بسبب غلاء المواشي

مصارعة "الرقدة" تغيب عن ساحات عنابة

مصارعة "الرقدة" تغيب عن ساحات عنابة
  • 240
سميرة عوام سميرة عوام

تتغير ملامح استقبال عيد الأضحى في ولاية عنابة بشكل جذري، حيث فرض الواقع الاقتصادي الراهن قيودا جديدة، أدت إلى تراجع عادات شعبية كانت لسنوات طويلة تميز "بونة" عن غيرها من الولايات المجاورة. فبعدما كانت أحياء المدينة العتيقة كـ "بلاص دارم" و "لاكولون" و«جبانة ليهود" تتحول إلى ساحات مفتوحة لمصارعة الكباش، غابت هذه المظاهر بشكل شبه كلي، ولم تعد حاضرة إلا في أحياء سكنية قليلة جدا، وبشكل محتشم، لا يعكس صخب الماضي الجميل. 

هذا الغياب يعود أساسا إلى الارتفاع الكبير في أسعار الماشية بأسواق الجملة والتجزئة، حيث أصبح الكبش ذو القرنين القوي الذي كان يطلَق عليه محليا اسم "رقدة"، يتطلب ميزانية ضخمة تفوق قدرة المواطن البسيط؛ ما جعل التباهي بقوة الكباش ومبارزتها غير متاح للشباب الهاوين كما في السابق، بل صار يُنظر إليه في كثير من الأوساط الشعبية، كنوع من إهدار المال، الذي كان الأجدر أن يوجه لتأمين أساسيات العيد، ومتطلبات العائلة الضرورية في ظل هذه الظروف الصعبة. ولم يتوقف تأثير غلاء الأسعار عند حدود غياب لعبة المصارعة التقليدية، بل امتد ليشمل ثقافة الاقتناء الفردي للأضاحي التي كانت تميز العائلات العنابية الأصيلة، وتُبهِج الصغار. 

ففي الماضي القريب، كانت العائلات الميسورة تحرص على شراء الكبش الأقرن المهيب، بينما كانت العائلات الأقل دخلا تشتري الأنثى من الغنم أو ما يُعرف بـ "المنانة" ؛ كحل بديل، يضمن لها ذبح الأضحية بستر، ودون تكاليف باهظة، مع الحرص الشديد على إخفائها عن أعين الجيران حتى صبيحة يوم العيد؛ لتجنب الإحراج الاجتماعي، أو الشعور بالنقص المرتبط بعدم القدرة على شراء ذَكر الماشية القوي المكتمل.

أما اليوم وأمام تراجع القدرة الشرائية، فقد فرض الغلاء نمطا استهلاكيا وتضامنيا جديدا، يتمثل في ظاهرة "النفقة". وهي عملية تقنية واجتماعية يشترك فيها مجموعة من الجيران أو الأقارب، لشراء عجل كبير، وتقاسم ثمنه الإجمالي ولحمه بالتساوي، ما يعكس تحولا جذريا في العقلية العنابية من الانفراد بالذبيحة والمفاخرة بها، إلى التشارك الجماعي المنظم؛ لتجاوز العقبات المادية الصعبة التي تواجه العائلات حتى الميسورة منها.

وتعكس ظاهرة الاشتراك في شراء العجل روح التضامن الإنساني، التي لاتزال تسري في عروق المجتمع العنابي رغم تبدل الظروف القاسية، حيث يجد الناس في هذه الطريقة حلا يتماشى والشرع والظروف الإجتماعية؛ ما يضمن لكل بيت حصته الوافرة من اللحم دون الحاجة إلى دفع مبالغ خيالية في كبش واحد، قد يفوق سعره قدرة الموظف البسيط بمراحل كبيرة جدا.

وأصبحت ساحات الأحياء التي كانت تهتف في الماضي، لانتصار كبش على آخر في حلبات "النطاح" والمبارزة، تشهد، اليوم، اجتماعات تنسيقية بين الجيران لترتيب تفاصيل "النفقة" من حيث اختيار رأس الماشية المناسب من المزارع البعيدة، وتقسيم الأجزاء بالعدل صبيحة العيد، وهو ما يعزز الروابط الاجتماعية بطريقة عملية، تتناسب مع المعطيات الاقتصادية الحالية. ورغم أن هذا التحول أفرغ الشوارع من بعض المظاهر الفلكلورية المرتبطة بقرون الكباش الملتوية، إلا أنه كرس في المقابل، قيم التآزر والتعاون الجماعي في مواجهة الأزمات المعيشية، ما يثبت أن جوهر العيد في عنابة هو اللمة الدافئة، والستر الاجتماعي الدائم.

لقد تراجعت الرغبة في المباهاة بـ "الرقدة" أمام ضرورة الحفاظ على التوازن المالي الحساس للأسرة، وأصبحت "المنانة" نفسها صعبة المنال للكثيرين، بسبب التهاب الأسواق المتكرر، ما جعل خيار العجل المشترك هو الأكثر واقعية وانتشارا في الأحياء الحديثة والقديمة على حد سواء. وحتى إن اختفت تلك القرون الطويلة من أزقة المدينة العتيقة وحلت محلها إجراءات التنظيم الجماعي للذبيحة، يبقى العيد في "بونة" مناسبة، تتجاوز قيمتها المادية حدود المظاهر التي كانت سائدة، لتحل الألفة، والتكافل بين الجيران.