أفراح تيبازة بين الأصالة والتحديث
طقوس "التصبيرة" بالقليعة وعُرف سيدي معمر بشنوة
- 156
كمال لحياني
تُعد ولاية تيبازة بتراثها الثقافي الغني وتنوعها السكاني، واحدة من المناطق الجزائرية التي حافظت على تقاليد عريقة في الأفراح والأعراس. وتجمع هذه التقاليد بين الطابع الأمازيغي الأصيل في مناطق مثل جبل شنوة ومنطقة مناصر، والتأثيرات العربية والأندلسية في مدن مثل القليعة.
تبدأ مراسم الزواج التقليدي في تيبازة بطلب يد الفتاة، حيث يتوجه أهل العريس إلى منزل العروس في لغة بربرية محلية بالقول: "نوساد غروان سيل حساب وإنساب" ، والتي تعني "جئنا لطلب يد ابنتكم". ويرد أهل العروس بعبارة: "يد ابنتنا لكم إن شاء الله"، ليتم بعدها تلاوة سورة الفاتحة كإعلان عن الاتفاق. ويكون توثيق العقد في البلدية مجرد إجراء شكلي. وتعكس هذه الطقوس البساطة في مناطق جبلية مثل أغبال وقوراية ودموش، حيث يطغى الطابع القبلي على الاحتفالات.
"تصبيرة" القليعة: حداثة في التقليد
في مدينة القليعة المعروفة بتمسّكها بالتقاليد الأندلسية، تبرز عادة "الخطوبة المصغرة" أو "تصبيرة" كمرحلة أولى مميزة. وتشهد هذه المرحلة بروتوكولا خاصا بين العائلتين، حيث تقدم أم العروس حلويات تقليدية. وترتدي المخطوبة خلال هذه المناسبة ثلاث أزياء مختلفة في "تصديرة مصغرة" ، وتجول بين الحضور برفقة خطيبها. وتولي عائلات القليعة اهتماما بالغا بالتفاصيل، حتى إن أي خطأ في البروتوكول قد يصبح حديث "النقابات" (النساء المتنقبات اللواتي يحضرن الأعراس) لسنوات طويلة.
ملامح حفل الزفاف
تتميز الأعراس في تيبازة بإقامة وليمة كبيرة تقدَّم فيها أطباق تقليدية كالكسكسي والطاجين. وتزيَّن بالقصائد والزغاريد والأهازيج الشعبية التي تختلف بين منطقة وأخرى. ويحرص الأهالي على ارتداء الأزياء التقليدية التي تعكس هوية كل منطقة، حيث تختلف أزياء العروس بين شنوة والقليعة ومنطقة بورقيقة. كما يشكل تقديم الحلويات التقليدية مثل المقروط والغريبة جزءا أساسيا من كرم الضيافة في هذه المناسبات.
عُرف سيدي معمر بمنطقة شنوة وشرشال خصوصية مميزة
تتميز منطقة شنوة بخصوصية ثقافية بارزة في طقوس الزواج التي توارثتها عبر الأجيال بالرواية الشفهية؛ حيث تعززت هذه الخصوصية بفعل العزلة النسبية التي ميزت المنطقة؛ ما جعل الموروث الثقافي ينمو بطابع محافظ. وتتزين الأفراح في هذه المنطقة بالملابس التقليدية المطرزة، والزينة الخاصة بالعروس، مع الحفاظ على الطابع البسيط الذي تطغى عليه التأثيرات الأمازيغية.
وفي منطقة شرشال وغرب جبل شنوة تبرز واحدة من أبرز خصوصيات الزواج في تيبازة، وهي التمسك بـ "عرف سيدي معمر" . وهو تقليد يمتد لقرون. ويُنسب إلى الولي الصالح سيدي معمر الذي يُقدَّس في مناطق الشلف وتيبازة وشرشال. جوهر هذا العرف يكمن في تحديد مهر لا يتجاوز قطعة ذهبية واحدة (ربعة دورو)، وقيمتها حوالي 8500 دينار جزائري، إضافة إلى كبش وقنطار من الدقيق والسمن. والهدف الأساسي، كما تروي الحكاية، هو تيسير الزواج للشباب، ومنع المغالاة التي قد تدفعهم إلى الحرام. وتؤكد المصادر أن أي شخص يتزوج في هذه المناطق، إذا كان من أتباع الطريقة المعمرية أو ممن رضعوا أمّاً معمرية، يكون ملزماً بهذا المهر الرمزي. ومن يزيد عليه يُقال إن زواجه لن يبارَك.
الإعلامي امحمد هواورة يصف هذا التقليد بأنه يتميز، بالإضافة إلى المهر الرمزي، بنقل العروس حافية القدمين على ظهر الفرس، إلى بيتها الجديد، في أجواء صوفية توحي بقداسة الرباط. لكنه يبدي أسفه لبدء هذه الطقوس بالتراجع، قائلا: "لقد بدأ النسيج الاجتماعي يتمزق، ويخضع لتمردات الجيل الجديد عليه، بتوجهه إلى استبدال كل ما هو موروث بما هو مكتسب! ". هذه الممارسة في تيبازة تتسق مع ظاهرة أوسع في مناطق أمازيغية، حيث يُرد المهر إلى قيمة رمزية. الدكتور في علم الاجتماع حليم مصطيفي من جامعة تيبازة، يربط هذه الظاهرة بالطبيعة الزراعية، والتكافل الاجتماعي، وعادة الزواج من داخل الأسرة (ابن العم) التي رسخت المهور الرمزية. والمثل الشعبي الأمازيغي: "الهنا يسبق الغنى" ، يلخّص هذه الفلسفة التي تقول إن السعادة في الزواج ليست مرتبطة بالمال.
واقع معاصر وتحديات
تشير بعض الدراسات إلى أن المجتمع في تيبازة يعرف نسبة ملحوظة في الزواج بين الأقارب، حيث قدرت دراسة أجريت في 2020، نسبة الزواج القريب بـ 40 بالمائة في ولايتي تيبازة والبليدة، منها نسبة 80 بالمائة في تيبازة. وأكثر الدرجات شيوعا هي زواج أبناء العمومة من الدرجة الثانية. كما أشارت دراسات أخرى إلى أن بعض العوامل الديموغرافية، مثل سن الزواج المبكر، قد تؤثر على استقرار الزواج في المنطقة. وتظل تقاليد الأفراح في تيبازة مرآة تعكس غنى التنوع الثقافي الجزائري، حيث تتعايش العادات الأمازيغية القديمة مع التأثيرات العربية والأندلسية؛ في لوحة احتفالية تحافظ على هوية المنطقة رغم تحديات العصر.