بهدف الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة
صيادلة يرفعون مستوى الوعي الصحي في المجتمع
- 115
نور الهدى بوطيبة
في عالم تتزايد فيه التحديات الصحية وتتسارع وتيرة الحياة اليومية، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى، الى نشر الوعي حول الأمراض المزمنة التي قد تؤثر على حياة آلاف الأشخاص دون أن تحظى بالمعرفة الكافية داخل المجتمع. فالتوعية الصحية لم تعد مجرد نشاط مناسباتي، بل أصبحت ضرورة تسهم في الكشف المبكر عن الأمراض، وتقريب المعلومة الصحيحة من المواطنين، ومساعدتهم على فهم الأعراض، وطرق الوقاية، والتكفل والعلاج. كما تساهم في الحد من الأفكار المغلوطة، التي قد تزيد من معاناة المرضى، وتؤثر على اندماجهم في محيطهم الاجتماعي، والمهني.
وقد كان إحياء اليوم العالمي للتصلب المتعدد، فرصة لتسليط الضوء على واحد من الأمراض العصبية المزمنة، التي ماتزال تطرح الكثير من التساؤلات لدى عامة الناس، حيث بادر عدد من الصيادلة مؤخرا بشارع العربي بن مهيدي بالجزائر العاصمة، بتنظيم حملة تحسيسية وتوعوية استهدفت مختلف فئات المجتمع؛ من أجل التعريف بهذا المرض، وأعراضه، وطرق التعايش معه، والتأكيد على أهمية التشخيص المبكر، والمتابعة الطبية المنتظمة في تحسين حياة المصابين، والتقليل من المضاعفات التي قد يسببها المرض على المدى الطويل.
وفي حديثها عن هذه المبادرة أوضحت الصيدلانية صبرينة سارحي، أن الهدف الأساسي من هذه الحملة يتمثل في تقريب المعلومات الطبية الصحيحة من المواطنين، وتعريفهم بمرض التصلب المتعدد الذي يُعد من الأمراض المناعية الذاتية، حيث يهاجم الجهاز المناعي عن طريق الخطأ، الدماغ، والحبل الشوكي، والعصب البصري، الأمر الذي يؤدي الى تلف الألياف العصبية، وظهور مجموعة من الاضطرابات والأعراض التي تختلف من شخص الى آخر حسب موقع الإصابة، ومدى تأثر الجهاز العصبي.
وأشارت المتحدثة الى أن التصلب المتعدد يمكن أن يصيب الأشخاص من مختلف الفئات العمرية، إلا أنه يظهر غالبا لدى الفئة العمرية الممتدة بين عشرين وأربعين سنة. كما إن النساء أكثر عرضة للإصابة به مقارنة بالرجال، إذ تسجل الإحصائيات إصابة ثلاث نساء مقابل رجل واحد، مضيفة أن المرض قد يشكل تغيرا كبيرا في حياة المصابين به. غير أن التشخيص المبكر والعلاج المناسب والدعم النفسي والاجتماعي يمكن أن يساعد المرضى على التعايش معه بشكل أفضل، والحفاظ على نوعية حياة جيدة.
وأكدت صبرينة سارحي أن أعراض المرض ليست موحدة لدى جميع المرضى، بل تختلف باختلاف المناطق المتضررة من الجهاز العصبي المركزي. وقد تكون متقطعة، أو تتفاقم تدريجيا مع مرور الوقت. ومن بين أكثر الأعراض شيوعا مشاكل الرؤية، وصعوبة المشي والحفاظ على التوازن، وصعوبة التفكير بوضوح والتركيز، الى جانب الخدر أو الضعف في الذراعين والساقين أو في جهة واحدة من الجسم. كما يمكن أن يعاني المريض من تصلب العضلات والتشنجات، والاكتئاب، واضطرابات بولية أو جنسية، فضلا عن التعب الشديد الذي يُعد من أكثر الأعراض انتشارا لدى المصابين.
وخلال الحملة تم التأكيد على أن أعراض التصلب المتعدد قد تزداد حدة في بعض الحالات، خاصة عند ارتفاع درجة حرارة الجسم، أو الإصابة ببعض أنواع العدوى؛ مثل التهابات المسالك البولية، أو التهابات الجهاز التنفسي، وهو ما يستدعي المتابعة الطبية المستمرة، والانتباه الى مختلف التغيرات الصحية التي قد تطرأ على المريض. وفي ما يتعلق بأسباب المرض، أوضحت المتحدثة أن الأسباب الدقيقة للإصابة بالتصلب المتعدد لاتزال غير معروفة بشكل كامل الى حد اليوم، غير أن وجود تاريخ عائلي للإصابة قد يزيد من احتمالية ظهوره لدى بعض الأشخاص، الأمر الذي يجعل التوعية والمتابعة الطبية من العوامل المهمة في الكشف المبكر، والتكفل السريع بالحالات المشتبه فيها.
وعن العلاجات المتوفرة أشارت الصيدلانية صبرينة سارحي، الى أنه لا يوجد حاليا علاج نهائي يشفي من التصلب المتعدد بشكل كامل. غير أن العلاجات الحديثة ساهمت بشكل كبير، في التحكم في المرض، والتقليل من الأعراض، والحد من تكرار الانتكاسات وشدتها، فضلا عن إبطاء تطور المرض، وتحسين نوعية حياة المرضى، حيث يتم اللجوء الى العلاجات المعدلة لمسار المرض في أقرب وقت ممكن؛ من أجل الحد من تقدمه، ومنع الانتكاسات المستقبلية.
كما أوضحت أن الأطباء قد يلجأون في بعض الحالات، الى استعمال الستيرويدات لفترات قصيرة؛ من أجل علاج الانتكاسات الحادة، إضافة الى أدوية أخرى تساعد في التخفيف من الأعراض المصاحبة للمرض؛ مثل التعب، وارتعاش العضلات، والاكتئاب، واضطرابات المسالك البولية والمشكلات الجنسية، مؤكدة أن هذه الأدوية لا تغير مسار المرض بشكل كامل، لكنها تلعب دورا مهما في إدارة الأعراض، وتحسين الحياة اليومية للمصابين.
وتطرقت المتحدثة لأهمية الرعاية الذاتية في التعايش مع المرض، مشيرة الى أن العديد من المرضى يعانون من التعب المزمن، ولذلك يُنصح بممارسة النشاط البدني بانتظام، واتباع عادات نوم صحية، والابتعاد عن الأدوية التي قد تزيد من الشعور بالتعب؛ لما لذلك من أثر إيجابي على الحالة الصحية والنفسية للمريض. كما أبرزت الدور المهم لإعادة التأهيل، والمتابعة مع المختصين، حيث يمكن أخصائيَّ إعادة التأهيل المساهمةُ في تحسين الوظائف الحركية، والرفع من جودة الحياة، وتقليل تصلب العضلات وتشنجاتها، ومساعدة المرضى على المحافظة على استقلاليتهم، وقدرتهم على أداء نشاطاتهم اليومية.