عطلة الربيع في العاصمة

رحلة بين الترفيه والمعرفة وبوابة لاكتشاف الطبيعة

رحلة بين الترفيه والمعرفة وبوابة لاكتشاف الطبيعة
  • 226
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

❊جولة مغامرات في عالم الديناصورات .. متعة الفرجة مع "التيراكس"

تتغير ملامح المدينة مع بداية عطلة الربيع، وتنبعث فيها روح جديدة، وترتدي الحدائق حلة جديدة، وتُخرج جمال طبيعتها، وسط ضحكات الاطفال الراكضين في احضانها رفقة الأهل، إذ يجد هؤلاء عالمهم الخاص للاستمتاع بتلك الأجواء. وتخرج العائلات بحثا عن لحظات راحة بعيدا عن ضغط الدراسة والعمل. ويجد حينها الأطفال فرصة ذهبية للعب، والاكتشاف، والانطلاق في رحلة المغامرة بكل حرية، لتملأ أصواتهم الحدائق والمتنزهات، في مشهد يعكس براءة الطفولة، وجمال هذه الأيام التي تصنع ذكريات. وقد تصقل حتى المعارف، وتبني الشخصيات.

وفي قلب هذه الأجواء الربيعية المنعشة يبرز جمال عدد من الحدائق والمتنزهات بالعاصمة، كوجهات مفضلة للعائلات، حيث تتحول الفضاءات الى أماكن نابضة بالحياة، تجمع بين الترفيه والتسلية، وكذا التعليم، إذ تمنح بعضها للزائرين تجارب فريدة ومتكاملة تجمع بين جمال الطبيعة، وروعة الأنشطة المنظمة؛ ما يجعل منها وجهات مفضلة للكبار والصغار على حد سواء.

حديقة الديناصورات.. رحلة عبر الزمن لعشاق عصور ما قبل التاريخ

يقدم متنزه الصابلات لزواره تجربة مميزة هذه المرة بعد نجاح الطبعة الأولى، من خلال تنظيم طبعة "أكثر احترافية" لمعرض الديناصورات، التي تعود في شكل مجسمات متحركة أكثر ضخامة وواقعية، حيث تكفي هذه النماذج العملاقة وحدها لجذب الأنظار، وإثارة دهشة الزوار من مختلف الأعمار، خاصة الأطفال الذين يجدون أنفسهم أمام عالم يبدو حيا بكل تفاصيله، في مشهد يجمع بين الفرجة والتشويق، ويحوّل جولة بسيطة في المتنزه الى مغامرة لا تُنسى.

فمع كل عطلة يشهد المتنزه إقبالا كبيرا من مختلف ولايات الوطن، حيث يتوافد آلاف الزوار يوميا للاستمتاع بالواجهة البحرية والمساحات الخضراء الواسعة. وقد سُجل في فترات سابقة توافد أزيد من ثلاثين ألف زائر يوميا، حسب تصريحات القائمين على المتنزه في حديثهم إلى "المساء"، ما يعكس مكانته كمتنفس حقيقي للعائلات الباحثة عن الراحة والتسلية. 

كما إن التنظيم المتقن من طرف الولاية والجهات المعنية، ساهم في تحسين الخدمات، وتوفير أجواء مريحة، ونظيفة، وهو ما عبّر عنه العديد من الزوار، الذين أكدوا أن المكان أصبح وجهة دائمة لهم خلال العطل، وحتى، أحيانا، خلال الفترات المسائية من اليوم؛ لكسر روتين الأسبوع بين الحين والآخر.

ومن أبرز ما شد انتباه الأطفال خلال هذه العطلة معرض الديناصورات المتحركة، الذي أقيم على مستوى المتنزه؛ في تجربة فريدة تمزج بين المتعة والمعرفة، حيث يجد الطفل نفسه وكأنه سافر ملايين السنين الى الوراء، ليعيش مغامرة وسط كائنات كانت تسيطر على الأرض في عصور ما قبل التاريخ.  وقد لاقى هذا المعرض إقبالا واسعا، وإعجابا كبيرا من طرف الزوار، خاصة الأطفال الذين اندهشوا من حركتها، وأصواتها الواقعية.

ويضم المعرض عددا من النماذج المختلفة لديناصورات مشهورة مثل" التيرانوصور ريكس"، والمعروف بضخامته وقوّته، والذي عاش قبل حوالي 68 مليون سنة في نهاية العصر الطباشيري. وهو من أشرس آكلات اللحوم. وكان يمشي على القدمين. ويتمتع بفك قوي جدا، الى جانب "التريسيراتوبس" صاحب القرون الثلاثة، والذي عاش نفس الفترة تقريبا، وكان من آكلي الأعشاب. وله درع عظمي، يحمي رقبته.

يُرمز له في بعض أفلام الديناصورات الشهيرة، بأحد أنواع الديناصورات المسالمة. وكان في المتنزه واحد من أكثر المجسمات استقطابا للأطفال بفضل شكله الضخم، إضافة الى أنواع أخرى تم تصميمها بشكل دقيق؛ لتقريب الصورة الحقيقية لهذه الكائنات، حيث تتحرك هذه المجسمات وتصدر أصواتا تحاكي الواقع بفضل تقنيات حديثة، تجعل التجربة أكثر إثارة، على غرار ديناصور "البراكيوصور" الذي عاش قبل حوالي 150 الى 154 مليون سنة خلال العصر الجوراسي، وهو من أكبر الديناصورات الآكلة للأعشاب. وكان يتميز برقبة طويلة تساعده على أكل أوراق الأشجار العالية، الى جانب "الفيلوسيرابتور" الذي عاش قبل نحو 75 مليون سنة. وكان من آكلات اللحوم صغيرة الحجم، لكنه سريع. وكان يتميز بذكاء خارق، ويصطاد في مجموعات، ما جعله محل دراسة العديد من خبراء هذا العالم الى يومنا هذا.

ولا تخلو الجولة من الديناصورات الطائرة؛ مثل "البتيرانودون" الذي عاش قبل حوالي 70 مليون سنة، وهو ليس ديناصورا بالمعنى الدقيق، بل زاحف طائر، كان يعتمد على الطيران للبحث عن الغذاء. وكان يتغذى حتى على الأسماك، ما يضيف تنوعا في التجربة، وجعل الأطفال يتعرفون على كائنات مختلفة من نفس الحقبة. ومن بين النماذج أيضا "الستيغوصور" الذي عاش قبل حوالي 150 الى 155 مليون سنة.

وكان عشبيا، يتميز بصفائح عظمية كبيرة على ظهره، وذيل يبدو مسلحا، وكذلك "الأنكيلوصور" الذي عاش قبل نحو 68 مليون سنة. وكان عشبيا أيضا، لكنه يمتلك درعا قويا، وذيلا يشبه المطرقة؛ للدفاع عن نفسه. كل تلك النماذج المتحركة يبدو أنها صُممت بعناية لتقريب صورة الحياة في عصور ما قبل التاريخ، بعدما تم الاستفادة من تجربة الطبعة الأولى، التي لاقت استحسان الجمهور، إذ إن هذه الطبعة جاءت بمجسمات أكثر "حياة" ؛ حيث تتحرك وتصدر أصواتا تضفي واقعية على المشهد، ما يجعل المتجول لا يكتفي بالمشاهدة فقط بل يتخيل ويطرح الأسئلة، ويكتشف الفروق بين الديناصورات العاشبة وآكلات اللحوم والزواحف الطائرة، في تجربة تجمع بين التسلية والمعرفة، وتفتح بابا واسعا نحو عالم العلوم والتاريخ.

وتكمن أهمية هذه الفضاءات، حسب محمد، أحد القائمين على المعرض الذي كان ضمن مرشدي الحديقة، في بعدها التربوي. إنها ليست مجرد تسلية فقط، بل تفتح المجال أمام الطفل لتوسيع خياله، وتنمية معارفه، حيث يتعرف على تاريخ الديناصورات التي عاشت قبل أكثر من 150 مليون سنة. كما تشير الدراسات الى أن القارة الإفريقية شهدت وجود عدة أنواع منها. وقد تم اكتشاف حفريات في مناطق مختلفة، ما يربط الطفل بعالم العلم والاكتشاف بطريقة مبسطة وممتعة، بعضها مرتبط بقارته.

أما عن أسعار الدخول فهي في متناول العائلات، حيث إن دخول المتنزه في حد ذاته، مجاني؛ ما يجعله مفتوحا للجميع، في حين تكون بعض المعارض أو الألعاب مدفوعة برسوم رمزية بين 200 دينار و500 دينار جزائري مع احتساب سعر المتحف، حينها يتم تقديم جواز سفر "المغامر"، الذي يحمل تفاصيل تتعلق بكل ديناصور متواجد هناك. وعند كل جولة يقوم الحراس هناك بختم الصفحة بختم ممتع، يحمل آثار قدم أحد تلك الديناصورات.

وسمحت الأسعار المقترحة للعائلات باختيار ما يناسبها دون عبء كبير، خاصة مع توفر خدمات متنوعة؛ من مطاعم، وفضاءات لعب، ومناطق للراحة. وقد عبّر العديد من الأولياء عن سعادتهم بهذه المبادرات، مؤكدين أن مثل هذه الفضاءات تساعد على إخراج الأطفال من الروتين اليومي، وتمنحهم فرصة لاكتشاف أشياء جديدة بطريقة ممتعة. كما تخلق جوا عائليا دافئا، يعزز الروابط بين أفراد الأسرة، في حين عبّر الاطفال عن فرحتهم الكبيرة، خاصة عند مشاهدة الديناصورات المتحركة، التي بدت لهم وكأنها حقيقية.

الحديقة الإيكولوجية باب الزوار.. فضاء عائلي متكامل

ولا تقتصر متعة العطلة الربيعية على متنزه الصابلات فقط، بل تمتد الى فضاءات أخرى لا تقل جاذبية، على غرار الحديقة الإيكولوجية ببلدية باب الزوار، التي أصبحت وجهة مفضلة للعائلات الباحثة عن الراحة والترفيه في نفس الوقت، حيث توفر هذه الحديقة أجواء طبيعية هادئة بعيدا عن صخب المدينة، مع مساحات خضراء واسعة، ومناطق مخصصة للعب الأطفال، وممرات مناسبة للتجول والرياضة.

وتتميز الحديقة بتنوع خدماتها، إذ تضم فضاءات للجلوس والاسترخاء، ومناطق مهيأة للنزهات العائلية، الى جانب ألعاب ترفيهية بسيطة تجذب الأطفال. كما تشكل فضاء مفتوحا للأنشطة الثقافية والبيئية، التي نُظمت على شكل ورشات مفتوحة للأطفال، ما يجعلها مكانا يجمع بين الترفيه والتوعية في ظل الاهتمام المتزايد بالجانب البيئي، والحفاظ على الطبيعة، وهو ما ينعكس في تنظيم الفضاءات، والعناية بالنظافة والتشجير، خصوصا خلال فصل الربيع.

كما وجد الأطفال في هذا المكان، حسبما لمست "المساء" هناك خلال جولتها، فرصة للعب بحرية، واكتشاف محيطهم الطبيعي بعيدا عن الأجهزة الإلكترونية. ويبدو أن اللعب هناك وسيلة للتعلم، والتفاعل مع البيئة، في تجربة تعزز لديهم حب الطبيعة، وروح الاستكشاف. وأكد الأولياء في حديثهم إلى "المساء" ، أنهم يبحثون عن فضاءات تمنح الطفل معلومات قيمة الى جانب التسلية بعيدا عن الركض والصراخ هنا وهناك دون أي معلومات قيمة متعلقة بمحيطه، أو بيئته، أو تصقل لديه إحدى المهارات الفنية، أو الحس الجمالي..

حديقة الحامة متحف طبيعي  يروي تاريخ الطبيعة

أما حديقة التجارب بالحامة فتبقى واحدة من أبرز الوجهات بقلب العاصمة، تمنح زائريها خلال العطلة الربيعية بعدا مختلفا. ولا يتعلق الأمر بمجرد نزهة عائلية، بل رحلة داخل عالم نباتي غني بالتاريخ والجمال، فهذه الحديقة التي أنشئت سنة 1832، تمتد على مساحة تقارب 32 هكتارا. وتُعد من أهم الحدائق في العالم، ما يجعلها فضاء يجمع بين التراث الطبيعي والعلمي في آن واحد.

وتضم الحديقة أنواعا كثيرة من النباتات والأشجار النادرة القادمة من مختلف مناطق العالم، حيث يصل عددها الى أكثر من 2500 نوع، بعضها يعود عمره الى مئات السنين، وهو ما يمنح الزائر فرصة لاكتشاف تنوع نباتي مدهش في مكان واحد. كما تتميز بممراتها الطويلة التي تحيط بها أشجار عملاقة، تشكل لوحات طبيعية ساحرة، تستهوي الزوار من مختلف الأعمار.

ولا تقتصر زيارة الحديقة خلال هذه العطلة على التمتع بالمناظر فقط، بل تحولت بفضل ورشات يديرها خبراء في البيئة وإيكولوجيون، الى تجربة تعليمية حقيقية، حيث يتعرف الأطفال على أنواع النباتات، وطرق عيشها، وأهميتها في التوازن البيئي. كما تضم فضاءات علمية مثل مدرسة البستنة، وبنك للبذور يحفظ آلاف الأنواع النباتية؛ ما يعزز بعدها التربوي والعلمي وتجوّل الأطفال هناك، حسب مسيري الفضاء؛ فهي تمنح الطفل الروح واليد الخضراء، وتعزز العلاقة بين الطفل وبيئته، ويكون على علم واسع بثقافة مرتبطة بالطبيعة، وكيفية الحفاظ عليها.

وفي هذا الفضاء يجد الطفل نفسه في عالم مختلف، حيث تمتزج الطبيعة بالهدوء والجمال، فيتعلم من خلال المشاهدة والتجول. وتتحول العطلة الى فرصة لاكتساب معارف جديدة بطريقة بسيطة وممتعة، وهو ما يجعل من حديقة الحامة محطة أساسية لكل عائلة تبحث عن الجمع بين الترفيه والفائدة خلال العطلة الربيعية. وفي هذا الصدد ترى المختصة الاجتماعية عبير براهيمي، أن الأجواء الترفيهية خلال العطلة الربيعية التي يتم تنشيطها في خرجات وجولات وتسلية، تمنح الطفل فسحة من الفرح والاكتشاف، مؤكدة الأهمية الكبيرة التي تكتسيها العطلة في حياة الطفل. وأشارت، في حديثها  مع " المساء"، إلى أن العطلة ليست مجرد فترة راحة عابرة، بل هي ضرورة تربوية ونفسية، تساهم في تحقيق التوازن لدى الطفل، خاصة بعد أشهر من الالتزام بالواجبات المدرسية، والروتين اليومي.

وأضافت أن هذه الفترات تسمح للطفل بإعادة شحن طاقته، والتعبير عن ذاته بحرية، من خلال اللعب والتفاعل مع محيطه، وهو ما يعزز ثقته بنفسه، وينمي قدراته الاجتماعية. كما أكدت أن الخروج الى الفضاءات المفتوحة كالحدائق والمتنزهات، يفتح أمام الطفل مجالا واسعا للاكتشاف، والتعلم غير المباشر، حيث يكتسب معارف جديدة بطريقة تلقائية بعيدا عن أساليب التلقين التقليدية، مشددة على أن اللحظات التي يقضيها الطفل رفقة عائلته خلال العطلة، تساهم، بشكل كبير، في تقوية الروابط الأسرية، وتمنحه شعورا بالأمان والانتماء، وهو ما ينعكس إيجابا على سلوكه، ونموه العاطفي.