اقتصاد الدخول الاجتماعي
مهن تستعيد أنفاسها بعد أشهر من الركود
- 186
ربورتاج: نور الهدى بوطيبة
لا يبدأ الدخول الاجتماعي بالنسبة للعائلات الجزائرية من أبواب المدارس فقط، بل يبدأ قبل ذلك بأسابيع، من الأسواق ومحلات الألبسة وورشات الخياطة ومحلات إصلاح الأحذية والحقائب والمكتبات ونقاط بيع الأدوات المدرسية، حيث تتحول قائمة المستلزمات التي يحملها الأولياء، إلى مصدر رزق مؤقت لعدد من أصحاب المهن والحرف، التي لا تعرف الحركة نفسها طوال السنة، فتعود آلات الخياطة إلى العمل بكثافة، وتمتلئ محلات إصلاح الأحذية والحقائب بالزبائن، وتنتعش تجارة الكتب المستعملة والطباعة والتغليف، بينما تتحول محلات الأدوات المدرسية إلى وجهة شبه يومية للعائلات، قبل أن تهدأ الحركة تدريجيا، مع استقرار الموسم الدراسي، هذا النشاط الموسمي يكشف جانبا آخر من اقتصاد الدخول الاجتماعي، وهو اقتصاد لا يقاس فقط بحجم ما تنفقه الأسر، وإنما أيضا بعدد المهن التي تستفيد من تركيز هذا الإنفاق في فترة زمنية قصيرة.
لا تتوقف حركة الدخول الاجتماعي عند المحلات التي تبيع المستلزمات الجديدة، بل تمتد إلى مهن أخرى، قد لا تحظى بالحركة نفسها خلال باقي أشهر السنة، لكنها تستعيد نشاطها بقوة، كلما اقترب موعد العودة إلى المدارس، فاحتياجات الأسر لا تنحصر في شراء ما هو جديد، وإنما تفتح المجال أيضا أمام الإصلاح وإعادة الاستعمال والتعديل، وهو ما يمنح عددا من الحرفيين، موسما قصيرا، لكنه مكثف، تتضاعف خلاله طلبات الزبائن، مقارنة بالفترات الهادئة من السنة، ومن بين أكثر هذه المهن استفادة من هذه الفترة، الخياطة التي تتحول ورشاتها قبل الدخول المدرسي، إلى نقاط تستقبل طلبات تعديل الملابس والمآزر، وإعادة تهيئة ما يمكن استعماله من جديد، في محاولة الأسر الجمع بين تلبية احتياجات أبنائها، والتحكم في فاتورة الدخول الاجتماعي.
ورشات الخياطة أكبر مستفيد
إن الخياطة من أكثر المهن التي تستفيد من ضغط الوقت الذي يرافق الدخول المدرسي، فالكثير من العائلات لا تكتفي بشراء الملابس الجاهزة، بل تلجأ إلى الخياط لتقصير سروال، أو تعديل مئزر، أو توسيع قطعة ملابس، أو إصلاح زي قديم، حتى يصبح صالح لموسم جديد، كما تلجأ بعض الأسر إلى تفصيل قطع محددة، عندما يكون شراء بديل جديد أكثر تكلفة، وتزداد أهمية هذه الخدمة بالنسبة للعائلات التي لديها أكثر من طفل، في هذا الصدد، قال إدير، حرفي في ترقيع الملابس، إن مهنته تعرف الركود في موسم الصيف، ما يجعله يستغل ذلك الهدوء للخروج في عطلة سنوية، قبل الانطلاقة، قبل أسابيع من الدخول بقوة، مشيرا إلى أن إعادة استعمال بعض الملابس أو تعديلها، تصبح وسيلة لتوزيع النفقات بالنسبة للعائلة، بدل تحمل فاتورة جديدة كاملة، وهنا تتحول الخياطة من مهنة هادئة، خلال فترات من السنة، إلى ورشة مزدحمة في الأسابيع التي تسبق الدخول، قبل أن يتراجع الطلب بشكل ملحوظ، بعد استقرار التلاميذ في مقاعد الدراسة.
الإسكافي... حين تستعيد الأحذية القديمة بريقها
يمثل الحذاء المدرسي بدوره، مساحة أخرى لإعادة تنشيط مهنة الإسكافي، فمع اقتراب الدخول المدرسي، تُخرج الأحذية القديمة من الخزائن لتخضع للفحص والإصلاح، كاستبدال النعل، أو إصلاح الخياطة، أو معالجة الأجزاء المتضررة، خاصة عندما يكون الحذاء قابلا للاستعمال من جديد، ويبدو هذا النشاط بسيطا في ظاهره، لكنه يعكس سلوكا اقتصاديا مهما، وهو محاولة الأسر تمديد عمر السلع، بدل استبدالها، فالإصلاح يصبح في بعض الحالات، بديلا عن الشراء، ويمنح الحرفي في المقابل موسما من الطلب، بينما تعود وتيرة العمل إلى مستويات أقل خلال أشهر السنة، خصوصا في الصيف، عندما يقل ارتباط الأسر بالزي المدرسي والأحذية المخصصة للدراسة.
كما أن الحقيبة المدرسية القديمة، تصبح هي الأخرى جزءا من اقتصاد الدخول الاجتماعي، فبدل التخلص منها بمجرد ظهور تمزق، أو تلف في السحاب، أو الحزام، تتوجه بعض العائلات إلى محلات الإصلاح لإعادة استعمالها، خاصة عندما تكون الحقيبة نفسها صالحة من حيث الحجم والجودة، هذه المهنة تستفيد من سلوك اقتصادي واضح، وهو البحث عن أقل تكلفة ممكنة للحصول على نتيجة عملية، لذلك يظهر الطلب على إصلاح الحقائب في الفترة التي تسبق الدخول، ثم يتراجع لاحقا، لأن معظم الأسر تكون قد حسمت خياراتها، إما بشراء حقيبة جديدة، أو إعادة تجهيز القديمة.
الكتب المستعملة... حينما تعود الطبعات القديمة إلى الحياة
من المهن التي تستفيد هي الأخرى بشكل واضح من الدخول المدرسي؛ تجارة الكتب المستعملة، فمع ارتفاع عدد المستلزمات التي تحتاجها الأسرة، يصبح الكتاب الذي سبق أن استعمله تلميذ آخر، خيارا بالنسبة لبعض الأولياء الراغبين في تقليص الفاتورة، هذا ما أجمع عليه عدد من الأولياء الذين حدثتهم "المساء"، خصوصا عندما تكون حالة الكتاب جيدة ويمكن استعماله لموسم دراسي كامل، وهنا لا يتحرك السوق فقط بمنطق البيع والشراء، وإنما بمنطق إعادة تدوير السلعة، فالكتاب ينتقل من أسرة إلى أخرى، بدل أن ينتهي دوره بعد سنة واحدة، وهو ما يفسر عودة الحركة إلى الباعة المتخصصين في الكتب المستعملة خلال هذه الفترة، في جولة قادت "المساء"، إلى شارع ديدوش مراد، داخل أحد المكاتب الخاصة ببيع الكتب الخارجية المستعملة، أكد صاحب المحل أن تجارته تعرف هي الأخرى ركودا تاما خلال فصل صيف، وتعود للحياة مرة أخرى مع اقتراب الدخول الاجتماعي، قبل أن تتراجع المبيعات بعد انتهاء موجة الاقتناء الأولى، لتبلغ الذروة قبل أسابيع من موعد الامتحانات، مشيرا إلى أن السوق تبقى مرتبطة أساسا بتغير الكتب والبرامج وحاجات التلاميذ، وهذا أمر طبيعي لبعض التجارات الموسمية.
الطباعة والتغليف... خدمة صغيرة في موسم كبير
كما تستفيد محلات الطباعة والنسخ والتغليف من الدخول المدرسي، سواء من خلال طباعة الوثائق والملصقات والواجبات، أو تغليف الكتب والكراريس وترتيب المستلزمات المدرسية، وهي خدمات قد تبدو محدودة القيمة بالنسبة للزبون، لكنها تصبح مصدرا لحركة متكررة، عندما تتزامن طلبات عدد كبير من الأسر في فترة قصيرة، ويتميز هذا النشاط بأنه لا يحتاج إلى موسم طويل حتى يظهر أثره، فالطلب يتجمع خلال أيام أو أسابيع، وهو ما يمنح أصحاب هذه المحلات دفعة مؤقتة، بعد أشهر صيفية تكون فيها الحركة في بعض الخدمات المرتبطة بالمدرسة أضعف بكثير، مثلما هو الحال كذلك بالنسبة لمحلات الأدوات المدرسية التي تعيش ذروة الموسم بشكل أوضح، فمع اقتراب الدخول، تتحول الأقلام والدفاتر والمحافظ والمقالم وأدوات الهندسة وغيرها، إلى سلع مطلوبة في وقت واحد، وتظهر الحركة في المحلات ونقاط البيع والأسواق المتخصصة، ولا تقتصر هذه الحركة على شراء الأدوات الأساسية فقط، بل تشمل أيضا المحافظ والمآزر والملابس والكتب، وغيرها من المستلزمات التي تحتاجها الأسرة مع بداية الموسم، وهو ما يجعل هذه الفترة واحدة من أكثر الفترات نشاطا بالنسبة لأصحاب المكتبات ومحلات الأدوات المدرسية، وتدفع طبيعة الموسم التجار إلى رفع حجم المخزون، قبل أسابيع من الدخول، لتتواصل إلى أيام بعده، بعد أن يتم تحديد القائمة النهائية لحاجيات الدراسة، كما تظهر المنافسة بين نقاط البيع، من خلال العروض والتخفيضات، في محاولة لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الأسر خلال فترة محدودة.
الإنفاق الموسمي يحرك السلسلة الاقتصادية
في تفسيره لهذا الانتعاش الموسمي، يقول أستاذ الاقتصاد، فريد بريش، إن الدخول الاجتماعي يمكن اعتباره موسما اقتصاديا قائما بذاته، بالنظر إلى تركز حجم كبير من الطلب في فترة زمنية قصيرة، موضحا أن الأسر تتجه في هذه المرحلة، إلى اقتناء مجموعة واسعة من السلع والخدمات في وقت واحد، من الأدوات المدرسية والملابس والكتب، إلى إصلاح الأحذية والحقائب والخياطة والطباعة والتغليف، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في الطلب على مهن، تكون حركتها محدودة خلال فترات أخرى من السنة، مشيرا إلى أن هذا الانتعاش لا يأتي من زيادة عدد المستهلكين فقط، وإنما من تركز الإنفاق نفسه في فترة قصيرة، إذ تقوم الأسر بتجميع جزء معتبر من مشترياتها واحتياجاتها المرتبطة بالدخول في أسابيع محددة، ما يدفع التجار إلى رفع حجم التموين، ويدفع الحرفيين إلى استقبال عدد أكبر من الزبائن، قبل أن تتراجع وتيرة النشاط بعد استكمال الاحتياجات الأساسية، خاصة خلال فصل الصيف، عندما تتحول أولويات الإنفاق الأسري نحو مجالات أخرى، ويؤكد بريش، أن الإقبال على إصلاح الملابس والأحذية والحقائب، إلى جانب اللجوء إلى الكتب والسلع المستعملة، يعكس بدوره سلوكا اقتصاديا لدى الأسر، يقوم على ترشيد النفقات وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة، فبدل استبدال كل المستلزمات بمنتجات جديدة، تلجأ بعض العائلات إلى إصلاح ما يمكن إصلاحه، أو شراء المستعمل عندما يكون صالحا للاستعمال، وهو ما يسمح بخفض تكلفة الدخول وتوزيع النفقات بشكل أفضل، خاصة لدى الأسر التي لديها أكثر من طفل متمدرس.
في المقابل، يضيف، فإن هذا السلوك يخلق دخلا إضافيا للحرفيين وأصحاب المهن الصغيرة، لأن ارتفاع الطلب على الإصلاح والسلع المستعملة، يعني ارتفاع عدد العمليات والخدمات التي يقدمونها خلال الموسم، غير أن بريش يوضح أن ارتفاع رقم المعاملات في هذه الفترة، لا يعني بالضرورة أن الأرباح السنوية ترتفع بالوتيرة نفسها، لأن هذه المهن تظل مرتبطة بطبيعة موسمية، بالتالي فإن المداخيل التي تتحقق خلال أسابيع الدخول، تساعد أصحابها على تغطية المصاريف وتعويض جزء من فترات الركود التي يعرفونها في بقية أيام السنة، ليصبح الدخول الاجتماعي بذلك، دورة اقتصادية قصيرة، تنتقل فيها نفقات الأسر من الاستهلاك إلى التجارة والخدمات والحرف، وتخلق حركة مؤقتة تمتد آثارها إلى عدد من الأنشطة المرتبطة بها.