الصحة المدرسية تدق ناقوس الخطر:
مشروبات الطاقة تتسلل إلى يوميات التلاميذ
- 382
نور الهدى بوطيبة
لم تعد المخاطر التي تهدد صحة الأطفال، مرتبطة فقط بالعادات الغذائية غير السليمة، أو قلة النشاط البدني، بل امتدت إلى سلوكيات استهلاكية جديدة، بدأت تجد طريقها إلى حياتهم اليومية، في ظل تنوع المنتجات المعروضة أمامهم، وسهولة الحصول عليها، وتأثير الإعلانات والصور التي تقدم بعض المشروبات، باعتبارها وسيلة سريعة للنشاط والحيوية والتركيز، دون أن يكون الطفل أو حتى وليّه، على دراية كافية بمكوناتها وتأثيراتها على الجسم، خاصة في مرحلة عمرية تتطلب عناية غذائية وصحية خاصة.
تزداد أهمية هذا الجانب، عندما يتعلق الأمر بالمحيط المدرسي، باعتباره فضاء لا يقتصر دوره على التعليم والتحصيل المعرفي، إنما يشكل أيضا مجالا لترسيخ السلوكيات الصحية، وتوعية التلاميذ بالعادات التي تحمي صحتهم، لاسيما أن بعض الممارسات التي قد تبدو بسيطة أو عادية، في نظرهم، يمكن أن تحمل آثارا غير مرغوب فيها، بل وتهدد سلامتهم، ومن بين هذه السلوكيات، الإقبال على مشروبات الطاقة، التي باتت تثير انشغال المختصين، بسبب احتوائها على نسب متفاوتة من الكافيين والمنبهات والسكريات، وما قد يترتب على استهلاكها، خصوصا من طرف الأطفال والمراهقين، والتي تخلف اضطرابات في النوم والجهاز العصبي وحتى القلب.
في هذا السياق، حذرت الطبيبة العامة، أسماء طالب، المختصة في الصحة المدرسية، من تنامي استهلاك مشروبات الطاقة وسط الأطفال والتلاميذ، منبهة إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بجدية، وعدم اعتبار هذه المنتجات مشروبات عادية أو وسيلة مناسبة للتغلب على التعب، أو زيادة التركيز أثناء الدراسة، إذ إن الشعور المؤقت باليقظة الذي قد تمنحه بفعل المواد المنبهة، لا يعني أنها توفر طاقة حقيقية يحتاج إليها جسم الطفل، ولا يجعلها بديلا عن التغذية المتوازنة والنوم الكافي وشرب الماء، بل قد يؤدي استهلاكها إلى نتائج عكسية، خاصة عندما يتم ذلك بصورة متكررة أو بكميات كبيرة.
وتكمن أبرز المخاوف الصحية المرتبطة بهذه المشروبات، في احتوائها على الكافيين، تقول الطبيبة، وهي مادة منبهة تؤثر على الجهاز العصبي، وقد تتسبب لدى الأطفال والمراهقين، في تسارع ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم والشعور بالتوتر والقلق، فضلا عن صعوبات النوم والأرق، وهي أعراض قد تنعكس بدورها، على قدرة التلميذ على التركيز والانتباه والتحصيل الدراسي، كما أن اضطراب النوم لا يقتصر أثره على الشعور بالتعب في اليوم الموالي، بل يمكن أن يؤثر على انتظام النوم والمزاج والقدرة على التعلم، في وقت يحتاج الطفل إلى ساعات نوم كافية، لدعم نموه الجسدي والذهني.
ولا تتوقف تلك المخاطر عند تأثير الكافيين وحده، تشدد الطبيبة، إذ تحتوي أنواع من تلك المشروبات على كميات مرتفعة من السكر، إلى جانب مكونات منبهة أخرى، وقد يؤدي الإفراط في تناول المنتجات الغنية بالسكر، إلى زيادة السعرات الحرارية وارتفاع خطر زيادة الوزن وتسوس الأسنان، بينما يمكن للمنبهات، أن تزيد من العبء الواقع على الجهازين العصبي والقلب والأوعية الدموية، وتصبح هذه التأثيرات، حسب طالب، أكثر إثارة للقلق لدى الأطفال الذين يعانون أصلا من بعض المشكلات الصحية.
ومن الجوانب التي تستدعي الانتباه أيضا، تشدد المختصة، الاعتقاد السائد لدى بعض التلاميذ، بأن هذه المشروبات تساعدهم على السهر والمراجعة وتحسين الأداء خلال الفروض والامتحانات، وهو تصور لا يستند إلى أساس صحي سليم، لأن التنبيه المؤقت الناتج عن الكافيين، لا يعوض النوم ولا يضمن تحسن حقيقي في القدرات الذهنية، بل إن الإفراط في استهلاكه قد يؤدي إلى القلق والتشتت وصعوبة النوم، بما ينعكس سلبا على التركيز في اليوم التالي، كما أن تناولها على معدة فارغة، أو بالتزامن مع مصادر أخرى للكافيين، حتى بعض المشروبات الغازية التي تحتوي على نسب عالية منها، قد يزيد من كمية المنبهات التي تدخل الجسم، ويضاعف من احتمال ظهور أعراض غير مرغوبة.
في الأخير، دعت الطبيبة إلى ضرورة تعزيز دور الصحة المدرسية في الوقاية والتوعية، وعدم حصر تدخلها في متابعة الحالات المرضية أو إجراء الفحوصات الدورية، بل توسيع نشاطها ليشمل السلوكيات الغذائية والاستهلاكية التي قد تؤثر على صحة التلاميذ، خاصة أن وزارة التربية الوطنية أدرجت مخاطر مشروبات الطاقة، ضمن ورشات أسبوع الصحة المدرسية للموسم الدراسي 2026-2027، إلى جانب محاور الغذاء الصحي والمتوازن ومخاطر السمنة والنشاط البدني، واللمجة، وغيرها من المواضيع، في خطوة تؤكد أهمية إشراك الأسرة والمؤسسة التربوية والمختصين في ترسيخ الثقافة الغذائية والصحية لدى الأطفال.