قيادة النساء للدراجات النارية

حين تقتحم حواء عالم السياقة الميكانيكية

حين تقتحم حواء عالم السياقة الميكانيكية
  • 182
كمال لحياني كمال لحياني

❊ كسر القيود وتحدي العادات... بين رافض ومتقبل

لم تعد هواية ركوب الدراجات النارية في الجزائر، حكرا على الرجال، إذ باتت النساء يغزون هذا المجال بقوة، مؤكدات أن الرياضات الميكانيكية ليست مقتصرة على فئة معينة. ففي مشهد لم يكن الجزائريون يتخيلونه قبل عقد من الزمن فقط، أصبحت الفتيات يمتطين دراجاتهن النارية في الشوارع والطرقات السريعة، متنافسات الرجال في سباقات، قد تصل سرعتها إلى أرقام جنونية، هذا التوجه الجديد يعكس تحولا تدريجيا في المجتمع الجزائري، حيث تتهاوى الحواجز الاجتماعية، والعادات التي كانت تحد من حرية المرأة، لتفسح المجال أمام رغباتها الترفيهية.

صابرين خليفة.. قصة نجاح ملهمة

في الثلاثينات من عمرها، تمكنت صابرين خليفة، من حصد شهرة واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بل وأسست مدرسة صغيرة لتعليم قيادة الدراجات النارية، تستهدف جميع فئات المجتمع، خصوصا النساء. وتكشف صابرين، أن شغفها بهذه الرياضة يعود إلى طفولتها، حين كان والدها يهديها دراجات صغيرة، تقضي ساعات طويلة في اللعب بها.

وتضيف أن حصولها على رخصة القيادة من إحدى المدارس المتخصصة بالعاصمة، لم يكن الهدف منه الترفيه فقط، بل تجاوز ذلك إلى مواجهة مشكلة الازدحام المروري اليومي، إضافة إلى اندماجها مع مجموعات على "فايسبوك"، تنظم رحلات سياحية نهاية الأسبوع، في محافظات تيبازة والغرب الجزائري. وتؤكد صابرين، أن حبها الكبير للرياضات الميكانيكية وطموحها للانضمام إلى نادٍ رياضي، والمشاركة في مسابقات وطنية ودولية، كان دافعاً أساسيا لاقتنائها دراجة نارية، رغم العقبات المادية التي واجهتها.

التغلب على عقبة الأسعار المرتفعة

لم تقف أسعار الدراجات النارية المرتفعة عائقا أمام صابرين، التي أوضحت أنها اضطرت في البداية، إلى بيع سيارتها، والاقتراض لشراء دراجة متوسطة السعر، ثم باعتها وتوجهت إلى محل يبيع بالتقسيط، لتتمكن من اقتناء دراجة متطورة ومتعددة التقنيات، وهي الطريقة التي أصبح يلجأ إليها الكثير من الهواة حديثاً، بسبب الغلاء.

نظرة المجتمع.. بين التشجيع والتحفظ

تشير صابرين، إلى أن التفاعل الإيجابي الذي حظيت به عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بعد أول رحلة لها على الطريق السريع، بين تيبازة والجزائر العاصمة، كان مشجعاً كبيرا لها. وتؤكد أن تعليقات المتابعين، خاصة من الشباب، عكست تقبلا متزايدا لهذه الظاهرة، مستندة إلى أن اقتحام المرأة مجالات كانت حكراً على الرجال، ساعد على تخفيف حدة الصدمة الاجتماعية. وتلفت إلى أن بعض الأصدقاء، كانوا يرون في خروجها للعلن، تحديا غير مشروع للقيود الاجتماعية، لكنها استطاعت عبر إصرارها، أن تشجع فتيات أخريات على خوض هذه التجربة، وتخطط حاليا لإنشاء مدرسة، خاصة في تيبازة، بعد أن كانت تدرس في إحدى المدارس في دالي ابراهيم بالعاصمة.

نسيمة .. شغف دام عشرين عاما

«كيف تسوق امرأة دراجة نارية؟".. سؤال يطرحه الكثير ممن شاهدوا نسيمة شرفاوي، وهي فتاة في الأربعينات من العمر، تقطن منطقة أولاد فايت بالعاصمة الجزائرية، موظفة بإحدى البنوك، تقول نسيمة، إنها لا تشعر بالحرج عند سياقتها الدراجة النارية، لكن تشاهد في كل مرة معالم الاستغراب والدهشة لدى الكثيرين، عند توقفها ونزعها القبعة، واكتشاف هويتها، خاصة في بعض البلديات الصغيرة المحافظة، التي لم تعتد على مثل هذه الظواهر.

تقول نسيمة، إن شغفها بقيادة الدراجة النارية، بدأ منذ أن كانت في العشرينيات من العمر، فكان حلما وهاجسا كبيرا بالنسبة لها، امتلاك دراجة نارية خاصة، وكانت تتابع البوطولات الدولية للدراجات، وتقول في هذا الشأن: "حاولت إقناع عائلتي بهذا الأمر، غير أنه كان صعبا في البداية.. أصبحت أتنقل خفية إلى أحد النوادي المتخصصة في تعليم سياقة الدراجات، وتنظيم رحلات جماعية إلى مختلف المناطق السياحية، حتى أشفي غليلي وشغفي، الذي حرمت منه لسنوات". وتضيف، أن زميلا لها في البنك، ساهم في انضمامها إلى نادٍ رياضي، حيث وجدت متعة كبيرة رفقة الفريق، الذي نظم رحلات جماعية، ساعدتها على التخلص من ضغوط العمل والحياة اليومية. وتؤكد أنها، على الرغم من كونها المرأة الوحيدة في المجموعة، إلا أنها شعرت بالاندماج والدعم الكاملين.

رؤية أكاديمية..  تحد للقيود الاجتماعية

من جانبه، يرى أستاذ علم الاجتماع بجامعة المدية، حسان عيط، أن ظاهرة قيادة النساء للدراجات النارية، تمثل تحدياً كبيرا للقيود الاجتماعية والعادات التي تميز المجتمع الجزائري. ويشير إلى أن بعض النساء، أصبحن يفكرن في الانتفاضة ضد هذه القيود، بحثا عن حرية أكبر، مستلهمات من الانفتاح الذي شهدته بعض المحافظات، وراغبات في تقليد حياة المرأة الغربية، التي تروج لها وسائل الإعلام.

ويؤكد عيط، أن فئة كبيرة من المجتمع لا تزال تنظر إلى المرأة، التي تقود الدراجة النارية أو تمارس أنشطة ذكورية، على أنها "فاقدة للأنوثة" أو "خارجة عن النظام المجتمعي التقليدي"، رغم الانفتاح الكبير الذي شهدته الجزائر في السنوات الأخيرة، بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، والغزو الثقافي الذي فرض نفسه على الأسرة الجزائرية. ويخلص عيط إلى القول، بأن المرأة الجزائرية أصبحت ترفع التحديات في كل المجالات، لتثبت قدرتها على مسايرة الرجل في المهن والرياضات التي كانت حكرا عليه، في محاولة لكسر الصورة النمطية للمرأة التقليدية.