عميّر بوداود
سيرة رجل وذاكرة في مقاومة النسيان
- 376
بقلم: الأستاذ شيخ ضيف الله*
في ربيع عام 1960 كانت الجزائر تعيش واحدة من أقسى لحظات تاريخها. كان الاستعمار الفرنسي يُحكم قبضته على الجنوب الغربي، ويصعّد عملياته العسكرية، في محاولة يائسة لكسر الحاضنة الشعبية للثورة. في منطقة العين الصفراء وضواحيها كانت سياسة الأرض المحروقة واقعا يوميا: قرى تُفرَّغ، وخيام تُقصف، وناس يُقتلعون من أماكنهم، ويدفعون إلى التهجير القسري.
في تلك المرحلة كان أغلب شباب المنطقة التحقوا بجيش التحرير الوطني. مجموعات صغيرة تتحرّك في صمت، تنفّذ هجمات خاطفة على دوريات العدو، وتخرب السكة الحديدية لتعطيل سير القطار الذي كان ينقل الجنود والسلاح نحو بشار، وبقية الجنوب. كانت المقاومة فعلًا يوميًا، بسيط الوسائل، عظيم الأثر.
وردّ الاحتلال بعنف أعمى. قصفت الطائرات خيام أولاد قطيب من عرش لعموري بمنطقة الجنينات. لم يكن الهدف موقعا عسكريا، بل كسر الإرادة الجماعية، فهرب الجميع: نساء يحملن أطفالهن، وشيوخ يسيرون في العراء، وأطفال لم يفهموا لماذا تُقصف خيامهم. تُركت الخيام، والغنم، وكل ما يملكون وراءهم، واتجهوا غربًا نحو الحدود المغربية، ليستقروا مؤقتا بمدينة فجيج المُطلة على مدينة بني ونيف الجزائرية.
أما الشباب فبقوا في الجبال من بينهم المجاهد عمير بن سليمان والد عمير بوداود، الذي أُصيب إصابة بليغة أفقدته عينه اليمنى، إثر شظايا قصف جوي في جبل عيسى شمال العين الصفراء. ومن العائلة نفسها شارك المجاهد الميلود لحرش، عمّه في إسقاط طائرة للعدو في جبل قروز بمنطقة بشار، فيما سقط الشهيد الطيب العمّ الأصغر في درمل، بعد أن قتلته فرنسا بتهمة التجسس.
ميلاد عميّر بوداود
كانت العائلة، مثل آلاف العائلات الجزائرية، تدفع ثمن الحرية قطعة قطعة، بالدم، وبالغياب، وبالصبر الطويل. وفي خضم هذا الخراب وفي زمن لا يمنح الطفولة شروطها الطبيعية، وُلد عمير بوداود سنة 1960، في قرية درمل التابعة لبلدية الجنين بولاية النعامة. وُلد في غياب الأب، وفي قلب مرحلة مثقلة بالخوف، والتهجير، وعدم الاستقرار.
حملته أمه فاطمة الزكراوي بنت إبراهيم تسعة أشهر في ظروف قاسية: تنقّل دائم، وقلق مستمر، وشحّ في الموارد، وانتظار طويل لزوج غائب في الجبال. تحمّلت وحدها أعباء الحمل والولادة في زمن كان فيه الصبر شكلا آخر من أشكال المقاومة. كما تولّى الجد بن عيسى، عمّ والده، رعاية العائلة، فكان السند، والحامي، والذاكرة الحيّة، في زمن هشّ، لا يعترف إلا بالقوة والتماسك.
وبعد الاستقلال سنة 1962 عادت العائلة إلى الجزائر. وفي سنة 1963 استقرّت بمدينة بشار، وسط المدينة. وهناك التحق الأب بسلك الشرطة الجزائرية ضمن أول دفعة وطنية بعد الاستقلال، حاملا معه جراح الحرب، وصمت المجاهدين. وظلّ في الخدمة إلى غاية تقاعده سنة 1982، قبل أن تستقر العائلة لاحقا بمدينة العين الصفراء. وفي هذا الفضاء، كبر عميّر بوداود. وكبرت معه ذاكرة المكان. ذاكرة الأرض، والجبال، والتهجير، والبيوت الطينية، والحكايات التي لم تُروَ كاملة، لكنها استقرّت عميقا في وجدانه، وصاغت حسّه الإنساني والأدبي.
وكان شديد التعلّق بوالده. ويراقبه أكثر مما يسمعه. يتعلّم من صمته، ومن نظرته، ومن الجرح الذي لم يتحوّل يوما إلى شكوى. هذا الارتباط العميق سيترك أثره الواضح لاحقًا في كتاباته، خاصة تلك التي تناولت المجاهدين، والذاكرة الثورية، والإنسان البسيط الذي دفع ثمن الحرية في هدوء. وفي المدرسة، بدا مختلفا، هادئا، متأملا، قوي الذاكرة، سريع الفهم. لم يكن الكتاب عنده واجبا مدرسيا، بل ملاذا، ونافذة لفهم العالم، وطريقة لمقاومة ضيق الواقع.
وفي مرحلة الشباب، التحق بدار الشباب. وهناك التقى مثقفين وشبابا يشاركونه همّ الثقافة والكتاب. فضاءات بسيطة في إمكاناتها، لكنها غنية بأسئلتها، مفتوحة على النقاش، والقراءة، والحلم. وهناك تشكّلت ملامح وعيه الثقافي الأولى. وكان دائم التردّد على المكتبة البلدية بمدينة العين الصفراء. قرأ كل ما كان متاحا. وأعاد القراءة. وصنع من القليل أفقا واسعا. لم ينتظر وفرة الوسائل، بل صنع من الندرة دافعا، ومن الصمت معرفة.
الأدب شغف والسينما ولع
إلى جانب الأدب كانت السينما شغفه الآخر. وجد فيها لغة موازية للسرد، وامتدادا بصريا لفهم الإنسان. كان يرتاد سينما أمزي باستمرار. يتابع الأفلام، ويتأمل أعمال المخرجين الكبار، ويتعامل مع السينما كفنّ فكري وجمالي، لا كترفيه عابر. انعكس هذا الشغف لاحقا في كتابته، في بنائها المشهدي، وفي اهتمامه بالصورة، والإيقاع، واللحظة الإنسانية المكثفة. ورغم أن مساره الدراسي عرف توقفا مبكرا بفعل الظروف الاجتماعية والاقتصادية، إلا أن انقطاعه عن الدراسة لم يكن انقطاعا عن التكوين. واصل تعليمه بالمراسلة، بإصرار صامت. ونال شهادة البكالوريا في الآداب سنة 1987، مؤكّدا أن المعرفة ليست امتيازا، بل خيارا يُدافع عنه.
وفي حياته المهنية، بدأ معلما للتعليم الابتدائي في جنوب العين الصفراء، بدرمل، في ظروف صعبة، تتطلب صبرا وعزيمة، وتحديا لقيود النقص في الموارد والبنية التعليمية. وبعد سنوات ترك التعليم، وانخرط في الإدارة بقسمة جبهة التحرير الوطني بالعين الصفراء، مكلَّفا باستقبال ملفات المجاهدين، حيث نال ثقة المسؤولين. وعُرف بإتقان عمله وتفانيه. وبعد التعددية سنة 1988 التحق بمركز التكوين المهني، وواصل العمل به سنوات طويلة، حتى قرر التقاعد سنة 2013.
خلف الوظيفة كان يعيش مشروعه الحقيقي
بعد رحيل والده سنة 2017 لم يدخل عمير بوداود في حداد صاخب. لم يكتب رثاء مباشرا، ولم يكثر من الكلام. اختار الطريق الذي يعرفه جيدا: الكتابة. تحوّل الفقد عنده إلى فعل، وإلى وفاء طويل النفس. وازدادت علاقته بالكتاب عمقا، وصارت الكتابة عنده ليست هواية ولا ترفا، بل طريقة للعيش، ولحفظ الذاكرة، ولمقاومة النسيان. وضع حياته، ووقته، وطاقته في خدمة الكلمة، خاصة تلك التي تتناول المقاومة، وتاريخ الجنوب الغربي الجزائري، وسير الرجال الذين صنعوا الثورة، ثم غابوا في صمت.
واشتغل على الترجمة بإيمان عميق، لا باعتبارها نقلا لغويا فقط، بل باعتبارها استعادة لذاكرة مسكوت عنها، وجسرا حضاريا بين اللغات والثقافات. ترجم كتبا تؤرخ للمقاومة، وللجنوب الغربي، ولشخصيات نذرت حياتها للحرية والمعرفة، كأنما كان يردّ دينا شخصيا لوالده، ولجيل كامل من المجاهدين وفي موازاة ذلك، واصل كتابة القصة القصيرة، بنَفَس إنساني، مشهدي، هادئ، متأثر بالسينما وبالواقع. كما كتب المقال الثقافي، منخرطا في قضايا الثقافة الجزائرية، والراهن الفكري، وهموم النشر، وأزمات القراءة، ومكانة الكاتب، والاحتفاء بالكتّاب الحقيقيين بعيدا عن الضجيج.
استخدم منصات التواصل الاجتماعي كفضاء ثقافي مفتوح، يكتب فيه بانتظام، دون استعلاء، بلغة بسيطة، دقيقة، عميقة، جعلت نصوصه تصل إلى القارئ العادي والمثقف معا. كان حضوره هادئا لكنه مؤثر. وساهم بصدق في تحريك المشهد الثقافي الجزائري، خاصة في مناطق ظلّت طويلا خارج الضوء. لم يَسعَ إلى الأضواء، ولم يطلب الاعتراف، لكنه ناله طبيعيا، لأن كتابته كانت صادقة، ومعرفته موسوعية، وموقفه الإنساني واضحا. كان يحتفي بالكتّاب، يقدّمهم، يكتب عن أعمالهم، ويؤمن بأن الثقافة فعل جماعي، لا بطولة فردية.
وكانت هذه المسيرة مجتمعة مشروع حياة لا مجرّد إنتاج ثقافي، مشروع وفاء وذاكرة ومقاومة هادئة، مخلّفا وراءه أعمالا كثيرة، من بينها: "صوب البحر" (2016)، و"الحراك الجزائري: كتابة لنحت مسالك النور" (2021)، و"خليفة بن عمارة: الباحث المتخصص في تاريخ الجنوب الغربي الجزائري" (2023)، و "نزق" (2023)، و"مخلوف عامر: الناقد الأدبي" (2023)، و"تفكيك وتشريح واقع ثقافي" (2024)، و"غزة تراتيل" (2024)، إضافة إلى رصيد معتبر في الترجمة من الفرنسية إلى العربية. كما ساهم في إثراء الذاكرة الثقافية الجزائرية والعربية.
رحيل موجع
في صباح 23 ديسمبر 2023 خرج عميّر بوداود من بيته قبيل طلوع النهار، يحمل سلة خبز لأبنائه. قرب بيته، تعرّض لعملية دهس أنهت حياته فجأة. رحل كما عاش: بصمت، دون ضجيج، دون وداع طويل. ترك وراءه عائلة مكلومة، وأصدقاء مذهولين، ووجعا صامتا في قلوب المثقفين والقراء الذين عرفوه إنسانا قبل أن يعرفوه كاتبا. ولاتزال قلوب عائلته معلّقة، تنتظر كشف الحقيقة، وردّ الاعتبار، لأن العدالة جزء من الذاكرة، ولأن الذاكرة لا تكتمل دون حق. لم يرحل عمير بوداود فعلا. بقي في كتبه، وفي ترجماته، وفي المقالات التي أيقظت الأسئلة، وفي ذاكرة مكان، وناس وثقافة.
❊ شاعر