في ترحيب استثنائي حظي به المنتخب والمشجعين

"كانساس" تبني جسور المودة بين الجزائر وأمريكا

"كانساس" تبني جسور المودة بين الجزائر وأمريكا
  • 158
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

تجمع الرياضة في كل مرة، شعوبا من قارات مختلفة، يتأكد حينها العالم من جديد، أن ما يوحد البشر أكبر بكثير مما يفرقهم، فبعيدا عن لغة السياسة والمصالح والحسابات الضيقة، تبقى كرة القدم مساحة إنسانية واسعة، تفتح الأبواب أمام التعارف وتبادل المحبة وصناعة الذكريات الجميلة، وبينما تتجه أنظار الملايين نحو منافسات كأس العالم، تتجه الأنظار أيضا نحو القصص الإنسانية، التي تولد على هامش المباريات وتمنح الحدث معناه الحقيقي وقيمته العميقة.

من بين تلك القصص التي استوقفت المتابعين، مؤخرا، عبر مختلف المنصات ومواقع التواصل الاجتماعي، مشاهد الترحيب الاستثنائي الذي حظي به المشجع الجزائري في الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتحديد في ولاية "كانساس"، حيث تحولت صور الاستقبال والاحتفاء بالفريق الوطني ووفده، وكذا بالجماهير القادمة من الجزائر، إلى حديث واسع بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين عبروا عن إعجابهم بتلك الأجواء المفعمة بالدفء والود والفرح.

فمنذ وصول الفريق والمشجعين الجزائريين إلى المدينة، بدت ملامح الاحتفال واضحة في كل مكان، حيث خرجت عائلات كاملة لاستقبال الزوار، رغم الطقس وتساقط الأمطار، كما وصفته الأخبار المحلية والدولية، ورفع حينها الأعلام وتبادلت التحيات والابتسامات، في مشاهد بدت أقرب إلى لقاء قديم بين أصدقاء، فرّقتهم المسافات لسنوات طويلة، ثم أعادتهم الرياضة إلى المكان نفسه، ولم يقتصر الأمر على فئة معينة، بل شارك كبار السن والشباب والأطفال في صناعة هذه الأجواء، التي تركت انطباعا جميلا لدى كل من تابعها.

وفي عدد من المدارس، ظهر التلاميذ وهم يرددون عبارات الترحيب، ويهتفون باسم الجزائر ويلوحون بالأعلام، في مشهد عفوي حمل الكثير من البراءة والصدق، كما حرص المعلمون والمشرفون على تعريف الأطفال بثقافة الضيوف القادمين من شمال إفريقيا، وتشجيعهم على التواصل معهم والتعرف على عاداتهم وتقاليدهم، وهو ما منح الحدث بُعدا إنسانيا وثقافيا، تجاوز حدود المنافسة الرياضية.

ولعل من أكثر الصور التي لاقت انتشارا واسعا، تلك التي أظهرت رجال الإطفاء وهم يشاركون في الاحتفالات، ويقفون إلى جانب الجماهير ويلتقطون الصور التذكارية معهم، ويقدمون التحية للمشجعين القادمين من الجزائر، ويطلقون أبواق سياراتهم، وقد بدت السعادة واضحة على وجوه الجميع، في مشاهد عكست روح المجتمع المحلي، الذي اختار أن يكون جزءا من هذه المناسبة العالمية، وأن يشارك ضيوفه لحظات الفرح والحماس.

كما انتشرت عبر المواقع ومقاطع الفيديو، مشاهد أخرى لعائلات أمريكية، فتحت أبوابها للترحيب بالزوار، وقدمت لهم عبارات التشجيع وتمنت لهم قضاء أوقات جميلة خلال فترة المونديال، بل إن بعضهم حرص على تعلم كلمات عربية بسيطة، لتحية الضيوف والتعبير عن احترامه لهم، وواحدة من أشهر عبارات الجماهير "وان تو تري فيفا لالجيري"، التي رددها الجميع دون ملل أو كلل، وهو ما لاقى استحسانا واسعا لدى المتابعين، الذين اعتبروا هذه التصرفات رسالة جميلة عن قدرة الرياضة على بناء الجسور بين الثقافات المختلفة.

وفي حديث حول هذه المشاهد، قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية عبد الكريم بسطام، إن ما يحدث في "كانساس"، لا يمكن قراءته فقط بأنه احتفال رياضي عابر، بل هو تعبير اجتماعي وثقافي عن رغبة الناس في التعارف والانفتاح على الآخر، وأضاف أن المجتمعات عندما تستقبل جماهير قادمة من بلدان بعيدة، فإنها لا تستقبل مجرد مشجعين، بل تستقبل قصصا وثقافات وتجارب إنسانية مختلفة، وهو ما يخلق فضولا إيجابيا لدى السكان المحليين، للتعرف على الضيوف والتفاعل معهم، وأكد المتحدث، أن هذه الظاهرة الجميلة، على حد تعبيره، يتم التماسها في المدن البعيدة عن العواصم والولايات الكبيرة والمكتظة، والتي تشهد حركة سياحية ضخمة، إذ أنه في تلك الولايات الصغيرة، لا يعتاد المحليون الزيارات المتكررة للأجانب والسياح، وبذلك تجد لديهم ترحابا أكبر من سكان المدن الكبرى، أو المدن المتعودة على السياح من ربوع العالم، كما أن سكان المدن الصغيرة "نسبيا" أو لقلة عدد سكانها، تجدهم أكثر "طيبة" وترحابا.

وأوضح الأستاذ، أن كرة القدم تمتلك قدرة فريدة على اختصار المسافات النفسية والثقافية بين الشعوب، فهي تمنح الناس لغة مشتركة لا تحتاج إلى ترجمة، وتجعل مشاعر الفرح والحماس مفهومة لدى الجميع، مهما اختلفت اللغات والخلفيات، لهذا السبب، يضيف، بدت مشاهد الترحيب طبيعية وصادقة، لأنها نابعة من شعور إنساني بسيط، يتمثل في مشاركة الآخرين فرحتهم والترحيب بهم، في مناسبة عالمية تجمع الجميع تحت راية الرياضة.

وربما كان سر هذا الترحيب الكبير، الصورة التي يحملها الكثير من الأمريكيين عن الفريق الوطني و المشجع الجزائري على السواء، ذلك المشجع المعروف بحماسه وشغفه وحضوره اللافت في المدرجات، إضافة إلى الفضول الإيجابي للتعرف على ثقافة مختلفة، جاءت من الضفة الأخرى من العالم، فالمونديال لا يجلب المنتخبات فقط، بل يجلب معه قصص الشعوب وعاداتها ولهجاتها وطرق احتفالها، وهو ما يجعل من كل زائر سفيرا غير رسمي لبلده وثقافته، وأضاف أن لجميع الدول حلم تنظيم مثل هكذا أحداث دولية، على غرار المونديال، إذ تعد أهم حدث تقريبا في الرياضة، لما تحمله كرة القدم من مكانة في نفوس الشعوب، بالتالي الفرحة باحتضان الحدث تتخللها الفرحة بأجوائها، ومنها قدوم مشجعين من أركان العالم لمشاهدة تلك المباريات.

أوضح المتحدث، أن الأجواء التي نشهدها، تقدم صورة مختلفة عن المونديال، فبعيدا عن نتائج المباريات وحسابات التأهل، تبرز قصص إنسانية، تترك أثرا أطول من صافرة الحكم، وتبقى في الذاكرة لسنوات طويلة، قد توطد العلاقات بين الدول وتولد ربما شراكات ثقافية جديدة.