يصنعون عالمهم الصيفي الخاص
كبار السن بعنابة بعيدا عن ضوضاء الشواطئ
- 153
سميرة عوام
تتجه معظم العائلات والشباب بمدينة عنابة، نحو الشواطئ الممتدة، والكورنيش المزدحم؛ بحثا عن الترفيه والاستجمام، بينما يفضل كبار السن بالمدينة سلوك طريق آخر مختلف تماما؛ إنهم يختارون، بملء إرادتهم، البقاء في منازلهم وبيوتهم الهادئة، أو الخروج إلى الساحات والأزقة القريبة من سكناتهم بأحياء مثل "لاكلون"، و"بلاص دارم " وغيرهما، حيث يصنعون بعيدا عن زحام المدينة وصخبها، عالمهم الصيفي الخاص، المفعم بالسكينة والهدوء.
تأخذك جولة ميدانية بسيطة بين الساحات والشوارع القديمة في مدينة عنابة وما جاورها، في ساعات الصباح الباكر أو قبل غروب الشمس، لتكتشف أن لكبار السن برنامجهم الخاص في الاستمتاع بأوقات الصيف؛ فهم لا يبحثون عن مياه البحر أو صخب المهرجانات، بل يتجمعون في مجموعات صغيرة تحت ظلال الأشجار وافرة الظلال، وفي زوايا الساحات الهادئة، بعيدا عن حرارة الصيف ولفحه الشديد. هناك تجد كل مجموعة قد وجدت طريقة مميزة لقضاء وقتها؛ حيث يتبادلون أحاديث الذكريات، ويتفقدون أحوال بعضهم البعض، في أجواء طابعها البساطة، والتضامن، والمحبة والتفاهم.
ومن أجمل المشاهد الميدانية التي تلفت انتباه زائر هذه الأحياء، ابتكار كبار السن والشيوخ وسائل تسلية بسيطة لكنها ملهمة؛ حيث يتجمع عدد منهم حول رقعة شطرنج خشبية قديمة، أو يرسمون خطوط اللعبة على الأرض، ليستخدموا "الحجارة الصغيرة" كقطع للشطرنج، أو لعبة "الضامة". وتتحول هذه الألعاب البسيطة إلى ميدان للمنافسة الخفيفة، والمزاح اللطيف بين أصدقاء العمر، وسط تحلق بقية كبار السن لمتابعة اللعبة، وإبداء التعليقات الضاحكة، التي تضفي حيوية خاصة على المكان، وتنسيهم تعب السنين، وثقل الحرارة.
وفي زاوية أخرى أكثر هدوءاً من الساحة، يفضّل بعض الأجداد الجلوس بمفردهم على كراسي خشبية قديمة، أو على عتبات البيوت العنابية القديمة، ممسكين بجريدة يطالعون صفحاتها بتمهل وشغف كبيرين. إنها طقوس صحفية وثقافية أزلية لم تتغير رغم انتشار الشاشات والهواتف الذكية؛ حيث يجدون في تقليب صفحات الجريدة الورقية، وسيلة ممتعة لمتابعة أخبار الوطن، والعالم، واقتطاع ساعات من الهدوء الذهني بعيدا عن التكنولوجيا المعقدة، وإزعاج الحركة المرورية التي تشهدها المدينة خلال هذا الموسم.
ويرى المهتمون بالشأن الاجتماعي بمدينة عنابة، أن هذا الخيار الصيفي الشائع بين كبار السن ليس مجرد هروب من الزحام، بل هو وعي صحي ونفسي كبير بذواتهم؛ فذهابهم إلى البحر في ظل الازدحام الشديد ودرجات الحرارة المرتفعة، قد يعرّضهم لمخاطر صحية شاقة؛ كالإغماء أو ضربات الشمس، فضلا عن أن طبيعة الفضاءات الساحلية الصاخبة لم تعد تناسب رغبتهم الفطرية في السكينة والهدوء. ولهذا فإن لجوءهم إلى هذه الساحات القريبة والمظلّلة يُعد بديلا مثاليا يحافظ على سلامتهم الجسدية، ويمنحهم راحة نفسية عالية بين أقرانهم وأصدقاء جيلهم.
كما تؤكد العائلات العنابية أن هذه السلوكيات البسيطة لأجدادهم داخل الأحياء، تعيد الدفء إلى الشارع والحي؛ فوجود كبار السن في الساحات وعلى عتبات المنازل، يضفي نوعا من الطمأنينة والبركة على المنطقة. ويمثل شكلا من أشكال الهوية الشعبية التي تميز مدينة عنابة؛ فالأحفاد والأطفال وهم يمرون يوميا بهؤلاء الشيوخ، يتعلمون منهم قيمة الهدوء، واحترام الكبار، وأهمية التواصل الأخوي المباشر بعيدا عن العزلة الرقمية.
ويعكس هذا العالم الصيفي الهادئ لكبار السن بعنابة، القيمة الحقيقية للاستجمام البسيط؛ فالصيف والراحة لا يتطلبان بالضرورة السفر أو إنفاق الأموال في المرافق الفاخرة، بل يتجليان في جلسة هادئة تحت ظل شجرة، ولعبة شطرنج بالحجارة مع صديق قديم، وقراءة جريدة في سكون. وعليه فإن هؤلاء الأجداد يثبتون يوميا أن السعادة والسكينة يمكن أن تنبعا من أبسط الأشياء، لتظل ساحات بونة القديمة شاهدا حيا على أصالة جيل يتقن فن الحياة والهدوء مهما تغيرت الأزمنة، وتصاعدَ صخب الحياة.