الثقافة الحسانية

خزان التراث ببوادي تندوف

خزان التراث ببوادي تندوف
  • 134
لفقير علي سالم لفقير علي سالم

يمتاز المجتمع التندوفي القديم بعدة عادات وتقاليد يقتسمها مع المجتمع الموريتاني، وكل المجتمعات الناطقة باللهجة الحسانية أو ما يُعرف لديهم باسم مجتمع البيضان. كما إنّ لكل أمة ولكل شعب من شعوب المعمورة عاداته، وخصائصه، ومميزاته التي أملتها عليه الظروف المحيطة به، ونمط عيشه، وأسلوب تعامله مع الحياة.

وتختلف تلك الخصائص والمميزات حسب نمط العمران الذي يعيش فيه الإنسان. وكان سكان تندوف في القديم يعيشون في الخيام بطريقة البدو الرحّل؛ ينتشرون عبر فضاء الصحراء التي جمعتهم تحت سمائها، وبسطت لهم خيراتها من شمس وهواء وحر. المتجول في أنحاء الولايات الجزائرية يلاحظ التنوع الحاصل في أدوات ونمط العيش حسب الطبيعة المتباينة من جهة إلى أخرى. ويتفق علماء الاجتماع وعلم الإنسانية، على تسمية تلك الأدوات بـ " الإتنوغرافيا" ، والمتعلقة بالخصائص العرقية للشعوب والأمم.

وبالنسبة لولاية تندوف تحديدا، فقد تركزت صناعة هذه الأدوات بمهارة وإتقان، على الأجسام، والمعادن؛ كالزخرفة على الجلود، وتحويلها الى تحف فنية نادرة، تنطق بالحياة، وتترجم الإبداع لدى سكان تلك الربوع، إضافة الى الخشب، والذهب والنحاس. ويلاحَظ على الموروث الحرفي التقليدي لدى ساكنة تندوف، ذلك التنوع الكبير الحاصل في تلك المنتوجات اليدوية كالحصائر والأواني، وأنواع أدوات الركوب المختلفة، والأواني الخشبية، والأدوات الموسيقية التي سبق وأعدّت "المساء" حولها، استطلاعا مع الفنان كابوس سالم، الذي أبدع في تصميم الآلات الموسيقية التقليدية بكل دقة وتفنّن. ويمكن الإشارة هنا الى أن الكثير من تلك الرموز الفنية قد اندثر؛ بسبب ظهور الصناعات العصرية.

والاشتغال بصناعة الجلود حرفة نسوية، تعتمد على الدباغة، والخياطة التقليدية، والزخرفة على الجلود، وتلوينها بأجمل الألوان والتصاميم. كما تعرف أغلفة المصاحف والمخطوطات الثمينة زخرفة متميزة على غرار مصحف " زيرق الرما" ، الذي يوجد عند عائلة تندوفية بحي موساني العتيق. وسبق لـ"المساء" أن نشرت عنه موضوعا في أعدادها السابقة. 

وقد تفننت المرأة التندوفية الحرفية منذ زمن بعيد، في صناعة الأغراض التقليدية المستعملة من طرف السكان؛ كالحقائب الجلدية المعروفة باسم: "تاسوفرة" . وهي حقيبة حافظة للأمتعة، أو " إيلويش" ، وهو السجاد المصنوع من جلد الماعز ذي الشعر الكثيف، والمزخرف بشتى الألوان الزاهية.  كما تُعد الخيمة أساس السكن التندوفي القديم بالبراري؛ كون المجتمع في الأصل، مجتمعا بدويا بالفطرة. وتُصنع الخيمة التندوفية القديمة من وبر الماعز والإبل. وتكون جاهزة دائما، وفي كل حين للترحال والتنقل من مكان الى آخر كلما دعت الضرورة لذلك؛ كالبحث عن الأعشاب والكلأ، ووقت هطول الأمطار، وامتلاء الأودية.

و "الوسائد الجلدية" أساس الأثاث المستعمل للراحة في الخيمة؛ فهي موزعة على الحصائر بشكل متقون ومتراص. ولا تخلو خيمة من وجود "إيليويش" خاصة بالنسبة لكبار السن، ومدرسي القرآن الكريم. ويُستعمل عادة للصلاة والعبادات المختلفة. ويُصنع هذا الفراش الخاص من جلد مسطح واسع، مدبوغ ومصبوغ، ومزخرف بأشكال متنوعة. واستعمل الإنسان التندوفي القديم "الظبية" . وهي حافظة للحبوب، شبيهة الى حد ما بـ"التاسوفرة".

وتُحفظ فيها الحبوب التي يستعملها الإنسان القديم في قوته اليومي. وتوضع "الظبية" على كفل الجمل كدعامة للراحلة خلال فترة التنقل وقطع المسافات الطوال. أما "التزياتن" فهي عبارة عن كيسين من الجلد كبيرين، مملوءين بالأثاث المتنوع الذي تحرص المرأة على توضيبه.  وخلال فصل الحر واشتداد الحرارة في غياب وسائل التبريد فإن البدو الرحل استعملوا "القربة" . وهي حافظة الماء أو ما يطلق عليها شعبيا بـ"ثلاجة البادية" ؛ يحفظ فيها الماء بعد نقله من البئر ووضعه بالقربة للتبريد.

وتُصنع القراب عادة من جلود الأغنام. كما تتعدد استعمالات القربة؛ منها ما يُستعمل في حفظ الدهن، وبعضها يُستعمل في حفظ التمر، وأخرى مخصصة لحفظ السكر والشاي. وقرب أخرى لحفظ الألبان. ومن أبرز الأفرشة التقليدية التي تشكل الخزان التراثي التقليدي لساكنة تندوف ومجتمعات البيضان بشكل عام، "الفرو" . وهو غطاء أو فراش مكون من تجميع جلود الخرفان. وشكله غير متساوي الأضلاع. كما يُعد من أغلى أثاث الخيمة عند البدو الرحل.  وفي ثقافة البيان حكايات طريفة عن "الفرو" ؛ منها مقولة: "هذا الفرو فيه جلد أخروف" ؛ للدلالة على أنّ للحيطان آذانا، خاصة عندما يدخل عليهم الأطفال أثناء الحديث.

واستعمل سكان تندوف بدوا وحضرا "الطبل" . وهو آلة موسيقية تقليدية تُصنع من جلد البعير، مشدود على آنية خشب. وقد استعملته الفرق الفولكلورية المحلية بتندوف "كفرقة قنقة" بحي الرماضين العتيق. ومن الآلات الموسيقية الأخرى التي عرفها الفن الحساني المعورف بـ "لغنا أو أزوان" ، نذكر آلة "الاردين" . وهو آلة موسيقية نسوية مستعملة عند مجموع "إيقاون" ؛ وهم الفنانون. ويُصنع "الاردين" من جلد مدبوغ رقيق، ومزخرف على نصف آنية من الخشب.