يقصده الزوار والسياح
حي الجون بالبليدة... خمسة قرون من التاريخ تقاوم الزمن
- 191
رشيدة بلال
لاتزال بعض الأحياء العريقة بولاية البليدة تستقطب، خلال العطل الصيفية، الزوار والسياح بالنظر إلى طابعها التقليدي الذي يعيد زائرها إلى حقب زمنية قديمة، بفضل حفاظها على جانب من طابعها المعماري الأصيل، سواء من حيث شكل المنازل أو الأزقة. ويُعد حي الجون الواقع بقلب مدينة الورود، من أشهر هذه الأحياء، حيث يعود تاريخ تشييده إلى قرابة خمسة قرون. ولاتزال الروايات المتداوَلة بين سكانه تربط تأسيسه بمؤسس مدينة البليدة سيدي أحمد الكبير.
يحتفظ حي الجون العريق إلى اليوم، بعدد من الشواهد التاريخية التي تؤكد عراقة المكان، وتروي جانبًا من تاريخه، لا سيما أنه كان موطنًا للأندلسيين ولاجئين من اليهود الإسبان، حيث بدأت، حسب الروايات التاريخية، حكاية من التعايش والتسامح بين مختلف مكونات المجتمع.
ويلاحظ المتجول في أزقة الحي، بشكل خاص، تصميم الأبواب الخشبية الصغيرة ذات الشكل المقوّس التي تزيّنها ألوان جميلة من الزليج المحيط بها، إلى جانب المطارق أو الأدوات الحديدية المعلقة عليها، والتي كانت تُستعمل لطرق الأبواب. كما لاتزال بعض النقوش والرسومات ظاهرة على هذه الأبواب. وتعكس في تفاصيلها هندسة عربية أندلسية، في حين تتميز نوافذ المنازل بصغر حجمها، واقتصارها في بعض الحالات على فتحات للتهوية، مع احتفاظها بنقوش ورسومات قديمة.
ولا يقتصر تميز الحي على هندسته المعمارية، إذ تزيد النباتات والأشجار من جماله، خاصة نباتات الزينة والياسمين التي تتدلى أغصانها على الجدران، إلى جانب أشجار الليمون التي تتوسط باحات المنازل، في مشهد حافظ عليه السكان، الذين لايزالون يحرصون على نظافة الحي، وجماله، وتمسّكهم بطابعه التقليدي؛ ما جعله قِبلة للزوار والسياح.
وحسب المهتم بالتاريخ محمد صطافي، فإن حي الجون أسسه سيدي أحمد الكبير سنة 1535 بالتزامن مع فترة خير الدين بربروس، حيث تم جلب اللاجئين الأندلسيين الذين فروا من محاكم التفتيش في إسبانيا، وتوفير مختلف سبل العيش لهم، من منازل للسكن، وأماكن للعمل وأداء العبادة، إلى جانب توفير الحماية لهم. وأضاف المتحدث أن اليهود كانوا في ما مضى، يسكنون إلى جانب الأندلسيين، وعاشوا معهم في إطار من التعايش، وهو ما جعل الحي يشكل نموذجًا لتعدد الثقافات والتعايش بين سكانه، لافتا إلى أن تسميته مشتقة من اللاجئين الذين لجأوا إليه، فسمي بحي "الجون".
غير أن حي الجون عرف تغيرات مست معالمه القديمة خلال الحقبة الاستعمارية، حيث عمد المستعمر، حسب المتحدث، إلى طمس جانب من ملامح الحي الذي أسسه الأندلسيون والعثمانيون، من خلال هدم عدد من الدويرات، قبل أن يبني المعمرون الفرنسيون أول كنيسة فرنسية بحي الجون، غطت جزءًا من المنازل القديمة بعد هدم مسجد أحمد الكبير.
وأكد المهتم بالتاريخ أن أهم ما يجب التأكيد عليه اليوم، هو محافظة سكان الحي على هذا الموروث، وتمسّكهم بالعادات والتقاليد التي توارثوها، مشيرًا إلى أن الزائر يكاد يجد في كل منزل من منازل حي الجون، باحة تتوسطها نافورة ماء، وتحيط بها أزهار الفل، والياسمين، وأشجار الليمون، وهي التفاصيل التي منحت الحي خصوصيته، وشهرته.
ويظل حي الجون من أعرق الأحياء القديمة بمدينة البليدة، ووجهة يقصدها الزوار الراغبون في اكتشاف تاريخ مدينة الورود وتراثها المعماري، حيث لاتزال دويراته وأزقته الضيقة وجدرانه المتماسكة، شاهدة على تاريخ طويل، وتعاقب أحداث وحقب مختلفة رغم ما تعرض له الحي من محاولات لطمس بعض معالمه خلال الحقبة الاستعمارية.