"منع التصوير في الأعراس" يلقى الرواج لدى الجزائريين
درء للفضيحة وتجنب للعين والحسد.. والأهم.. الحفاظ على الخصوصية
- 1027
نور الهدى بوطيبة
❊ تدخل قد ينتهي بمناوشات
❊ إساءة لحرمة الزفاف وإضرار بالمدعوين
يضفي منظمو الأعراس، خلال الآونة الأخيرة، خدمة جديدة ضمن ما يقترحونه، وضمان نجاحها، وهي "منع التصوير داخل قاعة الزفاف"، التي دخلت الخدمة، بعدما اشتد الطلب عليها من طرف الزبائن الذين اشتكوا انتشار صور العرسان بعد الوليمة، بين عدد كبير من المعزومين، وتعمد البعض منهم نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي وستورياتهم، الأمر الذي استنكروه كثيرا، واعتبروه مسيئا لحرمة الزفاف من جهة، كما أن البعض يستغله لأعمال مضرة بالزوجين، أخطرها السحر.
مع طغيان التفكير "الافتراضي" على غالبية المجتمع، تحاول العائلات الجزائرية، والأكثرها محافظة، البقاء بعيدا عن مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بعد أن أضحت مصدر مشاكل للبعض، لاسيما خلال الأفراح، ووجدت تلك العائلات حلا، أقل ما يقال عنه "جذري"، وهو منع التصوير خلال الأعراس، ولا يكون المنع بطلب بسيط موجه للمعزومين، بل بتجنيد فرقة كاملة يوم الزفاف، دورها الأساسي إخضاع جميع الحضور لمراقبة صارمة، ومنع كل من يحاول سحب هاتف نقال لأخذ صورة تذكارية، الأمر الذي قسم المجتمع لمجموعتين، واحدة مؤيدة للفكرة والأخرى مستهجنة تماما لذلك، مبررين موقفهم بأن تلك الخدمة تجعلهم يشعرون أنه غير مرحب بهم، وكل تصرفاتهم تحت المراقبة.
وبعد أن باتت الأعراس مكشوفة وسط مدعوين، ليس فقط في حدود أفراد العائلة والمقربين، بل تعدت الأمر، ليصبح كل قريب وبعيد مرحب به في بعض الأعراس، لاسيما تلك التي تنظم بأحجام كبيرة، ويتم دعوة أكثر من 500 مدعو أحيانا، وانتشرت بذلك ظاهرة التقاط الصور للعروسين وأهلهما، بل وللمدعوات وهن في كامل زينتهن.
وأكثر ما أثار غضب البعض، وتسبب في مشاكل كبيرة للبعض الآخر، انتشار تلك الصور والفيديوهات عبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، فمباشرة بعد انتهاء الوليمة، يتسارع "المهووسون بالأنترنت"، إلى نشر تلك الصور عبر حساباتهم، وستورياتهم، ليتفاعل معها مئات وملايين المشاهدين، لتنتزع بذلك حرمة وخصوصية الزوجين، والحاضرين. وبسبب كل ذلك، ارتأت الكثير من العائلات إيجاد حل نهائي لتلك المشاكل، ومنع مصدرها، من خلال المنع التام للتصوير بين جدران الوليمة، وتخصيص فوتوغراف واحد ووحيد، رجل أو امرأة، مكلف بالتقاط الصور والفيديوهات للعرس وللزوجين، كتذكار لهما، دون الوقوع في مشكل التشهير بالصور بعد الزفاف.
حل جذري لمشكل "التشهير"
في هذا الصدد، كان لـ"المساء" لقاء مع منيرة عباسية، صاحبة وكالة تنظيم أعراس، وواحدة من الوكالات التي تضمن خدمة "منع التصوير"، حيث قالت "إن الكثير من المشاكل تم تسجيلها، بسبب انتشار صور العريس والعروس خلال زفافهما، وكذا لنساء متحجبات وجدن صورهن منشورة وهن في كامل زينتهن دون حجاب، وأضحت تلك المشاكل تزداد سنة بعد أخرى، وبعد أن أصبح للجميع هاتف نقال، يسحبه كل حين وآخر خلال الزفاف، ويأخذ تارة صورة وتارة فيديو داخل القاعة، يُظهر في كل مرة أفرادا من العائلة"، وأضافت أن الأمر لا يقتصر أحيانا على نشر تلك الفيديوهات أو الصور، بل يتعدى أحيانا ذلك، بل أعظم، عندما يتم استغلال تلك الصور لأعمال شنيعة بغية أذية العرسان أو فرد من العائلة، والانتقام منه غيرة أو حسدا، كاستعمالها في السحر والشعوذة وتحطيم حياة الآخرين. وأكدت المتحدثة، أن بعض المشاكل بلغت حد "طلاق زوجة من زوجها" بسبب تلك الصور، الأمر الذي جعل التفكير في وسيلة للحد من مسببات هذا المشكل، بالمنع التام من أخذ الصور داخل قاعة الزفاف. وأوضحت أن إنشاء فرقة خاصة لذلك ضمن خدماتها، أمر لاقى نجاحا كبيرا، بعد اشتداد الطلب على هذه الخدمة، مشيرة إلى أن فرقتها تتكون من مجموعة من الشباب والشابات عددهم 5، مهمتهم الأساسية مراقبة كل من يحاول أخذ صور خلسة ومنعه من ذلك، بعد وضع في كل ركن من القاعة، لافتة تحمل "ممنوع التصوير" وتوضع كذلك على طاولات المدعوين، مؤكدة أن تلك الفرقة لا تقترب من المدعوين إلا إذا تطلب الأمر ذلك، وحاول أحد "التمرد" على شروط صاحب الوليمة. وأشارت محدثة "المساء"، إلى أن الإجراءات التي يتخذها المكلفون بالمراقبة، تصل أحيانا إلى سحب الهاتف النقال من الشباب، خاصة إذا ما تطلب الأمر ذلك، موضحة أن هذا ما يسبب في بعض الأحيان، الدخول في مناوشات مع عدد من المدعوين، وهو أكثر ما تحاول تفاديه، تفاديا لفضيحة داخل الزفاف، على حد تعبيرها.
مظاهر دخيلة تخلق آفات جديدة
من جهة أخرى، وفي حديثنا مع سماح بركاني، خبيرة علم اجتماع حول هذا الموضوع، أكدت لـ”المساء"، أن الأمر بلغ مستويات مخيفة، وقالت إن الحديث عن هذا الموضوع يدفعنا للوقوف عند ظاهرتين؛، الأولى هي التصوير العشوائي دون طلب إذن من أصحاب العرس، والثانية ظهور فرق منع التصوير داخل الأعراس، والتي يمكن أن تسيء لوصال العائلة، مشددة على أن الانصياع لقاعدة "كل ما زاد عن الحد بلغ الضد"، يمكنها أن تنظم المجتمع، موضحة أنه قبل سنوات، لم نكن نقف على مثل هكذا مشاكل، بل هي وليدة التكنولوجيات الحديثة التي أفسدت التفكير العام للمجتمع الجزائري. وزادت بركاني، أن التصوير العشوائي هو في حد ذاته مشك، قد يضر بالأشخاص، فمنهم من لا يحبذ إطلاقا فكرة تواجده على مواقع التواصل، بل أحيانا، لا تجد لديهم حسابات في الأنترنت، ولا ينشرون صورهم أو صور أزواجهم أو أبنائهم على الأنترنت، فبأي حق يأتي شخص آخر ويتعمد التشهير بهم، كما أن تلك الفوضى في أخذ الصور، قد تحدث حرجا لصاحبها أو تضعه في موقف صعب، أو حتى تسيئ إليه، وكثيرا ما تسببت في طلاق بعض الأزواج، بعد أن وجدوا صورهم في صفحات يتابعها الملايين من المشاهدين.
مشددة على صعيد ثان، على أن تخصيص فرق وتجنيدها داخل قاعات الزفاف، ظاهرة ليست دائما جيدة، على حد تعبيرها، وأوضحت أنها كانت شاهدة خلال عرس قريبتها، على نشوب فوضى ومناوشات داخل القاعة بين شباب من المدعوين والفرقة الخاصة بمنع التصوير، بعد أن طلب أحدهم من فتاة مدعوة بعدم أخذ صورة "سيلفي" مع قريباتها داخل القاعة، وتم سحب هاتفها النقال منها عنوة، ليسارع أهلها في التدخل، وانتهت المناوشة اللفظية بالضرب بين المجموعتين.
وعليه أكدت المتحدثة، أن الصرامة في هذا النوع من الأفراح، قد يدفع إلى بروز مشاكل بين أفراد العائلة، بالتالي فكرة تجنيد فرقة منع التصوير ليست دائما فكرة "جيدة"، موضحة أنه دائما ما يمكن استبدالها بطلب أفراد العائلة عدم منع كل من يحاول أخذ "سيلفي" تشمل الموجودين حوله، دون إحداث ضجة أو مشكل، بسبب ذلك، فدائما تجنيد غريب وتكلفته بمثل هذه المهمة، سيضع الحضور في موقف أنهم غير مرحب بهم، وأنهم تحت مراقبة وحراسة شديدة.
سحر وشعوذة.. أكثر المخاوف
في هذا الصدد، حدثنا الإمام محمد لعزوني، الذي وصف الظاهرة بالآفة قائلا "إن المجتمع الجزائري تخلى عن الكثير من العادات والتقاليد الجميلة التي كانت لديه، وبات اليوم ينساق وراء ما تروجه التكنولوجيات الحديثة، جعلته جسدا دون روح، إذ فقد بعض الخصال الحميدة التي كانت تميز شعبنا عن باقي الشعوب، وهي الحرمة، وتقديس المرأة والتخوف من أن يراها الغريب، إلا أن البعض بات يمارس هواية جديدة في التشهير بخصوصيات الناس، وهذا أمر محرم ويستنكره الدين الإسلامي، فالأساس أن الصور مكروهة ولا تجوز سواء في الأعراس أو غيرها، وإن كانت برضا أو عدمه، وإذا كانت بغير رضاهم، فالإثم أعظم".
وأضاف الإمام أننا نشهد الكثير من المشاكل، بسبب تلك الصور المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يبلغ بعضها حد الطلاق، ومشاكل أخرى كالسحر والشعوذة، مشيرا إلى أن تلك الصور من جهة، قد تجلب العين لصاحبها، وكذا الحسد من عند الأشخاص ذوي النفوس والقلوب المريضة، والذين تدفعهم غيرتهم إلى عدم مباركة ما يرونه، هذا ما يجلب لهم العين والحسد.
وأخطر ما في الأمر، يقول الإمام، إن بعض السحرة والمشعوذين يستعملون تلك الصور للإساءة للأشخاص، وتابع "كثيرا ما وجدنا خلال تنظيف القبور، صور زوجين خلال زفافهما، وهذا دليل على أن نية البعض في أخذ الصور في الأعراس ليست دائما سليمة وصافية، بل قد تكون لعمل سحر والتفريق بين الزوجين، انتقاما لغيرتهم وحسدهم وقلوبهم الضعيفة الخالية من الإيمان، فالابتعاد عن تلك الأمور وقاية للنفس والجسد والروح".