مؤونة طبيعية لمواجهة برد الشريعة

من تجفيف العجائن وتصبير الخضروات إلى تخزين "عولة الشتاء"

من تجفيف العجائن وتصبير الخضروات إلى تخزين "عولة الشتاء"
  • 180
رشيدة بلال رشيدة بلال

لا يزال سكان المناطق الجبلية بولاية البليدة، متمسكون بجملة من العادات والتقاليد المتوارثة المرتبطة بتخزين الأغذية، وتحضير ما يعرف بـ«عولة الشتاء”، التي تشكل جزءا من الموروث الغذائي المحلي، وتعكس ارتباط المرأة الريفية بالطبيعة، وحرصها على الاستفادة من خيرات الأرض، فعلى الرغم من التطور الذي شهدته الحياة اليومية، وتوفر مختلف المواد الغذائية بالمحلات التجارية، لا تزال هذه الممارسات حاضرة في العديد من البيوت، انطلاقا من الرغبة في الحفاظ على العادات الأصيلة والبحث عن غذاء طبيعي وصحي، فضلا عن الاستعداد لفصل الشتاء، وما يصاحبه من تقلبات جوية، قد تعزل بعض المناطق الجبلية.

تحدثت الحرفية فاطمة الزهراء خداوي، من سكان مرتفعات الشريعة، على هامش مشاركتها مؤخرا، في معرض بمرتفعات الشريعة، حول تقاليد المرأة الريفية الجبلية، عن جملة من التحضيرات التي لا تزال المرأة البليدية، المرتبطة بموسم الشتاء، خاصة بالمناطق الريفية والجبلية، تحرص على القيام بها خلال فصل الصيف، مؤكدة أهمية تعليم هذه الممارسات للأجيال الصاعدة، حتى تبقى طرق التخزين والتصبير التقليدية حاضرة ومتوارثة، باعتبارها جزءا من الهوية الغذائية والثقافية للمنطقة.

أوضحت المتحدثة، أن التحضيرات تشمل مختلف أنواع العجائن والخضروات والفواكه، حيث تحرص المرأة الجبلية على إعداد عدد من العجائن التقليدية، على غرار "البركوكس" و"مقرون لعمى" و"الكسكسي"، خلال فصل الصيف، حتى يتم تجفيفها تحت أشعة الشمس وتخزينها تحسبا لفصل الشتاء. وبمجرد اقتراب موسم البرد، تكون المؤونة قد أصبحت جاهزة للاستعمال، بما يسمح بتوفير احتياجات الأسرة من هذه المواد، على مدار الأشهر الباردة، دون الحاجة للخروج من المنزل.

ولا تقتصر هذه العادات على تحضير العجائن، بل تمتد إلى تصبير مختلف أنواع الخضروات التي تعرف وفرة خلال فصل الصيف، وفي مقدمتها بعض أنواع الفلفل والزيتون والخيار، إلى جانب إعداد "درسة الفلفل الأحمر"، وتصبير الفاصولياء الخضراء وتجفيف الطماطم، وهي ممارسات، حسبها، تتيح للمرأة الاستفادة من فائض الإنتاج الموسمي، والمحافظة على هذه المواد الغذائية، لاستهلاكها خلال الفترات التي يقل فيها توفرها.

المؤونة لمواجهة عزلة الشتاء بالمناطق الجبلية

حسب الحرفية فاطمة الزهراء خداوي، فإن تمسك نساء مرتفعات الشريعة بتحضير "عولة الشتاء"، لا يرتبط فقط بالرغبة في الحفاظ على التقاليد، أو البحث عن المنتجات الطبيعية، بل تفرضه أيضا خصوصية الحياة في المناطق الجبلية، التي قد تعرف عزلة مؤقتة، بسبب التساقط الغزير للأمطار أو الثلوج، ما يجعل مغادرة المنزل والتوجه إلى المحلات التجارية أمرا صعبا في بعض الأحيان.

وأشارت، إلى أن تخزين مختلف أنواع العجائن والخضروات المصبرة، يضمن للعائلات توفير احتياجاتها الغذائية في هذه الفترات، ويمنحها إمكانية تحضير وجبات متنوعة، اعتمادا على ما تم إعداده وتخزينه مسبقا، وهو ما يعكس خبرة المرأة الجبلية في تدبير شؤون المنزل، والتكيف مع الظروف المناخية التي تميز المنطقة.

وأضافت المتحدثة، أن الإقبال على هذه المنتجات لم يعد مقتصرا على سكان المناطق الجبلية، بل امتد ليشمل سكان المناطق الحضرية، الذين يقصدون الحرفيات، لطلب كميات من العجائن التقليدية والمصبرات، خاصة منها الطماطم و"درسة الفلفل الأحمر"، في ظل تنامي الاهتمام بالغذاء الطبيعي والبحث عن المنتجات المحضرة بطرق تقليدية، بعيدا عن بعض المنتجات الصناعية. ومن بين الأكلات التي تحظى بمكانة خاصة ضمن الموروث الغذائي المحلي، ذكرت الحرفية طبق “الحمامة”، الذي أولته اهتماما متزايدا في السنوات الأخيرة، من خلال العمل على تحضيره بكميات أكبر، استجابة للطلب عليه، بالنظر إلى مكانته لدى سكان البليدة، خاصة في المناطق الجبلية.

يعد هذا الطبق، حسب المتحدثة، من الأطباق المرتبطة بمواجهة برودة الطقس في مرتفعات الشريعة، إذ يحضر باستعمال مزيج من الأعشاب التي يزيد عددها عن 100 عشبة طبية وعطرية، ما يجعله من الوصفات التقليدية التي تعكس ثراء الغطاء النباتي بالمنطقة، والمعرفة المتوارثة لدى نسائها في استعمال النباتات المحلية.

ولم تكتف الحرفية بالمحافظة على طريقة إعداد الطبق، بل اجتهدت في السنوات الأخيرة، في تطوير طريقة تقديمه، من خلال تحضير مشروب خاص يرافقه، يعتمد على مستخلصات الأعشاب التي يتم طحنها واستخلاص زيوتها، قبل مزجها بالعسل والسكر القندلي، بهدف تقديمه بديلا عن السكر العادي. وتندرج هذه المبادرة، وفق المتحدثة، ضمن مساعيها إلى تثمين المنتجات المحلية وتقديمها بطريقة تحافظ على خصوصيتها التقليدية، مع الاستجابة لتطلعات المستهلكين الباحثين عن المنتجات الطبيعية، بما يفتح المجال أمام تثمين المعارف المحلية المرتبطة بالنباتات العطرية وطرق استعمالها.

فتح فضاء لتعليم الحرف التقليدية الجبلية ضرورة

في ظل تعزيز العرض السياحي بمرتفعات الشريعة، لاسيما مع دخول فندق جديد حيز الخدمة والتوجه نحو تشجيع صيغة الإقامة لدى السكان، تأمل الحرفية فاطمة الزهراء خداوي، أن تحظى الحرفيات بالمنطقة، بمرافقة أكبر من طرف غرفة الصناعة التقليدية والحرف، من خلال فتح فرع أو فضاء متخصص في تعليم الحرف، التي تشتهر بها البليدة.

وترى المتحدثة، أن إنشاء مثل هذا الفضاء، من شأنه أن يوفر فرصة للراغبات في تعلم المهن التقليدية الأصيلة، خاصة ما تعلق بتحضير مختلف أنواع العجائن وتصبير المنتجات الزراعية، التي تجود بها أرض المنطقة، بما يسمح بالحفاظ على المهارات المتوارثة، ونقلها إلى الأجيال الجديدة، إلى جانب تشجيع النساء على تطوير نشاطاتهم الحرفية وتحويل خبراتهم إلى مصدر للدخل. كما يمكن أن يشكل هذا الفضاء، حسب تطلعاتها، محطة للتعريف بالموروث الغذائي المحلي، وتثمين المنتجات التي تشتهر بها البليدة، لاسيما في ظل المساعي الرامية إلى تنويع العرض السياحي، واستغلال المؤهلات الطبيعية والثقافية التي تزخر بها المنطقة.

وبين الحفاظ على المؤونة الشتوية وتطوير المنتجات التقليدية والاستجابة لطلب المستهلكين، تواصل المرأة الجبلية بالبليدة، تختم الحرفية فاطمة الزهراء، بالتأكيد على أهمية التمسك بعادات غذائية ضاربة في عمق الذاكرة المحلية، في مسعى يجمع بين صون الموروث الشعبي والاستفادة من خيرات الطبيعة، مع التطلع إلى جعل هذه الحرف رافدا من روافد النشاط الاقتصادي والسياحي بالمنطقة.