عنوان للشجاعة، التضحية والإنسانية

رجال الإطفاء.. حين يولد الأمل وسط الدخان واللهيب

رجال الإطفاء.. حين يولد الأمل وسط الدخان واللهيب
  • 174
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

كل يوم، يعيش المجتمع تفاصيل كثيرة قد تمر مرور الكرام، غير أن هناك لحظات استثنائية يتوقف عندها الزمن، حين تشتعل النيران، أو يرتفع الدخان، أو يعلو صوت الاستغاثة. ففي تلك الثواني لا يكون الخوف مجرد شعور، بل يصبح حقيقة يعيشها كل من وجد نفسه في قلب الخطر. وبينما يسرع الجميع بحثًا عن مكان آمن، يظهر رجال اختاروا طريقًا مختلفًا، يتقدمون فيه نحو اللهب بدلًا من الابتعاد عنه، ويحملون على عاتقهم مسؤولية حماية الأرواح والممتلكات، مؤمنين بأن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه للآخرين في أصعب الظروف. لذلك ظلت مهنة رجل الإطفاء من أكثر المهن ارتباطًا بالشجاعة والتضحية والوفاء للواجب وللوطن.

تجسد مهنة أعوان الحماية المدنية هذا المعنى بكل تفاصيله، فهي ليست مجرد عمل يومي ولا وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات الدوام، بل رسالة إنسانية تتطلب استعدادا دائما، ولياقة بدنية عالية، وقدرة على اتخاذ القرار في لحظات قد تحدد مصير أشخاص كثيرين..فكل نداء استغاثة يحمل احتمالات مختلفة، وكل تدخل يضع رجل الإطفاء في مواجهة ظروف لا يمكن التنبؤ بها، لذلك يبقى على أهبة الاستعداد في كل وقت، مدفوعًا بروح المسؤولية والرغبة في خدمة المجتمع، حتى وإن كان ذلك أحيانا تضحية بالنفس والروح.

وتكتسب هذه المهنة في هذه الأيام أهمية أكبر، في ظل ما تعيشه الجزائر من أوضاع مؤلمة، بسبب حرائق الغابات التي مست عددًا من الولايات، حيث تحولت مساحات واسعة من الغطاء النباتي إلى ألسنة من اللهب، وخلفت هذه الحرائق خسائر بيئية ومادية، ووضعت أعوان الحماية المدنية ورجال الإطفاء أمام امتحان حقيقي، يجسد صعوبة مهنتهم.

ففي كل مرة تندلع فيها النيران وسط الغابات والمرتفعات الصعبة، يندفع هؤلاء الرجال لمواجهتها في ظروف معقدة، بين الحرارة المرتفعة، والدخان الكثيف، وتقلب اتجاه الرياح، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق. ورغم كل ذلك، يواصلون العمل لساعات طويلة دون تردد، من أجل محاصرة النيران، وحماية السكان، والحفاظ على الثروة الغابية، التي تعد جزءًا من ذاكرة الوطن وبيئته الطبيعية.

في هذا السياق، يؤكد المختص في الصحة والسلامة المهنية، منير تواتي، أن مهنة رجل الإطفاء تعد من بين أكثر المهن تعرضًا للمخاطر، بسبب التعامل المباشر مع الحرائق والدخان والحرارة المرتفعة والمواد القابلة للاشتعال. ويشير إلى أن رجل الإطفاء قد يواجه خلال مهمة واحدة ،عدة أخطار في الوقت نفسه، مثل صعوبة التنفس بسبب الغازات السامة، واحتمال انهيار المباني، والانفجارات المفاجئة، والإجهاد البدني الكبير الناتج عن حمل المعدات الثقيلة والعمل لساعات متواصلة. وأضاف "إن التدريب المستمر واستعمال وسائل الحماية الحديثة يساهمان في التقليل من هذه المخاطر، لكنهما لا يلغيانهما أبدا، لأن طبيعة هذه المهنة تفرض مواجهة ظروف استثنائية تتطلب شجاعة وانضباطًا كبيرين".

ويعد إخماد الحرائق من أصعب المهام التي يقوم بها رجال الإطفاء، يقول محدثنا، فالنيران لا تتحرك وفق مسار ثابت، بل قد تنتشر بسرعة كبيرة بفعل الرياح أو المواد القابلة للاشتعال، وقد تتحول غرفة صغيرة خلال دقائق، إلى مساحة مليئة باللهب والدخان الكثيف. وعند الوصول إلى مكان الحريق، لا يملك رجل الإطفاء رفاهية التردد، بل يبدأ مباشرة في تقييم الوضع واختيار الطريقة الأنسب للتدخل السريع، وهو يدرك أن خلف الجدران، قد يكون طفل ينتظر النجدة، أو شخص عاجز عن الحركة، أو عائلة تحتاج إلى من يعيد إليها الأمل في الحياة.

ولا تقتصر مهمتهم على إطفاء النيران، يشدد الخبير، بل تشمل كذلك إنقاذ المحاصرين، وتقديم الإسعافات الأولية للمصابين، والمساعدة في إخلاء السكان، وحماية الممتلكات من امتداد الحريق. وكل ذلك يتم في ظروف صعبة، تتداخل فيها الحرارة المرتفعة مع الدخان الكثيف وضيق الوقت، لذلك يعتمد رجال الإطفاء على الانضباط والعمل الجماعي، حيث يعرف كل فرد مهمته بدقة، ويتحرك الجميع كفريق واحد من أجل الوصول إلى أفضل نتيجة في أقصر وقت ممكن.

ورغم ما يواجهونه من مخاطر يومية، يقول تواتي، يبقى الجانب الإنساني السمة الأبرز في هذه المهنة، فنجاح رجل الإطفاء لا يقاس فقط بإخماد الحريق، بل بالابتسامة التي تعود إلى وجه أم فقدت الأمل، أو بطفل خرج سالمًا من بين الدخان، أو بعائلة نجت من كارثة كانت قد تغير حياتها بالكامل. كما يشمل ذلك نجاحه في إنقاذ حيوانات محاصرة، أو حماية غطاء نباتي، أو الحفاظ على ثروة غابية، وهذه اللحظات هي التي تمنح هذه المهنة قيمتها الحقيقية، وتجعلها رمزًا للعطاء والتضحية والوفاء للوطن.

وشدد تواتي على أن عمل رجال الحماية المدنية لا يكتمل دون تعاون المواطنين، فالالتزام بقواعد الوقاية، وصيانة الأجهزة الكهربائية، والاستعمال الصحيح للغاز، واحترام تعليمات السلامة، وعدم رمي النفايات الزجاجية في الغابات، وغيرها من قواعد السلامة، كلها خطوات بسيطة، لكنها قادرة على التقليل من عدد الحرائق والخسائر. فالوقاية تبقى الوسيلة الأكثر فعالية لحماية الأرواح والممتلكات، وهي مسؤولية مشتركة بين الجميع.