العمل الموسمي للأطفال في الصيف..

ظاهرة اجتماعية تستوجب التأطير والضبط

ظاهرة اجتماعية تستوجب التأطير والضبط
  • 183
رشيدة بلال رشيدة بلال

تحول العمل الموسمي للأطفال خلال العطلة الصيفية، إلى ظاهرة اجتماعية تستوجب، حسب المختصين، التأطير والضبط، لحماية هذه الفئة من مختلف المخاطر التي قد تتعرض لها. فرغم أن العمل في سن مبكرة قد يغرس لدى الطفل قيم تحمل المسؤولية، وحسن التصرف في المال، إلا أن طبيعة الأعمال وظروف ممارستها، تبقى محل رفض من قبل المختصين، الذين يدعون إلى تفعيل الآليات القانونية التي وضعتها الدولة لحماية الأطفال، بما يضمن سلامتهم ويحميهم من مختلف أشكال الاستغلال.

مع بداية كل عطلة صيفية، ينتشر الأطفال في مختلف الأماكن التي تشهد حركية كبيرة، خاصة على الطرقات المؤدية إلى الشواطئ والفضاءات الترفيهية، حيث يعرضون المياه المعدنية، و«المطلوع"، والمشروبات، والبيض المسلوق، و«المحاجب"، وغيرها من المنتجات. كما يكثر وجودهم على الشواطئ لبيع "البينيي" و«الفوشار" والشاي وغيرها من المأكولات الخفيفة. ولم يعد الأمر يقتصر على الذكور فقط، بل أصبحت الفتيات كذلك يحملن سلالهن ويتجولن في الشواطئ ذهابًا وإيابًا، أملًا في بيع أكبر قدر ممكن من السلع.

ومن خلال ما لاحظته "المساء"، فإن أغلب هؤلاء الأطفال يمارسون هذا النشاط بدعم من أوليائهم، الذين يدفعون بهم إلى العمل للمساهمة في مصاريف الأسرة، بينما يعمل آخرون من أجل توفير بعض المال لتلبية احتياجاتهم الشخصية، حتى لا يشعروا بالفارق بينهم وبين أقرانهم. كما تنتشر الظاهرة أيضًا في الأسواق الشعبية وبعض الورشات الحرفية.

ورغم اختلاف دوافع العمل، يبقى القاسم المشترك بين هؤلاء الأطفال، افتقارهم إلى أبسط شروط الحماية. فقد وقفنا على أطفال يبيعون مختلف المواد الغذائية تحت أشعة الشمس الحارقة، دون قبعات أو وسائل وقاية، وآخرون يحملون عبوات المياه ويركضون خلف السيارات على الطرقات السريعة، معرضين حياتهم لخطر حقيقي. وهو ما يطرح تساؤلًا ملحًا "إذا كان العمل الموسمي للأطفال قد أصبح ظاهرة اجتماعية، فكيف يمكن ضبطه بما يحافظ على سلامة الأطفال ويحميهم من الاستغلال؟".

في هذا السياق، أكد المختص في علم الاجتماع، الدكتور حسين زوبيري، أن العمل الموسمي للأطفال يُعد في الأصل ممارسة غير مقبولة اجتماعيًا وأخلاقيًا، غير أن الواقع يفرض نفسه، إذ تضطر بعض الأسر، خاصة في الأحياء الشعبية، إلى السماح لأبنائها بالعمل لتغطية احتياجات تعجز عن توفيرها، أو لتمكينهم من مجاراة أقرانهم. وأضاف أن العمل الموسمي، إذا كان في إطار مناسب وتحت رقابة، يمكن أن تكون له جوانب إيجابية، لأنه يعلم الطفل تحمل المسؤولية، ويغرس فيه ثقافة الادخار وحسن التصرف في المال، ويمنحه تكوينًا ميدانيًا مبكرًا. غير أن الإشكال الحقيقي يكمن، حسبه، في ممارسة بعض الأطفال لأعمال تفوق قدراتهم البدنية وتعرضهم لمخاطر جسيمة.

وأوضح المتحدث أن بيع الطفل للمياه أو بعض المنتجات في حد ذاته، قد لا يكون مرفوضًا إذا تم في ظروف آمنة، لكن ممارسة هذا النشاط على حواف الطرقات السريعة، أو في أماكن تشكل خطرًا على حياته، أمر غير مقبول. كما أشار إلى أن المجتمع يساهم أحيانًا، دون قصد، في تشجيع هذه الظاهرة من خلال الإقبال على الشراء من الأطفال، وهو ما يستدعي دق ناقوس الخطر.

وشدد الدكتور زوبيري على أن تنمية المهارات الاقتصادية لدى الأطفال أمر محمود، لكنه يحتاج إلى تأطير وضوابط واضحة، داعيًا إلى تفعيل دور ما يعرف بـ«الشرطة الاجتماعية" أو أجهزة الرقابة المختصة، لمتابعة مثل هذه الحالات، خاصة وأن بعض الأطفال يختارون العمل بإرادتهم، بينما يتعرض آخرون للاستغلال من قبل الكبار.

في السياق نفسه، أوضح أن السياسة الاجتماعية الخاصة بحماية الأطفال في الجزائر موجودة، كما أن المنظومة القانونية توفر النصوص الكفيلة بحماية هذه الفئة، إلا أن الإشكال يكمن في ضعف المتابعة والتطبيق الفعلي لهذه القوانين. وأكد أن ما تحتاج إليه المرحلة، هو تفعيل آليات الرقابة والتنفيذ، لضمان حماية الأطفال من الاستغلال.

وختم المتحدث، بالإشارة إلى أن تنامي النزعة الفردية والسعي وراء تحقيق المكاسب المادية، دفع بعض العائلات إلى التغاضي عن حق أبنائها في عيش طفولتهم، بل ودفعهم إلى اقتحام أعمال تمس كرامتهم وتؤثر في نموهم النفسي والاجتماعي. فالطفل، في النهاية، من حقه أن يعيش طفولته كاملة، لأن العمل في سن مبكرة، مهما كانت مبرراته، قد يحرم الطفل من كثير من حقوقه الأساسية، ويترك آثارًا تمتد إلى مستقبله.