حيّل قديمة لتلطيف جو البيوت
رش الحوش وماء الطين.. طقوس متوارثة بعنابة
- 275
سميرة عوام
تشكل عملية رش الحوش والمساحات الترابية أمام المنازل، بديلا حقيقيا للتخفيف من حر الصيف، وهي الحيلة التقليدية التي تعود إليها العائلات محدودة الدخل، خاصة بالنسبة لقاطني البنايات الهشة والمساكن القصديرية في أطراف عنابة؛ حيث تتحول قطرات الماء على التراب، إلى وسيلة التبريد الوحيدة لمواجهة حرارة الجدران، وصنع نسيم يلطف أجساد قاطنيها، في ظل غياب المكيفات مرتفعة الثمن.
ففي الأحياء القصديرية والقرى المجاورة للمدينة، تشتد المعاناة اليومية مع الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية داخل غرف صفائح الحديد، أو الجدران الرقيقة، ما جعل البحث عن طرق للتبريد، مسألة ضرورية للعيش، وليست مجرد اختيار ثانوي، إذ تتحول تلك المساكن المغلقة خلال النهار، إلى ما يشبه الأفران التي تطرد أصحابها إلى الساحات المكشوفة، بحثا عن منفذ هواء بارد يجدد نشاطهم وحيوتهم.
تتعدى هذه السلوكيات مجرد البحث عن البرودة السريعة، لتتحول مع ساعات غروب الشمس، إلى عادة اجتماعية يفرضها التكيف مع الطقس الصعب. فمع خروج الأمهات والأطفال لرش أعتاب البيوت وساحتها الترابية بالدلاء، تنتشر في الأجواء رائحة "الأرض المبللة"، التي تخفف من الحرارة المنبعثة من الجدران، فاسحة المجال للتمتع ببرودة الليل، وتشارك أطراف الحديث بين الجيران.
هذه العادة اليومية البسيطة، تعيد للحي روحه التضامنية؛ إذ يجتمع الكبار على كراسي بلاستيكية أو أفرشة بسيطة ممدودة فوق التراب المبلل، ويتبادلون أطراف الحديث وشرب الشاي، في المشهد الذي يحول الأزقة البسيطة إلى ساحات حميمية مفتوحة، تلطف من قسوة الواقع، وتخفف من تعب الحر الشديد، الذي يستنزف طاقة الجميع طوال ساعات النهار.
ولا تتوقف هذه الحلول عند حدود الساحات الخارجية، بل تتسلل إلى عمق البيوت، لمواجهة انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة، التي تشهدها المنطقة في ذروة الاستهلاك الصيفي. فمع انطفاء الأجهزة وتوقف المروحات الحديثة، تسارع الأسر العنابية إلى استحضار وسائل التبريد التقليدية، التي أثبتت نجاحها عبر سنوات طويلة، وفي مقدمتها "الخوابي" والأواني المصنوعة من الفخار والطين. يعتمد هذا الخيار الأصيل على خاصية خروج الماء عبر ثقوب الطين الصغيرة، لتبريد الوعاء من الخارج، والتي تحفظ للماء برودته وعذوبته الشديدة، مهما ارتفعت درجات الحرارة في الخارج، لتصبح هذه القارورات والأواني الطينية، الحل المضمون والأخير لشرب ماء بارد يطفئ العطش، دون الحاجة إلى الطاقة الكهربائية، فضلا عن المنظر التقليدي الذي يبعث الطمأنينة والسكينة في نفوس أفراد الأسرة جميعا.
داخل الغرف المكتظة، تتفنن العائلات في ابتكار منافذ هواء بارد، بأبسط المستلزمات والوسائل المتاحة بين أيديها. تعلق الأغطية والأقمشة القطنية المبللة بالماء البارد أمام النوافذ المفتوحة أو الشقوق الجدارية، مما يساعد على تصفية الهواء الساخن المتدفق، وتحويله إلى نسيم بارد يقلل من حدة الاختناق الداخلي. كما تستغل الشرفات والأسطح المفتوحة كفرش مسائي بديل، لقضاء السهرات وحتى النوم تحت السماء المفتوحة، للاستفادة من هبات النسيم القادم من البحر، بدلا من المكوث داخل غرف حارة، تحبس السخونة وتضاعف من التعب الجسدي والنفسي لقاطنيها، طوال ساعات الليل الصيفي الطويل.
تتعدى هذه الحيل الاقتصادية والبسيطة غايتها الأولى، المتمثلة في خفض حرارة المكان، لتصل إلى عمق البناء الاجتماعي للأحياء والقرى العنابية الفقيرة. إن الانزعاج القاسي من درجات الحرارة والفقر المادي لم يزد هذه العائلات إلا تماسكًا وقدرة على ابتكار حلول، تعتمد على الموارد الطبيعية والبسيطة. لقد أثبت الموروث الشعبي أن الحاجة تصنع ابتكارات، تجمع القلوب قبل أن تبرد الأجساد، وأن التشارك في رش قطرة ماء أمام حوش الجار، أو الاقتسام من ماء "خابية" طينية واحدة، يمثل أعلى درجات التضامن الاجتماعي، الذي نفتقده في الأحياء المغلقة ذات المكيفات الفاخرة، حيث تذوب الفوارق المادية أمام روح التعاون المتبادل.
تستعرض هذه السلوكات اليومية، المستوحاة من التقاليد الشعبية في جوهرها، درسا حقيقيا في تكيف العائلات مع قسوة الظروف الاقتصادية والمناخية بكرامة ووعي. إن عودة الأسر في البنايات الهشة والفقيرة إلى هذه الوسائل البديلة، ليست مجرد استسلام للواقع، بل إعلان عن قدرة الإنسان على صنع راحته وإيجاد بدائله الخاصة بأقل التكاليف. ويبقى عبق التراب المبلل بالماء في ليالي عنابة الصيفية، شاهدا على أن الأصالة والبساطة والتكاتف بين الجيران، هي الوسائل الأقوى والأبقى لمواجهة الحر، وتجاوز صعوبات الحياة بتعاون ومحبة، يمنحان البيوت الدفء والتراحم المطلوبين لاستمرار الحياة بسلام وتفاؤل، رغم حرارة الطقس ورطوبة جدران البيوت الهشة.