدوء، مانحة إياه حياة ونشاطا دائمين.
باقة ورود عطرة إلى أعشاب طبية وغذائية
تقبل العائلات العنابية، خاصة الأمهات وربات البيوت، على شراء أنواع كثيرة ومتنوعة من النباتات التي تملأ البيت عطرا وألوانا زاهية. وفي مقدمة هذه النباتات، نجد "القرنفل" بألوانه الجميلة، و"الورد الجوري” المعروف برائحته الطيبة، إضافة إلى “الياسمين” الذي يعد رمزا قديما من رموز الأصالة في عنابة، والذي تعبق روائحه الطيبة في الأمسيات الصيفية والربيعية عبر الشرفات المفتوحة.
ولا تتوقف المقتنيات عند الزهور العطرية وحدها، بل تشمل أيضا نباتات الزينة، مثل “الصبار” بمختلف أنواعه، لسهولة العناية به، فضلا عن النباتات التي لا تخلو منها أي دار عنابية، مثل "الحبق" (الريحان) والنعناع الطري؛ فهذه الأخيرة لا تفيد سكان المنطقة فقط في إعداد الشاي أو تعطير المجالس، بل تضفي لونا أخضر مريحا للعين، وتطرد الحشرات برائحتها القوية، مما يجعل البيت العنابي واحة صغيرة تجمع بين الجمال والفوائد الكثيرة.
للمرأة العنابية ذوق واختيارات موسمية مدروسة
تلعب المرأة العنابية دورا أساسيا في المحافظة على هذه الثقافة الخضراء. فالمرأة هنا معروفة بحبها الكبير للنباتات وحرصها الدائم على سقيها والعناية بها بمحبة، كأنها جزء من أفراد العائلة. ونتيجة لهذا الإقبال الكبير، تحرص أسواق النباتات والمشاتل المحلية في عنابة، على توفير شتلات جديدة، تناسب كل فصل من فصول السنة. فهناك نباتات وزهور خاصة بفصلي الشتاء والربيع، تضفي الدفء والحيوية، وأخرى تناسب فصل الخريف وأجواءه الهادئة. هذه الشتلات الموسمية تشهد إقبالا كبيرا من الزبائن، الذين يبحثون دائما عن كل جديد، لتجديد بيوتهم، مما يخلق حركة تجارية واجتماعية نشطة حول أسواق ومحلات بيع الزهور والنباتات في كل أنحاء الولاية.
اقتناء النباتات فرصة للتخلي عن البلاستيك
في الآونة الأخيرة، يلاحظ أن تجارة نباتات الزينة انتعشت بشكل كبير، وتحولت إلى نشاط تجاري مهم، يسترزق منه الكثير من الشباب والباعة في مدينة عنابة. فقد تنوعت طرق بيع وتسويق الورود والزهور بمختلف أنواعها بشكل يلفت الانتباه، والأجمل من ذلك، أن العائلات أصبحت تقبل على اقتناء النباتات الطبيعية وتفضلها كثيرا على تلك المصنوعة من البلاستيك، حيث بدأت تستغني تدريجيا عن الزهور البلاستيكية، لتزين بها بيوتها وشرفاتها بنباتات حية تنبض بالحياة والطاقة الإيجابية.
نباتات الزينة مورد رزق
على الصعيد التجاري، شهد بيع نباتات الزينة في عنابة رواجا كبيرا، بسبب رغبة الأسر المستمرة في تحسين بيوتهم وتخفيف تعب الحياة اليومية. وتتفاوت الأسعار حسب نوع النبتة وحجمها ومدى ندرتها؛ حيث يتراوح سعر النبتة الخاصة أو الشتلة، ما بين ألف إلى خمسة آلاف دينار جزائري. وهي أسعار تراها العائلات مناسبة واستثمارا ناجحا، نظرا للجمال والراحة النفسية الكبيرة التي تضفيها هذه النباتات على البيت، فضلاً عن دورها في تنقية الهواء ونشر الطاقة الإيجابية في المكان.
النباتات المنزلية.. راحة نفسية واستقرار
كما تتسأل الكثير من العائلات العنابية أحيانا، عن قدرة النباتات على تغيير البيوت وجعلها أكثر راحة وهدوء، فإن الحياة اليومية في عنابة، تؤكد بوضوح، أن الطبيعة المنزلية هي أفضل دواء للتخلص من التعب وضغوط الشارع. إن الاهتمام بسقي النباتات ومراقبة نموها كل يوم، يمنح أفراد العائلة شعورا بالهدوء والراحة النفسية، ويحول جدران البيت الصامتة إلى مساحات دافئة مليئة بالحياة، مما ينعكس إيجابا على صحة الإنسان وسعادته في بيته. بهذه اللمسات الخضراء البسيطة والمتجددة، تظل عنابة تبهرنا بحب أهلها للطبيعة، محولة كل ركن في بيوتها وشرفاتها إلى لوحة جميلة، تنطق بالأصالة والراحة النفسية الدائمة.