عرس "سيدي معمر" بمدينة تنس الساحلية
عادات راسخة تجسد قيم التكافل والتضامن الاجتماعي
- 174
م. عبد الكريم
الحديث عن مدينة تنس الساحلية بولاية الشلف، لا يقتصر على زرقة البحر، والغابات الخضراء، والمناظر الطبيعية الخلابة التي تمتاز بها، ولا على تاريخها العريق الممتد عبر القرون فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى التعرف على عادات وتقاليد ضاربة في عمق التاريخ، ما تزال راسخة في أذهان وذاكرة أهلها إلى يومنا هذا. وتنفرد هذه المدينة الساحلية بموروث ثقافي واجتماعي عريق، يتمثل فيما يُعرف محليًا بـ"عرس سيدي معمر"، وهو تقليد اجتماعي سنوي حافظ على استمراريته عبر الزمن، ولا يزال قائمًا إلى حد كتابة هذه الأسطر. ويستوقف هذا العرس، كل زائر للمدينة العريقة لمعرفة حقيقته، باعتباره تظاهرة حية تعكس قيم العيش المشترك والتكافل والتضامن الإنساني، التي دأبت عليها المنطقة منذ قرون.
تعود جذور هذا العرف، إلى الولي الصالح سيدي معمر بن مخالة، الذي وضع أسسًا وميثاقًا اجتماعيًا صارمًا، يهدف بالدرجة الأولى، إلى تيسير سبل الزواج أمام الشباب، ومحاربة المغالاة في المهور، وتخفيف الأعباء المادية عن العائلات المعوزة. وتحول هذا العهد، بمرور الزمن، إلى قانون اجتماعي غير مكتوب، تحرص الأجيال المتعاقبة على احترامه وصونه، باعتباره جزءا لا يتجزأ من هويتها الثقافية. ويتأسس نظام الزواج في عرف "سيدي معمر" بمنطقة تنس والشلف، على مبدأ التيسير والتكافل الاجتماعي، ويعد بمثابة "ميثاق شرف" صارم، مكتوب أو متوارث شفهيًا، يعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي، وضعه الولي الصالح سيدي معمر بن مخالة، لمحاربة العنوسة والفقر. ويقوم هذا الزواج على مجموعة من الشروط، أبرزها؛
المهر الرمزي (تخفيف الأعباء المادية)
يُحدد المهر بمبلغ رمزي جدا، وموحد بين جميع العائلات، ويعد هذا الشرط الركيزة الأساسية لهذا العرف، إذ لا يجوز لأي عائلة، مهما بلغت درجة ثرائها، أن تطلب أكثر من المبلغ المحدد. وكان المهر قديمًا يُقاس بقطع نقدية ذهبية وسير دباغ (حزام جلدي بسيط)، أما اليوم، فيُحدد بقيمة مالية رمزية لا تتجاوز بضعة آلاف من الدنانير، والغاية من ذلك، تحقيق المساواة بين الغني والفقير في تكاليف الزواج.
إسقاط الشروط التعجيزية والمظاهر
تُلغى في عرف سيدي معمر، جميع الشروط التي تثقل كاهل العريس وعائلته، فلا وجود لما يُعرف بـ"الملاية"، ولا للشروط التعجيزية المتعلقة بشراء الحلي والمجوهرات الذهبية، كما لا يُطالب العريس بتقديم كميات مبالغ فيها من الملابس أو الهدايا، المعروفة بـ"الدفوع". وينصب التركيز الكامل على بناء أسرة جديدة بأقل التكاليف الممكنة.
"التويزة".. التكافل الجماعي في الوليمة
لا تتحمل عائلة العريس وحدها مصاريف الإطعام والضيافة، عند حلول موعد الزواج، بل يهب الجيران وأهل البلدة للمشاركة فيما يُعرف بـ"التويزة"، حيث تقدم العائلات المجاورة المساعدات من الدقيق واللحم والزيت، فيما تجتمع النساء لتحضير طبق "الكسكسي" الجماعي، بينما يتكفل الرجال بتنظيم الوليمة واستقبال الضيوف وإطعامهم، إلى جانب عابري السبيل، في أجواء تضامنية تذوب فيها الفوارق الاجتماعية.
"العقير".. تجهيز العروس
يكون جهاز العروس، المعروف محليا بـ"العقير"، بسيطا وضروريا، بعيدا عن البهرجة والإسراف. ويتكون عادة من الأفرشة والأغطية الأساسية، وبعض الأواني المنزلية التي تساعد الزوجين على بدء حياتهما الجديدة، وغالبًا ما يساهم المجتمع المحلي أو أعيان المنطقة، في توفير هذه المستلزمات للعرسان من ذوي الدخل المحدود.
طقوس ليلة الزفاف المحافظة
تتميز ليلة الزفاف بالوقار والصبغة الإيمانية، حيث تُستهل الاحتفالات بتلاوة القرآن الكريم، وإنشاد المدائح الدينية، وإلقاء قصائد الشعر الملحون التي تدعو بالبركة للزوجين، بمرافقة الفلكلور المحلي، مثل "الزرنة" وعروض البارود. ويُمنع في هذا العرف منعًا باتًا، كل ما من شأنه إظهار البذخ والتبذير أو السلوكيات التي تتعارض مع قيم المجتمع المحافظ. ومن الناحية التاريخية، كانت أي عائلة تخرج عن هذا العرف، أو تحاول المغالاة في المهور أو المظاهر، تواجه نوعًا من العزل الاجتماعي أو اللوم من طرف أعيان ووجهاء المنطقة، وهو ما ساهم في صمود هذا العرف واستمراره بمنطقة تنس والشلف، ليبقى نموذجًا فريدًا في التيسير، والتكافل الاجتماعي، وتسهيل زواج الشباب.