“جامع بن سعدون” يجذب الزوار والسياح

ذاكرة أربعة قرون تنبض في قلب مدينة الورود

ذاكرة أربعة قرون تنبض في قلب مدينة الورود
  • 177
رشيدة بلال رشيدة بلال

تستقطب ولاية البليدة، خلال العطلة الصيفية، أعدادا متزايدة من الزوار والسياح الراغبين في اكتشاف معالمها التاريخية والدينية، حيث تعرف السياحة الدينية إقبالا لافتا، خاصة نحو المساجد العتيقة، التي لا تزال تحافظ على طابعها المعماري الأصيل، وتختزن بين جدرانها تاريخا عريقا يمتد لعدة قرون. ويأتي جامع “بن سعدون” العتيق، المعروف بالجامع الكبير، في مقدمة هذه المعالم الدينية والتاريخية، إذ ظل على مدار أكثر من أربعة قرون، شاهدا على مختلف التحولات السياسية والدينية والثقافية، التي عرفتها مدينة البليدة، محافظا على مكانته كمنارة للعلم والفقه والعبادة، ورمزا للهوية الوطنية.

أوضح المهتم بتاريخ مدينة البليدة، يوسف أوراغي، أن الذاكرة الشعبية لا تزال تتناقل رواية ارتبطت بتشييد “جامع بن سعدون”، مفادها أن مؤسسه ابن سعدون بن محمد بن بابا علي، لم يُرزق بأبناء، فطلب من زوجته أن تعيره حليها الذهبية والفضية، واعدا إياها بأنه سيقدم لها هدية تنفعها مدى الحياة. وبعد سنوات اصطحبها إلى وسط المدينة، حيث كان الجامع قد اكتمل بناؤه، وأشار إليه وإلى المحلات التجارية الوقفية المحيطة به قائلا “هذه هي هديتك.. صدقة جارية سيبقى أجرها مستمرا”.

وأضاف المتحدث أن هذه القصة، وإن ظلت من الروايات الشعبية المتوارثة بين سكان البليدة، فإنها تعكس المكانة الروحية التي حظي بها المسجد، وتجسد ثقافة الوقف والعمل الخيري، التي ميزت المجتمع البليدي عبر القرون، وهو ما جعل الجامع اليوم قبلة للزوار من مختلف ولايات الوطن، فضلا عن السياح الأجانب المهتمين بالتراث الديني والعمراني.

وأشار أوراغي، إلى أن المصادر التاريخية، تؤكد أن الجامع شُيد في أواخر القرن السادس عشر الميلادي، على يد المحسن ابن سعدون بن محمد بن بابا علي، الذي أنشأه من ماله الخاص، وجعل المحلات التجارية المحيطة به وقفا دائما لتغطية نفقات تسييره وصيانته، في صورة تعكس ثقافة الوقف والتكافل التي كانت سائدة آنذاك.

يتميز جامع بن سعدون بطرازه المعماري المغربي الأندلسي، الأمر الذي جعله من أبرز الوجهات السياحية بمدينة الورود، إذ تبلغ مساحته نحو 258 متر مربع، ويتسع لحوالي 800 مصل، كما تتوسطه أعمدة حجرية وصومعة مربعة الشكل، حافظت على طابعها الأصيل، رغم عمليات الترميم التي خضع لها، عقب زلزال سنة 1825، حيث أعيد بناؤه في عهد الداي حسين باشا.

ومن بين ما يميز هذا الصرح الديني أيضا، المكانة التي حظي بها خلال العهد العثماني، إذ زاره الداي محمد بن عثمان سنة 1764، وأدى الصلاة فيه، قبل أن يخصص له وقفا سلطانيا، دعما لاستمرارية رسالته الدينية والعلمية. وعلى امتداد تاريخه، تخرج من رحاب الجامع، عدد كبير من العلماء والأئمة والمفتين، الذين ساهموا في نشر العلوم الشرعية واللغة العربية، من بينهم الشيخ محمد بن جلول، والشيخ زيتوني تركي محمد، والشيخ محمد بن قدور، إلى جانب نخبة من شيوخ الإرشاد، الذين كان لهم دور بارز في الحفاظ على المرجعية الدينية والهوية الوطنية.

وختم يوسف أوراغي حديثه، بالتأكيد على أن جامع بن سعدون لم يقتصر دوره على العبادة والتعليم، بل تحول خلال الثورة التحريرية، إلى فضاء لدعم الحركة الوطنية وملاذ للمجاهدين، وسجل صفحات مشرقة في تاريخ المقاومة، ويبقى إلى اليوم، أحد أهم الشواهد التاريخية بمدينة البليدة، ورمز ذاكرتها الدينية والوطنية، بما يحمله من إرث معماري وعلمي وثوري، يعكس أصالة المدينة وعمق حضارتها، ويجعل منه محطة أساسية لكل زائر يرغب في التعرف على تاريخ مدينة الورود وتراثها العريق.