لحدائق العمومية ملاذ المسنّين
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

لكسر روتين الفراغ

لحدائق العمومية ملاذ المسنّين

يجد المسنون الذين ضعفت طاقتهم، في التجوال والخروج للترويح عن النفس في الحدائق العمومية، ملاذا، إذ نشاهد يوميا مجموعة من الشيوخ يتجمعون في حلقات في أركان الحدائق العمومية للاستمتاع بالأجواء، ومشاطرة وقت من المرح والدردشة أو لعب الأوراق أو غيرها مع الأصدقاء. ومع الارتفاع المحسوس في درجات الحرارة المرحّبة بفصل الربيع، ها هي تلك الصور يعيد رسمها عدد من المسنّين هنا وهناك.

المتجول في المساحات الخضراء المخصصة للجلوس وسط اخضرار الطبيعة في غالبية بلديات العاصمة، يدرك أن تلك الفضاءات لا يقصدها فقط الأطفال للعب أو الاستمتاع رفقة العائلة، بل يجد فيها كذلك المسنون ملاذا للالتقاء خارج المنزل وبعيدا عن ضوضاء المدينة ليكون لهم بعد سنوات طويلة من العمل الوقت للخروج، إذ يضربون موعدا لبعضهم البعض بعد كلّ عصر يوم للاستمتاع برفقة الأصدقاء، وسط أجواء ممتعة تخرجهم من روتين وملل التقاعد، لاسيما في ظل غياب نواد خاصة بتلك الفئة، توفّر برامج متنوعة توافق ذوق المسنين.

في جولة لـ "المساء" بين عدد من تلك الحدائق العمومية كانت لنا فرصة الاحتكاك ببعض هؤلاء المسنين، الذين وجدنا بعضهم جالسين على كراس أو مقاعد خشبية، حملوها معهم من بيوتهم التي عادة لا تكون بعيدة عن المكان الذي يقصدونه لقضاء فترة المساء.

بداية، كان لنا حديث مع الحاج هني (77 سنة) الذي كان برفقة عدد من الشيوخ الجالسين، وأصواتهم مرتفعة بين حديث سياسي وبعض المواضيع الاجتماعية، قائلا: "إنّ الفئة المسنة عند بلوغها سنا معيّنة تتغير عندها مفاهيم الحياة ولا يبقى للدنيا تقريبا أيّ معنى، لاسيما ما يتعلّق بالترفيه والاستمتاع بالحياة، وإنّما يبلغ مرحلة يبحث فقط فيها عن الراحة النفسية والاطمئنان بعيدا عن الضجيج والضوضاء في المدينة أو داخل المقاهي، وهذا يدفع بالكثيرين إلى التوجّه نحو الحدائق العمومية للجلوس والتأمل في الطبيعة أو الدردشة وتبادل الحديث مع أشخاص من نفس الجيل. وردّ عليه الحاج بوعلام قائلا: "حقيقة، ما يمتّع المسن في هذه المرحلة من الحياة، هو الجلوس مع رفقاء الدرب، وسرد بعض القصص التي تحمل في جوهرها الحنين إلى الماضي، كما أنّ المتعة الأخرى التي لا يستمتع بها إلا مجربها هي الخروج رفقة الأحفاد وهم لايزالون صغارا ولم يبلغوا بعد من العمر عشر سنوات، ففي تلك المرحلة يمكن مشاطرتهم وقتا من المرح، كما يسهل التعامل معهم والتحكّم في بعض سلوكاتهم، لاسيما أنهم يستمتعون في المساحات الواسعة للركض هنا وهناك غير بعيدين عن أنظار ذويهم".

من جهته، أشار عبد المنعم (80 سنة) رفقة مجموعته، إلى أنّ لرفقته تقليدا راسخا لا يمكن تفويته مرتين إلى ثلاث مرات في الأسبوع، وهو لعب الورق تارة، والدومينو تارة أخرى، مشيرا إلى أن هاتين اللعبتين تجعلانهم يقتلون الروتين الذي يملون منه بجلوسهم في البيت أو مشاهدة التلفاز طيلة النهار، قائلا والضحكة لا تفارقه: "عادة ما تضيق الزوجات بجلوسنا في البيت بدون القيام بأيّ شيء، خصوصا أننا نعيق الأشغال المنزلية، ونتسبّب في الفوضى"، مضيفا أن المسن له برنامجه اليومي عادة، وهو التنقل صباحا إلى السوق للتبضع، ثم المكوث في البيت إلى غاية وقت الغداء، وعندها يرتاح بعد صلاة الظهر في قيلولة صغيرة، ومباشرة بعد صلاة العصر يتوجه نحو المقاهي أو الحدائق العمومية للجلوس بعيدا عن أجواء الحر، والبقاء إلى غاية أذان المغرب، حينها يعود المسن أدراجه نحو البيت.

على صعيد ثان، أبرز صلاح الدين أن التقاعد بعد سنوات طويلة من العمل يُدخل المسنين في دوامة مملة في ظلّ غياب مرافق خاصة بهذه الفئة كنواد أو جمعيات تتكفّل بتخصيص برامج تناسب ميول هذه الفئة من المجتمع، والتي هي في حاجة إلى رعاية خاصة، لذا تبقى الحدائق العمومية وبعض المقاهي الخاصة بالمسنين أو بالأحرى التي غزتها الفئة المسنة، الأماكن المثالية للجلوس وكسر الفراغ الذي يطغي على حياتها.

العدد 6754
20 مارس 2019

العدد 6754